الفنّان والملحِّن سعودي أحمد صالح

ساحر الرومبا وجوهرة لحج المنسية
مرفت الربيعي
January 28, 2023

الفنّان والملحِّن سعودي أحمد صالح

ساحر الرومبا وجوهرة لحج المنسية
مرفت الربيعي
January 28, 2023

لكلِّ زمنٍ فنُّه وفنّانوه، ولكن الفنّ والفنّان اللَّحْجِيّ ليس له وقت، فأينما حلّ أطرب، وكيفما أطرب أبهج، سَمَت الأغنية اللَّحْجيّة بسموّ فنّانيها، على الرغم من فترات الركود التي أضرت بها.

والذي نقارب تجربته في هذا المنصوص، فنّانٌ من ذلك الزمن الجميل. هو حنجرة نادرة، ودرزي يفصّل الألحان، ساحر الرومبا، كما يقال، عاشق الكلمة والنغمة الراقية، أثرى الساحة الفنية اللَّحْجيّة واليمنيّة بالعديد من الألحان على مدى أعوام طويلة، غمرته سنون النسيان بغبارها، ولكنه يبقى في ذاكرة الفنّ الأصيل جوهرةً ثمينة لا ينال منها الغبار والصدأ، فمتى تنفض الجهات المختصة الغبار عن الجوهرة المنسية وتوليها بعض اهتمامها؟!

يُعدّ الفنّان والملحِّن سعودي أحمد صالح، أحد روّاد وملحّني الأغنية اللحجية في الزمن الجميل، ومع الركود الذي شهدته الساحة الفنيّة بسبب الأزمات التي عانتها -ولم تزل- البلاد، تأثر شخصيًّا مثلما تأثر الفن اللحجي وكل فنّانيه بشكل واضح، شأنهم شأن بقية الفنّانين في بقية المحافظات اليمنية.

وُلدَ سعودي في المحروسة (لحج)، وبعد أن درس في الكتّاب، أكمل الإعدادية في المدرسة المحسنية في العام 1959م، ثم عمل موظفًا في إدارة الزراعة بلحج. بعدها اشتغل مدرِّسًا حتى تقاعده، ويعمل حاليًّا مستشارًا ثقافيًّا لمحافظ المحافظة. حصل على درجة الامتياز بالإذاعة والتلفزيون في تصنيف الفنّانين والملحّنين.

وعن مشواره الفني وذكرياته القديمة تحدّث لـ"خيوط"، قائلًا أنّه بدأ مشواره الفني كعازف كمنجة وعود بالندوة الموسيقية اللحجية، وما أن أكمل عامه الأول حتى وضع في 1960م أول ألحانه لأغنية الأمير محسن صالح مهدي (بنار الشوق كم قلبي تجلّع) من مقام الرست، وهو اللحن الذي أجازه له شيخا الطرب: الأمير الشاعر والملحّن عبده عبدالكريم العبدلي، والفنّان محمد سعد صنعاني، وسجله لإذاعة عدن بصوت فيصل علوي. 

ويضيف سعودي قائلًا: "تركت الندوة الموسيقية اللحجية التي كان يديرها الملحن صلاح كرد في العام 1961م، وانتسبت إلى (ندوة الجنوب الموسيقية) بقيادة الموسيقار فضل محمد اللحجي، وهناك وضعت ثاني ألحاني "أنا والعقل في حيرة"، من كلمات أحمد سيف ثابت، وغناء علي سعيد العودي".

بعد ذلك، اشتغل الفنّان سعودي مساعدًا لفضل محمد اللحجي في قيادة (ندوة الجنوب الموسيقية)، ثم انطلق يصوغ العديد من الألحان ويملأ الأسماع طربًا، ووضع ألحانًا لعددٍ من الشعراء، منهم محمود السلامي، الذي لحّن له باكرًا قصيدة "كيف افعل بقلبي"، وهي أول أغنية سجّلها لإذاعة عدن بصوته.

فرقة الإذاعة والتلفزيون 

في الخمسينيات، شهدت الأغنية اللحجية تطوّرًا ونهضة فنية كبيرة، وقد سمّيت هذه الفترة بـ"العصر الذهبي"، وكانت الامتداد الحي للتجربة القمندانية شعرًا ولحنًا، التي صارت على يدَي الأمير أحمد بن فضل العبدلي (القُمندان) لونًا مهمًّا في خارطة الغناء اليمني، فقد دعم في حياته كلّ ما يتصل بالشعر والغناء، إلى جانب تأسيسه للندوات والفرق الموسيقية، ثم جاء بعد القمندان الفنّان والملحن فضل محمد اللحجيّ والشاعر والملحّن العبقري عبدالله هادي سبيت، ثم تعاقب بعدهم مجموعة لامعة من الفنّانين والملحنين، وكان سعودي من أبرزهم، إذ كانت له تجربته الخاصة التي أَثْرَت الأغنية اللحجية بألحان خالدة وطابع غنائيّ لا يستطيع أن يجاريه فيه أحد.

ففي العام 1966، شكّل الأمير محسن بن أحمد مهدي، والفنّان أحمد بن أحمد قاسم (فرقة الإذاعة والتلفزيون)، واختير من لحج أربعة عازفين، هم: صلاح كرد، وسعودي، وعبده سالم النجار، وفضل ميزر، وكان لهذه الفرقة العديد من الأعمال الفنية.

يقول سعودي: "استفدت كثيرًا من هذه التجربة، وعملت مع الفنّان أحمد قاسم الذي درس الموسيقى في مصر، وتخصص فيها، وتعلمت منه التسميات العلمية لما كنتُ أقوم به بعفوية، فعرفنا في التصبيع، والدييز والبيمول وغيرها".

ويضيف: "توقفت هذه الفرقة بعد (حادثة الكود- أبين) الشهيرة، التي تُوفِّي فيها علي فقيه- قائد الفرقة، والملحن صلاح ناصر كرد، وآخرون، وكانوا في طريقهم لإحياء حفلة فنيّة بمنطقة (باجدار) في أبين في شهر سبتمبر 1966م. وما تزال هذه الحادثة عالقة في ذاكرتي".

تنوّع الألحان 

من واقع تجربته في التلحين، يرى سعودي أنّ الشاعر صالح نصيب أفضل شاعر لحّنَ له؛ لأنّ كلامه "قوي وسلس"، حدّ قوله. وهو الشاعر الذي احتضنه ذات يوم الشاعر الكبير عبدالله البردّونيّ في مقر الاتحاد بالحوطة، ووضع أصابع يمناه على أنفه قائلًا: "أنت صاحب (أخاف والخوف منك)؟ تعال قربي".

 بلغ إجمالي الألحان التي لحّنها لصالح، نصيب خمسة ألحان، هي: "يقول لي للصدف خلي كفانا"، والتي غنّاها علي سعيد العودي، و"ناموا كلهم ناموا" وغنّاها عوض أحمد، و"توبة من الحب" لحّنها وسجلها لإذاعة عدن بصوته، و"الحب مش عيب" إيقاع مركح كويتي ثم كسرة شرح لحجي.

كما لحن من كلمات الأمير صالح مهدي العبدلي صاحب ديوان (على الحسيني سلام)، أغنية "يقولوا لي الهوى قسمة" وغنّاها مهدي درويش، والتي سجّلت لإذاعة عدن بصوت ملحنها.

إيقاع الرومبا..

وعلى سحر إيقاعات الرومبا، أبهر سعودي الشعراء والفنّانين فقد فصّل العديد من الألحان على هذا الإيقاع.

يستطرد سعودي: "لحّنت أغنية "يا ليالي ليت ليلة"، للشاعر عوض كريشة على إيقاع الرومبا وسط، وغنّاها العودي. وفي عام 1984م، لحّنت لصالح عيسى "ما احلى خصامه حبيبي" على إيقاع الرومبا- سماعي، وغنّاها عبدالكريم توفيق، وأغنية "عاتب" وسجلها للإذاعة بصوته، كذلك أغنية "أنا وأنتهْ" وسجلها لإذاعة عدن في التسعينيات، وهي الأغنية التي قال عنها مازحًا: "جئت لها من الوسط"، أي بدأ تلحينها من الكوبليه الثاني، كذلك لحّن للشاعر محمد حسين الدرزي أغنيتَي: "حبيت أنا حبيت"، و"يجوز تسمعني".

كما صاغ للشاعر خالد الحوت لحنًا جميلًا لأغنيته "حلفنا لك"، وغنّاها رفيق جامع.

ولحّن أيضًا للأديبة صفية محمد علي (فانوسة)، على ريحة (الزحلة اللبناني) "تحدى الحب يا ويله"، وغنّاها عبدالكريم توفيق، الذي كان سعودي معجبًا إلى حدٍّ كبير بأدائه لِمَا له من صوت جميل، ويقول سعودي واصفًا إياه: "لعبدالكريم صوت جميل، وهو يغنّي بمسؤولية".

مقدمات أغاني القمندان 

وتجلّت روعة الإبداع عند ساحر الرومبا، حين وضع ألحان مقدمات لثلاثٍ من أغاني القمندان، عزفتها (فرقة الحوطة الموسيقية)، التي تأسّست في الثمانينيات بإشراف محمد مرشد ناجي، وكان وقتها المشرف على أغاني التراث بإذاعة عدن، والألحان هي: "ذنوب سيدي ذنوب يا ورد نيسان"، و"غزلان في الوادي يا سُعد رعيانه"، و"يا ذي تبون الحسيني"، وسجل الأخيرتين بصوته.

ألحانه الأخيرة

كانت ألحانه الأخيرة: "من دموعي كل ليلة"، للشاعر أحمد سالم عبيد. وفي يوم جلاء المستعمر الإنجليزي، كان قد لحّن لكلمات الشاعر (حمود نعمان– أبو كدرة)، "عيد الجلاء الأكبر"، وهو لا يقل روعة عن لحن فضل اللحجي "باركوا لي بالتهاني" التي غنّاها فضل، فرحًا بجلاء المستعمر البريطاني من جنوب اليمن.

وعلى غرار ذلك، لم تسنح لسعودي فرصة ترشيح للمشاركات الخارجية، على الرغم من تنوع الألحان التي ملأ بها الساحة الفنية اللحجية واليمنية، بل إنّه لم يلقَ أيَّ اهتمام من وزارة الثقافة، فقد وجد إجحافًا وتهميشًا لملحن ومطرب مثله.

ظلّ حلمُ الفنّان سعودي، دراسةَ الموسيقى بشكل علميّ، واليوم يتمنّى أن تُجمَع كلَّ أعماله الفنية المسجلة لمكتبة الإذاعة والتلفزيون، ويتحسّر كثيرًا على عملية النهب والتجريف لأرشيف المكتبة مثلما يتحسر أيضًا كيف أنّه لم يكن لِلَحج فرقة موسيقية تعكس منجز هذا اللون الغنائي الرائد على الرغم من وجودها في فترة السلطنة العبدلية في الخمسينيات والستينيات.

التراث القديم 

اعتاد سعودي سماع الأغاني القديمة، سواء اللَّحْجيّة أو العربية، مثل أغاني أم كلثوم وعبدالحليم حافظ والفنّانين اليمنيين القدامى، وهو متعلق إلى حدٍّ كبير بسماعها، ويرى أنّ التجديد الذي طرأ على الأغاني القديمة من بعض الفنّانين الشباب يُعدّ عبثًا بالتراث، فضلًا عن تغيير لحنها القديم، دون مراعاة للحفاظ على جوهرها، ويجب على وزارة الثقافة ومكاتبها أن تنجز عملية أرشفة علمية لكلِّ الأغاني القديمة حتى لا يطالها السطو مثل بقية الأعمال التي تم نهبها أو تلك التي يتم تغيير ألحانها أو إيقاعها دون رادع، فالموروث القديم هو تاريخ لكل بلد ومفخرة للأجيال المتعاقبة، حد قوله.

ألحان لم ترَ النور 

إنّ الركود الذي طرأ على الساحة الفنيّة جعل العديد من الفنّانين والملحّنين يحتفظون بكلِّ ما هو جديد لديهم بأدراجهم، كما هو الحال عند سعودي؛ فهو يمتلك العديد من الألحان الجديدة التي لم ترَ النور، بسبب انعدام الدعم من الجهات المختصة، حد قوله، وهذا جعل العديد من شعراء لحج وملحِّنيها وفنّانيها، يعزفون عن تقديم الجديد لديهم، ويبقون على القديم، مؤمِّلين أن يقوم مكتب الثقافة بدوره في دعم الفنّانين وتبنّي الشعراء لتقديم الألحان الجديدة.

في زوايا تحيطه من أركان أربعة يعكف في غرفته الخاصة بمسكن متواضع في مدينة الحوطة، يصارع شراسة الأمراض التي نالته، ولم يجد عناية من وزارة الثقافة أو السلطات المحلية في المحافظة التي لا تُولي مبدعيها أيّ اهتمام، وعلى الرغم من ذلك تجده في كثير من الأوقات مع رفيقه العود يعزف لتشذيب الألحان التي ما يزال يحتفظ بها، ولم يقدّمها للساحة الفنية بعد، متحدّيًا الزمن الذي يحاول النيل منه. 

•••
مرفت الربيعي

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English