الملالاة في تعز..

ترانيم الحقول التي رددت صداها قلوب الشابات
خولة فؤاد
March 16, 2020

الملالاة في تعز..

ترانيم الحقول التي رددت صداها قلوب الشابات
خولة فؤاد
March 16, 2020

في نهايةديسمبر/ كانون الأول 2019، أقامت مؤسسة "توكل كرمان" وقناة "بلقيس"حفلاً خطابياً وفنياً، في العاصمة التركية اسطنبول لتكريم عراب الأغنية الوطنيةاليمنية، أيوب طارش. ومن بين الأشياء التي علقت في أذهان المتابعين، سواء علىالشاشة، أو في مواقع التواصل الاجتماعي، الموال الذي ابتدأت بهشابة يمنية تدعى غراء ثابت، أغنية "خذني معك" الشهيرة. ويعتبر هذا "الموال"،محاولة جديدة، لإحياء تراث فلاحي يمني يدعى "الملالاة"، كانت توقفت محاولاتإدخاله في الأغنية اليمنية في مرحلة سابقة لعقد التسعينات.

"المُلالاة" موروث شعبييمني، ارتبط بمحافظة تعز، وخاصة بمنطقة الحُجرية (جنوب مدينة تعز)، ولا يعني ذلكأن هذا الفنّ البديع لا يوجد في مناطق أخرى من محافظة تعز؛ فسكان جبل صبر والأريافالمحيطة بمدينة تعز من الجهات الأخرى، يتفننون في حفظ "الملالاة"وتجديدها والشدو بلحنها البديع على اختلاف تنويعاته. لا يُمكنك المرور بكبار السنْدون أن تسمعهم يغنونها بشكلٍ متناسق ومُرتب في الطُرقات، وفي المُدرجات الزراعية، وفيأزقة القرى.

للملالاة في مناطق تعز لحنٌ يكاديكون واحداً، لكنه يتنوع من منطقة لأخرى، كما أن هناك طابعاً خاصاً لملالاة الرجال،وآخر يميز ملالاة النساء؛ الفرق يتمثل في طبقة الصوت الجهورية والرقيقة، كما أنلحن الرجال يسمى "مهجَل". يبدأ اللحن عموماً بلازمة "ألا لي لي ليلي ليه..." ثم غناء الكلمات، وتتكرر هذه اللازمة مع كل بيت شعري جديد. أما مايميز شعر "الملالاة" و"المهجل" معاً فهو القافية المتشابهةبين صدر البيت وعجزه، وبداية قافية مختلفة لكل بيت شعر على حدة.

بالرغم من أن "الملالاة"و"المهاجل" لا تزال حية على ألسن النساء والرجال، إلا أن فنانين كأيوبطارش وعبد الباسط عبسي ومحمد مرشد ناجي وغيرهم، حرصوا على استلهام ألحان لأغانيهممن هذا الموروث الموغل في القدم. وقد صارت هذه الأغاني تعرف باللون التعزي في إطارالغناء اليمني المتنوع.

في حديثه لـ"خيوط" يعرّفالفنان عبد الباسط عبسي "الملالاة" بأنها "غناء حرّ غير ملتزمإيقاعياً، ويؤدى في سياق ما يجيش في نفس الشخص "المُلالي"، من لواعجوأشواق، سواءً كان رجلاً أم امرأة".

كما يعدّه فناً وثيق الصلة بمحافظةتعز، مستبعداً أن يكون انتقل إليها من منطقة أخرى؛ كون طابعه مميزاً عن أهازيجالمناطق اليمنية في المحافظات الأخرى.

بحسب عبسي فقد وظف"الملالاة" في مُقدمة أغنيته الشهيرة "مسعود هجر" التيأصدرها العام 1972م، من كلمات الشاعر سلطان الصريمي، وهي الأغنية التي تحدثتبلسان المرأة، وتناولت معاناتها بسبب هجرة زوجها "الغربة" بحثاً عن فرصةعمل خارج اليمن.

وقد أُعيد تجديد هذه الأغنية مؤخراًمن قبل فنانين شباب، ضمن مُسلسلات تلفزيونية رمضانية؛ للفت انتباه المُشاهد اليمنيإلى موروث فني لا يزال حياً، ومعاناة النساء المتجددة مع هجرة أزواجهن إلى خارجالبلاد بحثاً عن فرص عمل. من مبادرات تجديد أغاني اللون التعزي، برزت مؤخراً فرقة"مشاقرتعز"، وهي مجموعة من الشُبان والشابات يقومون بإعادة إحياء التراثالغنائي لمحافظة تعز، سواءً "الملالاة" في سياقه الشعبي المعروف، أوإعادة إنتاج أغانٍ من اللون التعزي، خاصة للفنانَين الكبيرين أيوب طارش عبسي وعبد الباسطعبسي؛ اللذين ينحدران من "الأعبوس" (إحدى مناطق مقاطعة الحجرية الواسعة).وقد كان أول مقطع للفرقة تم تداوله في مواقع التواصل الاجتماعي ويوتيوب: "بكرغبش"، الذي نال متابعة جيدة على المواقع اليمنية والعربية.

هاجر عبد الرقيب نُعمان (21 سنة)هي المؤدية الرئيسية في الفرقة، وهي فنانة لديها صوت بديع، وذات حضور محبوب في تسجيلاتالفرقة.

عن سبب اهتمامها بفنّ "المُلالاة"، تقول هاجر لـ"خيوط": "السببلأنها تُراثنا، أصالتنا، فخرنا، ولأنها جميلة تخاطب الوجدان، وتعبر عن مشاعر متعددة،كما أنها تُناقش قضايا مُختلفة". غير أنها تعبر عن حزنها لكون هذا الفن"مهمّشًا ومهملًا، ولا يعرف الكثيرون من جيلها قيمته"، واصفة إياهبالكنز.

وحينما سألتُها كيف كانت ردة فعلالمُجتمع عن ظهورها هي ومجموعة "مشاقر تعز"، قالت: "المجتمع كانمتعطشاً جداً ومُحباً ومُتحمساً للأفكار التي نطرحُها، والتسجيلات التي ننشرها. الأغلبيةكانت ردودهم وتعليقاتهم إيجابية"، ثُمَّ أردفتْ: "علينا أن نواكب العصر، ونمزجتُراثنا بالطُرق والتقنيات الحديثة المحبوبة والمرغوبة عند الآخرين".

أما أكثر مقطع "ملالاة"تحب هاجر ترديده باستمرار، فهو:

"حُبيبي واني فدا لروحك

 يا ليتني شاهي علىصبوحك"

"شاحن عليك ياللي تحن عليا

شاملّكك روحي وما لديّا"

"فُكي اللثام قانا أعرفك من العام

مرعُف طويل مُتلاسقات الأعرام".

و"العام" أي: السنةالماضية، و"المرعُف": هو الأنف، أمّا "متلاسقات الأعرام"، فتعني:متلاصقات الحواجب. و"الأعرام": كلمة حميرية تُنسب إلى سد العرم قديماً.وهناك شواهد ودلالات على أن "المُلالاة" تضمنت تشبيهات بكلمات ذات أصوللغوية قديمة، أو تسميات لمناطق قديمة، ولم تخلُ اللهجة اليمنية من كلمات حميريةوسبئية لا تزال تُردَّد على ألسن الكثيرين، لكن دون معرفة بأنها تعود إلى حضارة اليمنالقديم".

ريانالشيباني (36 سنة)، كاتب وصحفي، يرى أن بعث فن "الملالاة"، وهي أهازيجريفية، من قبل شباب وشابات عاشوا جلّ أوقاتهم في المدينة، يأتي ضمن التحولاتالاجتماعية العميقة التي أفرزتها السنوات الخمس الماضية.

ويرىالشيباني، أن الهجرة والنزوح إلى الريف بفعل الحرب، قد يكون لهما أثر، في اقتباسالجماعات الفنية من الموروث الريفي للدفع بالأغنية الفنية قدماً.

ويتحدثالشيباني، عن أن مثل هذه المحاولات الخلاّقة على تواضعها، ليست وليدة اليوم. ففيفترة من تاريخ الأغنية اليمنية، تعاون الشاعر سعيد الشيباني مع الفنّان الراحلأحمد بن أحمد قاسم، لإنتاج أغانٍ مزجت الموروث الريفي بالأغنية العدنية، ومن ذلكأغاني: "من العدين"، و"اليوم يا الله"، كما تعاون الزعيمالاشتراكي الراحل عبد الفتاح إسماعيل مع الفنان الراحل محمد مرشد ناجي في أغنية"مخلف صعيب".

فكري القدسي (35 سنة)، رجل تسكن "الملالاة"في وجدانه، وبين ضلوعه. بصوتٍ يُعانق قلوب كل من يُحب الفن، "يلالي" فكري،بسلاسة نطق وإجادة وزن للقافية، كما لو أن هذا الفن لغته اليومية.

"ألا وأنا اسألك وامُنشي السحايب

فرّج على من كان حبيبُه غَايب".

وبين مُجددي المُلالات من كبارالسن، لم ننسَ زيارة الحجةمِسك (80 سنة) من جبلِ صبر. بروحٍمرحة وقلبٍ بشوش، كريعانِ الشباب، جعلت كُل من حولها يجلس على ركبتيه؛ ليُنصتإليها بهُدوء وهي "تُلالي":

"جبل صبر عالي وأنا طلعتُه

حُب البنات حالي وأنا طعمتُه"

بِلهجتها البسيطة ونبرتها المسكونةبرائحةِ جبل صبر، غنّت الكثير من "الملالاة"، حيث لا يكاد السامع أن يتوقفعن طلب المزيد.

"شـاحنَّ لي محل سيل جازع

حنين محبوس مالوش مُراجع"

ثُم قالت بضحكة وخجلِ فتاة فيالعشرينات:

"كنتُو شباب من رآني سَنّب

والآن شويبة من رآني جنّب". 

وكلمة"سنّب"حميرية أيضاً وتعني: "وقَف"، وفي نهاية المقطع تحكي أنها بعد أن أصبحت "شويبة"؛أي عجوز، أصبح من يراها يتنحّى جانباً. ثم روت لنا قصة قديمة حدثت في قريتها عندماكانت في بداية شبابها، عن شابٍ أحب فتاة، لكنه قوبل بالرِفض من عائلتها، ثُمتداولت هذه الأبيات كملالالة بين سُكان القرية:

"الجبهة قِبلة والراكع أنا

والوجه دفتر والكاتب أنا"

"واللقف خاتم والمختومأنا

والعنق إبريق والشارب أنا"

"الأصابع أقلام والكاتبأنا

والحُوْل ساقي والرعوي أنا"

"عدّيت ألوف وعمي ردّنا".

غادرنا الحجة "مِسك"وصوتها يرنُ في آذاننا، كأُغنية صباحية لا يُمَلّ سماعها.

هُنا في تعز، حيث يختلط الماضي بالحاضر عبر الأهازيج، واللهجات تُشكل مزيجاً من تحولات ثقافية متسلسلة، لا تزال "الملالاة" الشعبية فنّاً مُوحداً يغنيه الأهالي في مزارعهم، والنسوة في البيوت والحقول معاً، وتصير "الملالاة" أكثر تشويقاً في ألسن المحبين؛ وهكذا يُحفظ هذا الفنّ خالداً وموروثاً، جيلاً بعد جيل.

الصورة لـ البراء منصور

•••
خولة فؤاد

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English