تغريبة الغناء الرازحي

انشطار التراث الغنائي على تخوم الجغرافيا السياسية
محمد الهجري
March 28, 2020

تغريبة الغناء الرازحي

انشطار التراث الغنائي على تخوم الجغرافيا السياسية
محمد الهجري
March 28, 2020

تزخر اليمن بتنوع خصب ومتعدد في ثقافتها وفلكلورها الشعبي، وتختلف فنونها الشعبية بحسب المناطق الجغرافية. فهناك العديد من الكنوز الفلكلورية والغنائية التي لم تتح الفرص لها أو لم يتم تسليط الضوء عليها من قبل الباحثين اليمنيين، المعدودين بالأصابع، أو المهتمين بالفلكلور الشعبي للغناء. لذلك فإن الأبحاث والدراسات لا تزال شحيحة في هذا المجال الذي يعتبر عمود الثقافة اليمنية منذ القدم. بالإضافة لذلك، كان هناك إهمال وقصور في أداء الجهات المسؤولة عن التنقيب والتوثيق للأغاني الشعبية الفلكلورية، وتصنيفها بحيادية وبمنأى عن التعصب المناطقي.

  الألوان الغنائية اليمنية المعروفة أربعة: صنعاني، حضرمي، لحجي وعدني. لكن للأسف تندرج ألوان غنائية أخرى تحت مسميات هذه الألوان الأربعة المتعارف عليها، رغم أنها تختلف في الجوهر وأسلوب الأداء، وفي الإيقاعات أيضاً، إضافة إلى أنها تختلف في الركوزات والعُرَب المقامية. وقد تكون هذه الألوان الغنائية مختلفة عن الألوان الغنائية الأربعة المذكورة سابقاً، لكنها لا تزال تصنف ضمنها. تسبب ذلك في هضم حق العديد من الألوان الغنائية من  امتلاك خصوصيتها في الانتشار والبروز والظهور للمستمعين والمهتمين، حتى أن العديد من الفنانين لا يعرف هذه الفروقات، أو ربما لم يكترث بعضهم لها ولو من باب الفضول، للتعرف بشكل أعمق على جوهر كل لون غنائي يصادفهم في مسيرتهم الفنية.

  لنتحدث قليلاً وبشكل أولي، نظراً لشحة المصادر،عن أحد هذه الألوان الغنائية المهضوم حقها، وهو لون الغناء الرازحي، نسبةً إلى منطقة رازح في محافظة صعدة شمال اليمن. ومعروف أن رازح منطقة حدودية بين اليمن والمملكة العربية السعودية، وتحدّها أراضي جيزان من جهة الشمال. ذلك جعلها بوابة انتشار للهوية الغنائية اليمانية في مناطق جنوب المملكة، التي ترتكز في فنها على قواعد وأساسيات الفن الرازحي.

 ويبدو واضحاً تأثر فن منطقة جنوب المملكة العربية السعودية بالفن الرازحي، لدرجة تضاؤل الفروقات بينهما، خاصة مناطق جبال جيزان وعسير وجبال السراة (منطقة الباحة آخر حدود جنوب المملكة ذات الهوية اليمانية). كما يشمل ذلك التأثر بعض أجزاء مناطق جنوب الطائف، حيث يستخدمون الإيقاع ذاته،  ونفس الآلات الإيقاعية تماماً (الزار والطارات)، وأيضاً نفس أسلوب الأداء ونفس المقامية تحت مسمى إيقاع خبيتي.

الأغاني التراثية لمنطقة رازح يسودها جو المرح والإيقاعات الراقصة، وتمزج في ذائقتها ما بين البداوة الصحراوية المتأصلة وطبيعة إنسان الجبال الشاهقة

  وكما توجد البلبلة في الفن الصنعاني، والدندنة في الفن اللحجي والحضرمي، ففي فن رازح وفن جنوب المملكة (الذي هو رازحي الأصل والمنبع)، تستخدم "الملالاة" (ألاياله يالاله) على وزن (دانه وا دانه)، ومن الممكن أن نستدل بذلك في أغنية الراحل محمد أبو نصار  "ألا لا رفت عيوني"، وهي من اللون الرازحي، وأغاني تراثية، جنوبية بالنسبة للسعودية، مثل أغنية"ألا يا ليتني تاجر واخذ عسيرية". هناك أغاني أخرى حديثة أو محدثة للفنان الكبير محمد عبده، الذي أبدع في الأغنية التهامية والأغنية الجنوبية الجبلية المتأثرة باللون الرازحي.

 ليس بغريب على منطقة رازح أن تكون المنبع؛ فمنطقة رازح كانت مركز نفوذ حميري تاريخي مهم، وفيها العديد من القلاع والحصون التاريخية التي تعود إلى القرن الخامس الميلادي، مزخرفة بنقوش مسندية تعود إلى الحضارات اليمنية السابقة لذلك العصر. وبسبب أهميتها التاريخية، فقد ازدهرت منطقة رازح بالفنون الشعبية، فتعددت رقصاتها وبرزت فنونها الغنائية، وتأثُّر قامة فنية كبيرة كالفنان محمد أبونصار باللون الرازحي، خير دليل على تميز هذا اللون. فالفن الغنائي الرازحي ذو خصوصية تامة، وعلى الرغم من أنه يندرج تحت اللون الصنعاني، إلا أن له إيقاعاته الخاصة (الإيقاع الرازحي وهو إيقاع شبيه بإيقاع السارع الصنعاني لكنه يختلف في ميزانه كما تختلف تفعيلاته الإيقاعية). كما أن الأغاني التراثية لمنطقة رازح يسودها جو المرح والإيقاعات الراقصة، وتمزج في ذائقتها ما بين البداوة الصحراوية المتأصلة وطبيعة إنسان الجبال الشاهقة؛ فن يمزج ما بين الصحراء والجبل، وله ركوزاته المقامية الخاصة، ويتم استخدام مقام "سيكاه يماني" بكثرة في أغلب الأغاني التراثية. ولعلّ الفنان الراحل أبو نصار هو أول الفنانين غير الشعبيين الذي تغنى وأبدع في هذا اللون، وله أغانٍ من تلحينه على الإيقاع الرازحي، كما أبدع في أداء اللون الرازحي بالشكل العام، لكن لم يتم التوضيح للمستمع وتعريفه بخصوصية هذا اللون الغنائي بل تم إدراجه، سواء بقصد أو بغير قصد، تحت مظلة لون الغناء الصنعاني.

الصورة لـ عبدالرحمن الغابري.

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English