الأغنية اليمنيّة في يومها الوطنيّ الأول

خلاصة الجمال المتوارث في وتر وحنجرة

أغاني الشعوب تعبّر عن مستوى ثقافة الجمال فيها، لكنها قبل ذلك خلاصة تجاربها وحِكَمها العاطفية والفكرية.

لا يزال مجال استكشاف الأغنية اليمنية بكرًا؛ تاريخها، تنوّع ألوانها من منطقة لأخرى، وكذلك السمات المشتركة بين كل لون غنائي وآخر. وعلى الرغم من القمع والبطش اللذين تعرضت لهما الأغنية والمشتغلين بها على امتداد تاريخها الحديث والمعاصر، إلا أنها لم تنطفئ. والسبب في ذلك لا يحتاج لذكاء خارق للمألوف، إذ يكفي التفكير قليلًا بكون الغناء فنّ الشعب، كما هي الحكايات والأساطير "أدب الشعب"، بتعبير الراحل عبدالله البردّوني. وهكذا تصير أي محاولة لإخماد صوت الغناء في أي زمن، بمثابة محاولة بائسة لإبادة شعب بأكمله، وكم فشل في ذلك أعتى الطغاة.

لليمن تراث غنائي متنوع وشديد الخصوصية؛ من الأهزوجة إلى الأغنية الطربية. ذلك لم يأتِ من فراغ، بل من حياة ثرية ومتنوّعة، ومن جهود فنانين وشعراء وملحّنين ومتذوّقين، اعتصروا خلاصة الجمال والحكمة، وأعملوا مواهبهم ومهاراتهم الفنية فيها لتطويرها مع الاحتفاظ بالأصل. وفي زمننا تحتاج الأغنية اليمنية لجهود فنانيها المجيدين من أجل إحداث نقلة نوعية في مسيرة تطورها خلال المرحلة الراهنة بكل تعقيداتها وقتامتها. تحتاج لشعراء غنائيين ينسجون كلماتها من خامة اللغة المحكية الشعبية، تحتاج لملحّنين يرسمون خطوطها وتموّجاتها من طبقات صوت الجدّات وهنّ يهزجن ويُلَالين، ومن تلك المساحات اللحنية التي نمت في حناجر قدامى الفنانين. وفي موازاة كل هذا، تحتاج الأغنية اليمنية لجهود الباحثين المتخصصين والمهتمين لدراسة خصائصها وتنوع ألوانها والمشتركات بين كل لون وآخر، وحينها يمكن للأغنية أن تمثل دليلًا إلى هُوية فقدناها شظايا ولم نعثر على كامل أجزائها بعد.

وأن يهتم لفيف من متذوقي الأغنية اليمنية ومحبّيها على اختلاف مِهَنهم ومستوياتهم الثقافية والعلمية، بتكريس الأول من يوليو/ تموز، يومًا وطنيًّا لها، فذلك، بلا شكّ، من بواعث السرور في النفوس التوّاقة للفرح، الباحثة عمّا يعزز دفاعاتها الذاتية في وجه تغوّل الحرب وتأثيرها الكارثي على مسيرة الحياة.

مواكبةً لهذا الاهتمام، الذي يجسّد مثالًا حيًّا لاتساع مساحة الوعي بكون الغناء فنّ الشعب، تكرّس منصة "خيوط" هذا الملف إسهامًا منها في دفع الاهتمام بالأغنية اليمنيّة نحو مزيد من الثبات والتأصيل لقيمتها ودورها في إثراء التجربة الجمالية والوجدانية والفكرية للمجتمع اليمني. مواد هذا الملف هي حصيلة اهتمام "خيوط" بالأغنية اليمنية منذ إطلاق موقعها الإلكتروني قبل أكثر من سنة، إضافة إلى بعض المواد الجديدة.

كل سنة والأغنية اليمنية ومبدعيها ومتذوّقيها ومحبّيها، بألف خير ومحبة وسلام.


شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English