أغاني القات وطقوسها

نبتة رافقت طرب اليمنيين وشدوهم
صهيب الأغبري
September 16, 2022

أغاني القات وطقوسها

نبتة رافقت طرب اليمنيين وشدوهم
صهيب الأغبري
September 16, 2022

يأتي نغم هادئ من بين أعواد القات الخضراء، يلوكها جمهور فاقوا حدود الانسجام، وعود وحيد ترقص على أوتاره ريشة غراب مثبتة على ممسك من العظم القاسي. وعلى أمْر الجو من الخارج وفيضان الكيْف من الداخل، تحركت أغاني "القات" حتى امتلأ المكان طعمًا وصوتًا من هذه النبتة التي احتشد حولها اليمنيون كبارًا وصغارًا في أيامهم العادية والاستثنائية، وفي شغلهم وفراغهم، ونهارهم وليلهم.

ساعة سليمانية

مهّد جو القات في المقائل التي يجتمع فيها الناس لمضغ القات، لخلق نمط الأغنية في اليمن، لا سيما الأغنية الصنعانية التي نشأت وتربّت وعاشت بين جدران مقائل القات. فتأثرت بنيتها اللحنية كثيرًا بالجو الذي يفرضه القات على الجو والمزاج. فعلى ثلاثة مراحل للمقيل كما قسّمها الباحث الفرنسي في موسيقى الأعراق جان لامبير، جاءت المرحلة الأولى في الحضور والتجهيز، والثانية مع بداية مضغ القات للكلام الكثير، وبعدها مرحلتنا الثالثة التي يستبد مزاج القات العالي ويطفو حول الجميع بهدوء بالغ، وهي مرحلة "الساعة السّليمانية" التي تظهر فيها الأغنية باندماج شديد مع الجو السابح في الأحلام، وتبرز أمام جمهورها المنسجم والمستعد للإنصات.

ارتبطت هذه المقائل ارتباطًا أساسيًّا بمضغ القات، فمثلّت النادي والمسرح للمجتمع اليمني، يتم فيها النقاش والعرض والتداول الكريم لكلّ أنواع الكلام وما ألبس من أجناس الفنون. فطوّر من خلالها خصوصية لكلّ ما نتج عنها ونشأ فيها من نشاطات، أهمها الغناء.

الغناء شعرًا

تُبنى الأغنية الصنعانية على هيكل يعتمد على تكرار نفس اللحن مع تغيّر الكلمة، وهذا الإلباس المتكرر للحن على أبيات مختلفة مناسبٌ لحفلة الروح المنسجمة بالغناء مع كيْف القات الذي لا يميل بطبعه إلى تغيير الجو المحيط. فكما لِحفظِ مزاج القات أهميةٌ للمكان والبقاء لساعات طوال في ذات الجو والبقعة، يمنح هذا استقرارًا وراحة جسدية ونفسيّة لا تتشتت بالتغيير، ويسقط هذا على عدم التغيرات التي تلزم النغم الذي يلمّ الجو بكثرة. والنقطة الثانية أنّ الأغنية في ذهن جمهورها في المقيل تتحوّل في الغالب إلى شعر ملحّن، فيأتي التركيز الذي يبذله المستمع الذي يسبح في جوّ القات على الكلمة أكثر. ويمهّد هذا إلى تفسير اهتمام اليمنيين في الغالب، ببنية النظم في الأغنية، وقلّة اكتراثهم للحن غالبًا، وحتى قديمًا في بعض مناطق اليمن وفي بعض المناطق الريفية إلى اليوم يسمّى الغناء "شعرًا".

فعلى هذا اللحن والإيقاع المتكرر الذي يفرضه مزاج القات السائد، قُلب الإيقاع نادرًا في بعض الأعمال، وكان هذا القلب لإحياء النغم الذي فتر -أو غالبًا- لتغيير الرقصة المرافقة إن كانت حاضرة في مجلس الغناء؛ فيقلَب الإيقاع في منتصف الأغنية لكسر تكرار الحركة المرافقة له من قبل الراقصين. وأهم هذه الإيقاعات السائدة في الأغنية الصنعانية، هي: إيقاع الدسعة والوسطى والسارع وإيقاع الفرتاشة الذي لا يعزف إلّا بالعود أو برفقة "الطاسة". كما كان في لحن قصيدة (رسولي قوم بلّغ لي)، في تسجيل المطرب أحمد عبيد قعطبي، يبدأ إيقاع الأغنية بالوسطى من بدايتها:

رسولي قوم بلّغ لي إشارة

إلى عند المليح الحالي الزين

ويُقلَب الإيقاع إلى السارع من:

لقد دوّرت له بين الجوانح 

ولكن ما وجدته في ضلوعي

فتميزت بذلك الأغنية الصنعانية بطبع رتيب وهادئ وإيقاع مستمر يُسحب بطول النظم إلى أن يستخلص كل معنى بحِرَفيّة عالية من الأبيات المغنّاة، وفي كل قومة -والقومة هي الوصلة الغنائية- ينشأ جوٌّ واحد قد يستمر لأكثر من عشرين دقيقة، وتتابع القومات واحدة بعد أخرى دون فواصل إلا بحسب اختيار المطرب لأوقات التوقّف أو ما يفرضه الوقت بمواعيد الصلوات، وهذا التوقف هو الزمن الوحيد الذي يهيّئ مساحة للجمهور الصامت لإبداء الإعجاب برمي كلمات الشكر على المطرب؛ "أنّست!" وغيرها من التعابير المنسجمة مع الأنس والطرب، أو الصلاة على النبي انسيابًا مع خواتم الصلاة المعتادة في أغلب القصائد الحمينية.

تُبنى الأغنية الصنعانية على هيكل يعتمد على تكرار نفس اللحن مع تغيّر الكلمة، وهذا الإلباس المتكرر للحن على أبيات مختلفة، مناسب لحفلة الروح المنسجمة بالغناء مع كيْف القات الذي لا يميل بطبعه إلى تغيير الجو المحيط.

 طقوس صنعاء

وفي المقيل، يفرض زمن القات اختيارات مواضيع الأغاني، فكلّما كان المقيل مبكرًا بعد وجبة الغداء مباشرة تقدّمت أغاني الشكر والحمد لله كقصيدة محسن بن عبدالكريم الصنعاني (نَعَم نعم شُكرِي لِمُولِي النعم)، وكلما تأخر المقيل وفسحت الصلوات مكانًا للغناء بعد العشاء وأتاحت لمزاج القات الفائق أن يستمر طويلًا، تقدمّت أغاني الغزل ومديح السهر.

نشأت الأغنية الصنعانية بين مقائل القات بمكانها وزمنها، وإبداعها المرافق لمضغ القات، سواء لحظة التأليف أو العرض، لم تتشكل هذه الأغاني نظمًا ولحنًا فقط بهذا الجو، بل وأداءً ينساب مع تلقائية المزاج العائم على المقيل. فلا يبدأ الغناء بوقت محدد ولا يُطلب في الغالب، وإنما يبدأ المقيل بالكلام حتى يمسك المطرب عوده بتلقائية ويبدأ بتحريك ريشته ليصدر أنغامًا رتيبة لدوزنة الأوتار ولتعلن بدء الغناء، ويبدأ في الشدو بتوجيه صادر من نشوة الإحساس الذي يعلنه مزاج القات وحده. وخلال الغناء نفسه تنمو الأغنية بتصاعد مع الاندماج في اللحن والانسجام مع التحليل المفصّل لكلِّ كلمة تمر لتأتي من نشوة القات وترفعها إلى أقصاها، وحينها قد يتصرّف المطرب بلوازم أو بتفاريد وارتجالات تبهّر اللحن وتعطي المطرب خصوصيته في الأداء.

أجساد متناغمة

انفجرت هذه الأجواء في محافل الاجتماعات الأكبر، فمثّلت حفلات الأعراس ذروةَ هذا الارتباط بين عنصريها الأساسين في اليمن، وهما القات والغناء. وعلى أساس متطلبات الفرح كان المزاج العالي يرافق الغناء الموزّع بين زمن الحفل من أوله إلى آخره. وفي حضور كبير أحادي الجنس، يتبادل الناس الكلام والتهاني، وترافِق الرقصاتُ الغناءَ بشكل أكبر عونًا لاكتمال طقوس الفرح بين المزاج والطرب والتعبير عنهما بحركة الأجساد المتناغمة على الإيقاعات الصدّاحة.

واليومَ، كما ظلّت الأغنية في اليمن عبر مراحلها تحتضنها مجالس مؤسسة بالقات، وإبداع يرافق بمضغ هذه النبتة الساحرة التي رافقت الغناء دائمًا. وطوّرت طقوسها جيدًا على نفس نهج تطوّر الأغنية في اليمن، ولذلك ظلّت أغاني القات إلى اليوم هي أغزر ما ينتجه المطربون في اليمن، لخصوبة أرض زراعة هذه الأغاني، وكثرة متعاطيها. بما استعارته هذه الأغنية من خصوصية فريدة من أجواء المقيل ومزاج القات.

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English