سيرة البطش بالغناء اليمني

في جذور النظرة الدونية للفنانين اجتماعياً وسياسياً
جمال حسن
September 14, 2020

سيرة البطش بالغناء اليمني

في جذور النظرة الدونية للفنانين اجتماعياً وسياسياً
جمال حسن
September 14, 2020

سارت الأغنية اليمنية في تاريخ ملتبس، وبصورة بلغت ذروتها في عهود الإمامة، وعبر فترات متلاحقة، تعرض ممتهنو الغناء للعقاب والبطش. وعلى خلاف ما تبدو عليه اليوم مفردة "فنان" لشريحة متعلمة، ترقّت مع تطور المفاهيم الإنسانية، ازدرى المجتمعُ الموسيقيين، وحاول حصرهم كجماعات منبوذة. على أن تلك المفاهيم تغيرت بصورة متدرجة، بَدءًا من احتراف أحد أمراء لحج، أحمد بن فضل العبدلي المعروف بـ"القُمِندان"، وفي شمال اليمن أعادت ثورة 26 سبتمبر/ أيلول 1962، الاعتبار للموسيقى، وإن لم تكن بالصورة الكافية.

  في قريتنا كانوا يطلقون على أحدهم لقب "الفنان" للحط منه كشخص مخبول. وظلت إرادة الفن مقموعة، بَدءًا من الوسط العائلي ثم المجتمع. وإن حاز عدد من الفنانين اليمنيين تقديرًا عاليًا، فقد كان على صلة بجهودهم الذاتية، في واقعٍ لم يُتح فيه تعليمٌ موسيقي متطور. والأغنية اليمنية بكل ما تملكه من موروث، كانت محكومة بسيرة بطش، وبصورة خاصة الغناء الصنعاني. ومع حدوث استثناءات في بعض فترات حكم الإمامة، وخلال التواجد التركي، وجد الفنانون ملاذًا.

ومع وصول الإمام يحيى حميد الدين إلى صنعاء، حدث نزوح للمغنِّين خارج صنعاء، وكان أشهرُ مُغنِّييْ صنعاء- سعدَ عبدالله- هو الأسوأ حظًّا، حين وقع في قبضة القبائل. وعلى الأرجح انتهى أحد الفصول الجميلة بتراجيديا مقتل سعد وهو يحاول الهرب من البطش المتجهم. مع هذا نجح كثير من الفنانين في الهرب إلى عدن وإلى خارج اليمن، بينهم عتيق محمد وزير، وعدد من عائلة الماس، وكان بعضهم يبحثون أيضًا عن ملاذ ينجدهم من ضيق العيش.  

ربما تعود أول واقعة قمع للغناء اليمني، إلى زمن خليفة المسلمين الأول أبوبكر، حين عوقبت مغنيتان في صنعاء. عدا أن دافع العقاب لم يكن تحريم الموسيقى بقدر ما ترتب عن ذلك الغناء إساءة للدين، بحسب شكوى والي صنعاء للخليفة. وربما تضمن غناؤهن سخرية مست الوالي، وبدوره حمّل غناءهن إساءة للدين. مع هذا لم يُفهم حدود تشدد المسلمين الأوائل إزاء الغناء، إذ كان موجهًا لنوع من الغناء على صلة بالفاضح، وبالتصاق كثيرٍ منه بالمجون، فأجرى البعض حكمًا عامًّا ضد الغناء، مع السماح للنشيد الذي يُمكن مصاحبته بالدف. وهو عملية تحريف واضح لواقعة استقبال أهالي المدينة للنبي محمد (ص) بإنشادهم "طلع البدر علينا"، فاستخدام الدفوف من عدمه، لم يكن معناه استهجان الموسيقى، وإنما من المحتمل عدم شيوع آلات الموسيقى في تلك الفترة، وليس انعدامها.

فالإسلام، مثل كل الأديان الأخرى، بنى نظرته الملتبسة إزاء نوع من الغناء ارتبط بحياة المجون والفُحش من وجهة نظره، وبدرجة أقل، لما يمكنها أن تُلهي الناس عن الواجبات الدينية. وكان للكنيسة المسيحية تصورها الخاص بالغناء الديني، وعلى سبيل المثال، تم نبذ مقامات موسيقية؛ لأنها من وجهة نظرها فاسدة. 

وربما شهدت اليمن بعض التشدد في الفترة المسيحية، انعكست على أنماط من الغناء، وهو ما تقوله وثيقة بيزنطية، وإن لم تكن مؤكدة، بأن عقابًا طال موسيقيين، وفق قانونٍ أصدره أسقف ظفار الحِمْيَري. لكن ربما عاقبت المسيحية أشكالًا غنائية تعود من وجهة نظرها إلى فترة وثنية أو على صلة بالدين اليهودي في اليمن. فالمسيحية لم تنبذ الغناء في طقوس عباداتها، وهذا يعني أنه ربما كان للوثيقة أساس واقعي، غرضه تعميم غناء يوائم الدين المسيحي، ومنه ربما دخلت مقامات يونانية، مثل الدوري والفيرجاني، وتفسخت مع الوقت أو بقي أثرها في الإنشاد الديني اليمني المعروف في صنعاء.

ويبدو أن العمل في الغناء ظل لفترة طويلة مرتبطًا بالفئات المنبوذة، فأبو الحسن الهمداني أشار إلى غناء يقدمه الموالي، وهم فئة متدنية من المجتمع. والأرجح أن الصورة العامة ذات الطابع الطبقي، ظلت تُقلل من العاملين في الغناء، وهي الصورة التي ما زالت جذورها حاضرة إلى اليوم، وإن لم تكن بالقسوة نفسها، لما حظي به الغناء من رعاية في بلاطات الدول ذات الطابع السني. لكن ظهور الإمام الهادي، المعاصر للهمداني، كان مفصليًّا في التاريخ السياسي اليمني، وكذلك ترك أثرًا على الغناء بصورة أو بأخرى. 

مع هذا لا يسرد لنا التاريخ، بعيدًا عن الوجه السياسي والديني لتلك الفترة، واقع الغناء بصورة مفصلة. وأول واقعة معروفة بطشت بالغناء تعود إلى القرن الخامس عشر الميلادي، حين أمر الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى بتحطيم الآلات الموسيقية. مثلُ تلك الحادثة ستعود في القرن التاسع عشر مع ظهور الإمام المنصور، ولم يكتفِ الأخير بذلك، إنما شكّل مشرفين دينيين يعلِّمون الناس أمور دينهم، إذ كان بتصورهم الديني أن ما شهدته البلاد من جفاف أضرَّ بالناس، يعود للفساد الذي كان الغناء بنظرهم أحد وجوهه. وحتى مع وجود شغف بالغناء لدى المجتمع اليمني، إلا أن التباسًا ظل يتحكم بالنظرة العامة، وهو ما يجعل الاستماع للغناء ينتهي باستغفار خوفًا من عاقبة أو مكروه. 

منذ عشرينيات القرن العشرين، احتضنت عدن الغناء الصنعاني، وربما احتفظت لنا بعدد من الروائع الغنائية مع ظهور التسجيلات خلال عقد الثلاثينيات

ورغم تشدد الأئمة المعروف، حدثت استثناءات في فترات عديدة، على أنه أيضًا لم يكن تسامحًا يسمح له بأن يصبح شأنًا عامًّا. وأول شاعر حميني معروف في صنعاء كان محمد بن شرف الدين، وهو ابن أخ الإمام المطهر بن شرف الدين، الذي قاوم التواجد التركي في اليمن. ففي فترة المطهر، شهد بلاط الحاكم التركي في صنعاء حفلًا موسيقيًّا لفنان صنعاني، وربما غنى إحدى قصائد محمد بن شرف الدين. كما أن بلاط المطهر شهد غناءً، بحسب رواية حفيده لطف الله بن شرف الدين. 

والجلي أن الأئمة حرصوا على عدم التسامح مع الغناء في الشأن العام، لكنهم غضوا الطرف في شؤون النخبة. وهذا جعل من الغناء الصنعاني ذا طابع مرتبط بذائقة النخبة الحاكمة، فأشهر شعراء الحُمينيات كانوا من الطبقة العليا مثل القاضي العنسي، وكذلك عبدالرحمن الآنسي وولده أحمد، حتى أن أحد الأئمة، وهو محمد بن إسحاق، كتب قصائد فصحى وحمينية، ما زال بعضها يُغنى حتى اليوم.

لم ينقطع الغناء حتى في أشد فترات التعصّب، لكن حضوره ظل سريًّا. ويبدو أن التواجد التركي ساهم في احتضان الغناء كظاهرة عامة شهدت تحريضًا من الأئمة، باعتبارها جزءًا من الفساد الذي يشيعه المحتلون. ويشير الدكتور محمد عبده غانم في كتاب "شعر الغناء الصنعاني" إلى أنه تم دعوة مغنِّين من صنعاء، لإحياء عرس في عدن في عام 1905، وهو ما يعني أن تلك الفترة وجد فيها المغنّون حريةً لم تكن معهودة مع وصول الإمام يحيى إلى صنعاء.

لكن الغناء قاوم في أشد المراحل بطشًا، وظل يعمل في الخفاء من الرقابة الصارمة، فالفنان قاسم الأخفش، أحد المغنِّين المعروفين، غنى خلال فترتي حكم الإمام يحيى وابنه أحمد، وعاصر الثورة حتى توفي في السبعينيات من القرن العشرين الفائت. وتعود قصة مقتل سعد عبدالله كمَثَل فاضح على قسوة تلك الفترة، وربما كان التحريض عليه مرتبطًا بارتباطه بالأتراك، إضافة إلى ما أشيع حول الحياة الماجنة التي عاشها. بل إن قصة ذكرها جان لامبير، بحسب شهادة أحد المعاصرين لتلك الفترة، قال إن الناس منعوه من صلاة الاستسقاء. ولا نعرف الطريقة التي قُتل فيها؛ هل جرى تعذيبه أو التمثيل بجسمه ليكون عبرة لمرحلة حرّمت كل ما يتعلق بالغناء. مع هذا، تغاضى الإمام يحيى وابنه أحمد على غناء المهمشين، الذين يغنون بالمزمار والإيقاعات المُتاحة وقتها.

واستمر البطش بالغناء، حد أن هناك أسطورة تقول عن صناعة القنبوس (العود التقليدي) بمرايا، ليراقب الفنان الشخص الذي خلفه. وهذه قصة لا يمكن التعامل معها كحقيقة، إنما باعتبارها رواية تثير ما كان يطال الفنانين من عقاب. فواحدة من القصص أيضًا تقول إنه جرى حبس مغنِّين في قسم شرطة بـ"باب السباح" (أحد أبواب صنعاء قديماً)، وتم تعليق العود أمام الناس. فآلة الموسيقى مثلت إجرامًا في عُرف تلك الفترة المتشددة، تنال عقابًا مثل أكثر المجرمين انحرافًا.

ووسط هذا التشدد، ظل الغناء الصنعاني يمثل الغناء الراقي في اليمن، ففي عدن كانت "المخادر" الخاصة بالأعراس تبدأ احتفالها بأغنية صنعانية. وتلك الحظوة دفعت أحد الأغنياء في عدن إلى استدعاء مغنِّين من صنعاء، ليقيموا حفلة عرس عام 1905. وتلك شهادة تضمنها كتاب الدكتور محمد عبده غانم "شعر الغناء الصنعاني"، بحسب شهادة أحد العدنيين المعروفين له. وفي فترة التواجد التركي، وجد الفنانون حريةً في الحركة. على سبيل المثال، ترك جابر رزق منطقته "بلاد القابل"، ليعمل مع الأتراك وانتقل إلى تهامة. وقبل وفاته بسنوات، حظي بدعوات من صاحب الشحر (حاكمها)، وتواجد في بلاط السلطان العبدلي، وربما تعلم منه القُمِندان بعض دروس الموسيقى، وتحديدًا العزف على القنبوس.

حافظ الغناء الصنعاني على طابعه الخاص، وسط دوامة مضطربة من فترات القمع والتشدد الديني، لكن أثرها السلبي كان بهجرات متفاوتة، ربما أكثرها وضوحًا في فترة الإمام يحيى. ومنذ عشرينيات القرن العشرين، احتضنت عدن الغناء الصنعاني، وربما احتفظت لنا بعدد من الروائع الغنائية مع ظهور التسجيلات خلال عقد الثلاثينيات. ومع أن ثورة سبتمبر/ أيلول 1962، أنهت فصول التعسف ضد الغناء، لكنها أيضًا لم تلغِ الرواسب المعادية له؛ فالمغني مستضعف ولا يحظى بحماية، وهناك أيضًا فصل طبقي ومناطقي، ما زال يمارس حضوره حتى اليوم. وكما قُتل الفنان سعد عبدالله على يد القبائل، ليضيع معه مخزون من الأغاني التي حفظها، والألحان التي صاغها، تم قتل الفنان نادر الجرادي، بصورة مبكرة، في صورة تعالٍ تستضعف المغني وتنبذه حدًّا يمكن استلاب حياته دون عقاب.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English