فن الغناء التعزي

بين جدلية التصنيف كلون غنائي وحضور فني يتجاوز نصف قرن
عمران الحمادي
November 5, 2020

فن الغناء التعزي

بين جدلية التصنيف كلون غنائي وحضور فني يتجاوز نصف قرن
عمران الحمادي
November 5, 2020
© عبدالرحمن الغابري

 بين من يفضل وصف الغناء التعزي بـ"اللون الغنائي"، وبين من يتحفظ على وصفه بذلك، تحضر في عموم اليمن أغاني أيوب طارش وعبدالباسط عبسي وعبده إبراهيم الصبري ونجيبة عبدالله وغيرهم، كتيار غنائي ارتبط بمدينة تعز وأريافها. وإلى ذلك، يحضر عبدالله عبدالوهاب نعمان "الفضول"، وسلطان الصريمي، وسعيد الشيباني وغيرهم، كشعراء غنائيين ارتبط تعريفهم بـ"تعز".

     في هذا الاستطلاع، آراء عدد من الفنانين والشعراء والكتّاب، عن هذا اللون الغنائي، الذي يرتكز على تراث هائل من الأهازيج والألحان في أرياف تعز ومحيطها، وعددٍ غير قليل من الأغاني المستلهمة من هذا التراث.

     يتحدث الدكتور سلطان الصريمي لـ"خيوط"، عن عدم اكتمال شروط التصنيف لفن الغناء التعزي، كلون غنائي مستقل، على غرار الألوان الغنائية اليمنية الأخرى. يقول الصريمي، وهو أحد أبرز شعراء الأغنية التعزية: "اللون الغنائي التعزي لم يتشكل بعد، وإنما كانت هناك محاولة لـ"الفضول" وأيوب، هذه المحاولة استمرت من خلال الصريمي وعبدالباسط عبسي، ولكنها للأسف انقطعت."

     بالمقابل، تحدث الفنان عبدالباسط الحارثي عن "خصوصية" تميز الأغنية التعزية عن بقية الألوان اليمنية، رغم القواسم الفنية المشتركة. يقول الحارثي في حديثه لـ"خيوط": "برغم الشبه الكبير مع الأغنية الصنعانية، سواء في الإيقاع أو المقامات بشكل خاص، ومع الأغنية اليمنية بشكل عام، إلا أنني أعتبر اللون الغنائي التعزي، وخصوصًا الشعبي الأصيل، لونًا متفردًا ذا جمالٍ فاق أقرانه، وتميّز بخصوصيته الجمالية".

أغنية اخترقت آذان اليمنيين 

     الشاعر والناقد محمد عبدالوهاب الشيباني، تحدث في السياق الجدلي نفسه، بشأن تصنيف الأغنية التعزية، عن "الثنائية المحببة والمحافظة على جمهورها الواسع حتى اليوم".

     يقول الشيباني: "المتابع لتاريخ الأغنية اليمنية، يكتشف أن السبب المباشر لانكفاء أكثر الأغنيات على بيئتها المحلية والبيئات القريبة منها، يعود إلى غرق كلمات الأغاني في محليتها، وإن تجاوزت هذه المعضلة، تقع في فخاخ موضوعات متشابهة ومكرورة الإيقاعات والألحان".

    غير أن هذا الأمر بالنسبة للشيباني "سيختلف كلية مع "الفضول" وأيوب طارش، إذ صارت الخصوصيات اللغوية" التي كُتبت بها نصوص أغاني أيوب من شعر الفضول، جزءًا حيويًّا وفاعلًا من القاموس السلس، الذي يقترب من الفصيح، حتى وإن غرقت بعض الملفوظات في لهجتها المحلية الصرفة، فإنها تستبدل في بنائها المفصح باللهجوي في عملية ذوبان عجيب".

    ويضيف الناقد الشيباني عن ثنائية "الفضول" وأيوب، أن "ثنائية الفضول وأيوب، وخلال ثلاثة عقود من موت أحد طرفيها (الفضول) في يوليو/ تموز 1982، حافظت على حضورها دافئًا في وجدانات اليمنين، جيلًا بعد جيل". والسبب في هذا الحضور الدافئ يكمن في كون جملة الأغاني العاطفية والوطنية، التي كتبها عبدالله عبدالوهاب نعمان وغناها أيوب طارش، حضرت في وجدان اليمنيين عمومًا، كما لو أنه قد تم كتابتها وتلحينها وغناؤها خصيصًا لهم "بدون تمييز". وفي حين اعتبر الناقد الشيباني أن كلمات ولحن النشيد الوطني "ردّدي أيتها الدنيا نشيدي"، كان بمثابة "الحبل السري" الذي ابتدأ منه الارتباط الوجداني اليمني بأغاني أيوب، أشار إلى تميز هذه الأغاني بطابع وجداني جمعي. ولهذا "لم يجمع اليمنيون على شيء مثل إجماعهم على أيوب و"الفضول"؛ لأنهم ارتأوا في إرثهم الفني تجاوزًا لكل الحساسيات"، بحيث نفذت تلك الأغاني "إلى أسماعهم ووجدانهم بدون مصدات لغوية؛ لأنها في الأصل لم تنغلق على خصوصياتها المحلية".

تميزت الأغنية التعزية بالصورة والكلمة واللحن عن بقية الألوان الغنائية، التي تشكلت في مرحلة مبكرة منتصف الخمسينيات، وذلك من خلال بعض الأغاني، كأغنية "أخضر جهيش مليان حلا عديني"، التي غناها الفنان محمد مرشد ناجي، ثم أغنية "هربوا جاء الليل" التي غناها الفنان أحمد بن قاسم، وهما من كلمات الشاعر أحمد غالب الجابري

"الفضول" قصيدة لوطن واحد

     الباحث والأديب عبدالوهاب سنيين، أشار في حديثه لـ"خيوط" إلى "التميز الذي تحظى به الأغنية التعزية في الساحة اليمنية من حيث "نكهتها الخاصة ولحنها الخاص"، وشعراؤها أيضًا. لذلك فهو يصف الغناء التعزي بـ"اللون الجديد"، ويعتبرها "مدرسة غنائية" لها خصوصيتها، لافتًا إلى أنها لم تحظَ بانتشار كبير، مثل الأغنية الصنعانية والحضرمية واللحجية. وإذ يخشى الباحث عبدالوهاب سنين أن يكون فنانو الأغنية التعزية وشعراؤها، كأيوب طارش وعبدالباسط عبسي و"الفضول" والصريمي، "سَلَفًا بلا خَلَف"، أشار إلى "صوت شاب له قدرة على المضي قدمًا بهذا اللون، وأعني به رشدي العريقي".

     ويضيف سنين: "لو تيسر لهذا اللون [التعزي] ظهور شعراء بقوة مَن ذَكَرنا، لكان للأغنية التعزية شأن آخر". كما أشار إلى أنه لو كان الشاعر سعيد الشيباني، الذي "سكنت كلماته سرائر أحمد بن أحمد قاسم، ومحمد مرشد ناجي"، انضم إلى قائمة شعراء الأغنية التعزية، "لوجدنا اللون [التعزي] يمضي سهوًا رهوًا كغيره من الألوان الغنائية، التي تتسيّد عرش الغناء، وكما يقول الفيلسوف شوبنهور: "كل ضروب الفن تصبو إلى الوصول إلى مستوى التعبير الموسيقي". غير أنه يستدرك - رغم ذلك - بالقول إن "الفضول استطاع أن يجعل كل أبناء الوطن، بمختلف ألوانه يتغنون، بقصيدة الوطن الواحد: رددي أيتها الدنيا نشيدي".

    في سياق خصوصية "الأغنية التعزية"، يتحدث أيضًا الأديب والباحث مروان سلام، غير أنه يتحدث عن "خصوصية ومراحل تشكّل" لهذه الأغنية بعيدًا عن "الفضول" وأيوب طارش. يقول سلام: "تميزت الأغنية التعزية بالصورة والكلمة واللحن عن بقية الألوان الغنائية، التي تشكلت في مرحلة مبكرة منتصف الخمسينيات، وذلك من خلال بعض الأغاني، كأغنية "أخضر جهيش مليان حلا عديني"، التي غناها الفنان محمد مرشد ناجي، ثم أغنية "هربوا جاء الليل" التي غناها الفنان أحمد بن قاسم، وهما من كلمات الشاعر أحمد غالب الجابري".

    كما يعرج سلام في حديثه لـ"خيوط"، على ذكر أغنيتي "يا نجم يا سامر" و"يا طير يا رمادي"، اللتين غناهما الفنان محمد مرشد ناجي، من كلمات الدكتور سعيد الشيباني، كمرحلة سابقة لظهور "التناغم الثنائي البديع" بين الشاعر عبدالله عبدالوهاب نعمان والفنان أيوب طارش عبسي. وفي موازاة هذا الثنائي، يذكر سلام تجربة ثنائيٍّ آخر في سياق الأغنية التعزية، هما الشاعر الدكتور سلطان الصريمي والفنان عبدالباسط عبسي. ويضيف: "كل هؤلاء كانوا يعزفون على قيثارة الأغنية التعزية، التي بصوتها الرخيم ونغمها المتماوج وكلماتها التي تلامس شفاف القلب والوجدان، عكست طبيعة الإنسان التعزي وبساطته وصفاء روحه ووجدانه، وكذلك تطلعه وأمله في تشكيل وخلق عالم أرحب وأجمل"، لافتًا إلى الأثر الخاص الذي تركه "هذا المزيج الفني في ذائقة الجمهور"، سواء في تعز أم في عموم اليمن.

    وعن أسباب خفوت الأغنية التعزية، يقول سلام: إن "هناك تجاوزًا كبيرًا وتسطيحًا واضحًا للون الغنائي التعزي"، لافتًا إلى أن ما سماها بـ"المركزية التي عاشها المجتمع اليمني، التي تمثلت بتركز كل التأثيرات الفنية والثقافية والفكرية في العاصمة صنعاء، كان لها دور كبير في خفوت الأغنية التعزية"، حسب تعبيره.

نسق غنائي متعدد

     يرى الكاتب حسن الدبعي في حديثه لـ"خيوط"، أن الأغنية التعزية لم تكن معروفة قبل ثورة سبتمبر/ أيلول 1962، لافتًا إلى أن ما كان سائدًا من الغناء التعزي قبل ذلك، اقتصر على
"المهاجل والملالاة". وبعد قيام ثورة 26 سبتمبر/ أيلول، "انتعشت الأغنية التعزية لتجاري كل الأوضاع والتقلبات السياسية، فقد تغنى فنانو هذا اللون بجمال الطبيعة والمرأة والتربة والمطر، وتصدر المشهد الغنائي في تعز شعراء تمتعوا بذوق جمالي رفيع، مثل الدكتور الصريمي ومحمد عبدالباري الفتيح وأحمد الجابري والفضول وآخرون". وعن الفنانين الذين ارتبطوا بالغناء التعزي، يذكر الدبعي أيوب طارش وعبدالباسط عبسي ومحمد صالح شوقي، الذين قال إنهم جعلوا من الأغنية التعزية "لوحة تعبيرية اجتمعت فيها كل الخطوط الجمالية، لاسيما منها الثورية المعبرة عن تطلعات الأمة".

     من جهته، قال الشاعر والأديب زياد القحم إن" الغناء التعزي هو أحدث الألوان الغنائية في اليمن ظهورًا، فقد بدأ على يد الفنان أيوب طارش عبسي في النصف الثاني من القرن العشرين"، معتبرًا أن الغناء التعزي "ليس طارئًا"، كونه جاء "تطويرًا لفنون شعبية قديمة كانت موجودة في أرياف تعز". ومن زاوية أخرى، يقول القحم إنه يمكن اعتبار الغناء التعزي "تفرعًا من اللون الصنعاني، نظرًا لكون ألحان أيوب ومن بعده من الفنانين مبنية على إيقاعات صنعانية في الغالب". كما يورد سببًا آخر لذلك، يتعلق بكون نصوص الأغنية التعزية "تكتب بلهجة تميل نحو الشعر الحميني في الشكل الشعري والقريب من الفصيح". ويضيف أن "الغناء التعزي، منذ ظهوره رسميًّا عبر الكاسيتات والإذاعات، أصبح محبوبًا بشكل كبير لجمهور اليمن في كل المحافظات، وفي الدول المجاورة".

فن الغناء التعزي، في كل الأحوال، جدير بالنقاشات الفنية بشأن حضوره ومدى إمكانية تصنيفه كلون غنائي مستقل، خاصة أن بعض ألحانه تأتي مصحوبة برقصات كـ"الزبيرية"، و"الجرابي"، و"العسكرة"، ولهذه الرقصات إيقاعات وأزياء ومناسبات خاصة بها

    وعن سؤال أسباب خفوت الأغنية التعزية في الوقت الراهن، قال الشاعر القحم إنها "لم تعد بمستوى الحضور الذي يليق بها، ولعل السبب يعود لوجود انتكاسة موسيقية في العالم العربي بشكل عام".

لون غنائي مستقل

   الشاعر محمد سلطان اليوسفي تحدث أيضًا لـ"خيوط"، عن جدلية الغناء التعزي بين كونه لونًا مستقلًّا أم لا، وهو يميل إلى تصنيفه لونًا غنائيًّا ضمن ألوان الغناء اليمنية. وعن امتلاك تعز اليمنية لموروث فني عريق مختلف ومتنوع، يقول:

"لتعز لونها الغنائي الثري والمتنوع، ولها ألحان خاصة تعبر عن طبيعتها الجميلة وتنوعها الثقافي"، مستشهدًا على هذا التنوع بوجود ألحان خاصة في تعز لـ"أغاني الحب والغرام، وأخرى للموالد والأناشيد الصوفية، وهناك أغاني الزراعة والأهازيج الشعبية التي بُنيتْ على غرارها العديدُ من الألحان، التي استلهمها الفنانون من تراث منطقة الحجرية تحديدًا". ويضيف أن أبرز الفنانين الذين استلهموا ألحانًا جديدة من تراث تعز الغنائي، هم: أيوب طارش عبسي، عبدالباسط عبسي، محمد مرشد ناجي، أحمد ابن أحمد قاسم، فرسان خليفة، وعبده إبراهيم الصبري. ويتابع: "بأصوات هؤلاء سمعنا الكثير من الألحان الشعبية المستوحاة من التراث في منطقة الحجرية، ولعل أبرز من نهل من معين هذا اللون الغنائي هو الفنان القدير عبدالباسط عبسي، الذي خصص مساحة واسعة من إنتاجه الغنائي (شعبيات من تعز)، وكذلك الفنان أيوب طارش عبسي الذي كانت كثير من ألحانه، منذ انطلاقه، مستوحاة ومستلهمة من هذا التراث".

    ويورد اليوسفي عددًا من الأغاني ذات الألحان المستوحاة من موروث منطقة الحجرية، ومنها: "بالله عليك وا مسافر"، "بس لا تؤشر لي سلام بيدك"، "الغراب السوادي"، وغيرها، إضافة إلى ما قدمه الفنان محمد مرشد ناجي من ألحان التراث التعزي، كأغنية "يا محلّ اورد يا وريداني"، وأغنية "كل السمور مروحين"، "يا نجم يا سامر"، وكذلك أغنية "اليوم يالله واليوم دائم" للفنان أحمد بن أحمد قاسم. ويؤكد اليوسفي على أن هذه النماذج من الأغاني يمكن لمن يستمع إليها "أن يدرك منذ الوهلة الأولى أنها ألحان مميزة بطابعها الخاص، وتختلف عن بقية الألوان الغنائية اليمنية".

    ويعرج اليوسفي على ذكر فن الملالاة، الذي قال إن منطقة الحجرية تتميز به تحديدًا، وهو - في الواقع - موروث شعبي تتميز به أكثر من منطقة في أرياف تعز. وفن الملالاة موروث "موغل في القدم" بالفعل، وطالما ارتبطت أغراضه الشعرية بالعلاقة بين الفلاح وحقله وبين المرأة وشوقها لزوجها الغائب، وما زالت الأجيال تتناقل هذا الفن بألحانه المتميزة، وتجدد في كلماته، كما يستلهم منه الكثير من الفنانين ألحانًا جديدة، ينطبق عليها وصف لإعادة إنتاج الموروث الشعبي. 

    وفي كل الأحوال، فإن فن الغناء التعزي، كغيره من فنون الغناء في اليمن، التي تجذرت كألوان غنائية، جدير بالتناولات الإعلامية والنقاشات الفنية بشأن حضوره ومدى إمكانية تصنيفه كلون غنائي مستقل، خاصة أن بعض ألحانه تأتي مصحوبة برقصات معينة كـ"الزبيرية"، و"الجرابي"، و"العسكرة"، ولهذه الرقصات إيقاعات وأزياء ومناسبات خاصة بها. وبلا شك، فإن الفوارق الجوهرية بين فن الغناء التعزي والألوان الأخرى، بحاجة إلى دراسة تحليلية تُبنى على أسس موسيقية بحثية، لا يمكن أن ينهض بها إلا باحثون متخصصون.

    أما التراجع الحاصل في الغناء، فهو ليس مقتصرًا على الأغنية التعزية، بل صار يشمل ألوان الغناء اليمني الأخرى، التي فقدتْ الكثير من سماتها التي طبعها الرواد الأوائل، الذين أسهموا إسهامًا كبيرًا في إبراز وترسيخ هذه الألوان الغنائية على نطاق واسع.

تحرير "خيوط"

•••
عمران الحمادي

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English