تصور لموسيقى يمنية جديدة

هل يمكن تطوير الغناء بالانقلاب على التراث؟!
جمال حسن
October 30, 2022

تصور لموسيقى يمنية جديدة

هل يمكن تطوير الغناء بالانقلاب على التراث؟!
جمال حسن
October 30, 2022

يستحيل إشباع قضية واسعة مثل مستقبل الغناء في اليمن، في مقالة؛ إذ تتطلب الكثير من الأطروحات والنقاشات العلمية لإثرائها، كما أنّي حدّدت ملامح تجسد طموحاتي في بلوغ موسيقانا مرحلة متطورة تتجاوز واقعها المحلي ومحيطها الثقافي، بلغة كونية.

وبالطبع ما تناولتُه يرمي إلى فترة طويلة من التأسيس والبناء، وفي بلد يفتقر لأبسط المؤهلات في بنيته الفنية، والأكاديمية لتحقيق ذلك. لكن الثقافات لم تبلغ مستوى رفيعًا دفعة واحدة، كما أنّ مسار الفنون، يتوازى مع تطورات اجتماعية وثقافية تتفاعل بعضها مع بعض. وما نحتاجه في اليمن هو أن نطمح على أعلى مستوى من الابتكار الثقافي والفني، لا يتوقف عند حدود معينة.

وبأي حال لا يمكن التنبؤ بسياق معين لما يمكن بلوغه من أساليب لحنية وموسيقية. إنّما يمكن تحديد ملامح تؤسس لفضاء أكثر اتساعًا في الإبداع الموسيقيّ. والأهم هو إخراج الفنون من تقوقعها المحلي، والاعتماد على عناصر محليةٍ لا بد أنّها قابلة للتطور.

وسأحدده من عدة جوانب:

أولًا: النظام الموسيقي  

وعليه سأطرح تساؤلًا رئيسيًّا، أريده أن يكون مرتكزًا لموضوعي، يتعلق بالنظام اللحني المُستخدم في الغناء اليمني، وهو نظام فريد، يمتاز عن السُّلم الشرقي بتعديلات على بعض المسافات في الدرجات النغمية للمقامات المُستخدمة في الغناء. وبالتحديد في أنصاف الصوت، بطريقة معكوسة مقارنة بالغناء الشرقي، أي رفع درجة البيمول التي تنخفض بدرجة طفيفة في السُّلم الشرقي، لكنها تقف بين أنصاف النغمة البيمول ونصف البيمول (ثلاثة أرباع الصوت). ثم تعتمد على العكس خفضًا لنصف الصوت المُرتفع (المعروف بعلامة الدياز). بنفس الدرجة التي تزيد فيها درجة البيمول. وهذا يمنح الألحان اليمنية نكهة مختلفة تمامًا عن الأساليب الشرقية المعروفة.

فهل نُبقي على هذا النظام كما هو ضمن نسق ثابت ومحسوم مُسبقًا، أو أنه مُتغير ينبغي تجاوزه لتحقيق المُستقبل المنشود؟ ولن أخول لنفسي الإجابة الحاسمة، حتى لا يكون إملاءً يستبق تطبيقات عملية وبالتوازي مع تنظيرات علمية على صوت الموسيقى؛ وبالتالي النظر في مدى قدرة هذا النظام على استيعاب الأنماط اللحنية المتطورة من جهة، ومن جهة أخرى، مرونته في الابتكار الموسيقي واللحني؛ لأنّ تطور الأساليب الموسيقية مقترنة بالنظام المُتّبع. فمثلًا استخدام الموسيقى الغربية للنظام المتعدد الأصوات والهارمونية ساهمت في كلاسيكيّاته العظيمة.

كما أنّه من قبيل الأوان تحديد نظام بعينه، دون عملية مُتدرجة ستتوصل بطريقةٍ ما إلى نسيج واضح في السلالم الموسيقية والأساليب ذي خصوصية يمنية، مهما استند إلى عناصر أجنبية واستفاد من خبرات ثقافية موسيقية سبقته في التطور. ولا أستبعد أن نتوصل إلى شكل من الحسم في فترة قياسية، في حال كان هناك الكثير من الجهود والتجريب الموسيقي المستنِد إلى ألحان وعناصر يمنية، ولنأخذ في الاعتبار عدم تعريض المنظومة الموسيقية للمسخ والانسلاخ. مع أنّ مصطلح "مسخ الغناء" هو تفسير ملغوم بالنسبة للتقليديين؛ كونه يرفض أي مُتغير.

فما بلغته الموسيقى الأوروبية من نظام صوتي، تكاملت مساراته بين اللحن وصناعة الآلات، وكذلك الوصول بالنغمات إلى الدرجات النغمية بدقة ذبذباتها دون تعديل، ولنأخذ بالاعتبار أنّ التعديلات المُتعارف عليها في الدرجات النغمية، ربما كانت نتيجة أخطاء قديمة، لم يسمح العلم بتحديدها بدقّة.

وبحسب المعروف، عرف اليونانيون عشرين نوعًا من أرباع الصوت، في السلم الموسيقي المعتمد على سبع نغمات؛ أي إنّ تحديد المسافات لم تكن دقيقة. وللعلم، كانت الثقافة اليونانية تعتمد أرباع التون الشرقية، وليس معروفًا متى تخلّت عن هذا النظام. لكن من المعروف أنّ الموسيقى الأوروبية تخلّت تمامًا عن المقامات البيزنطية، وهي يونانية، في القرن السابع عشر، واعتمدت على السُّلّمَين: الكبير "الماجور"، والصغير "المينور"، وهكذا اعتمدت التعدد الصوتي والبناء الموسيقي على حساب التعدد المقامي الذي تعتمده الموسيقى الشرقية التقليدية، وانحسر في الغناء الحديث.

في اليمن، تتحدد السمات الصوتية على طبيعة محدودة؛ فمثلًا استخدام القنبوس، وهو عود صغير، جعل الغناء محدّدًا بمساحته التي لا تزيد على أوكتاف ونص، أي إحدى عشرة درجة نغمية، مع ظهور العود الأكبر- دفع بالمؤدِّين على الصعود إلى درجات أعلى في الغناء، والأمر نفسه مع ظهور الفرق الموسيقية.

وبطبيعة الحال خطوة كتلك، بحاجة إلى مجتمع ونخبة يتخلق حولها تعبيرات جديدة، ومن المؤكّد أنّها ستواجه عائقًا بوجود وسائل الاتصال السريعة، وكذلك بانتشار قيم ما بعد البنيوية التي تميل إلى دمقرطة الفنّ، القائم على تسوية القيم الفنية، بين تركيب لحنيّ بسيط وآخر أكثر تعقيدًا وتركيبًا، مثل لحن أُحادي بصوت واحد، وآخر هارموني أو متعدّد الأصوات.

ويبدو أنّي أمنح نفسي إغواء لتطلعاتي الحالمة، والتي تتجاوز قاعدة بديهية في تطور الغناء اليمني وتحديد أُفق مستقبلي واسع له. لكن ما جرّأني أنّ البديهيات مسألة لا يمكن القفز عليها.

ثانيًا: إيجاد بنية تحتية فنية للنشاط الموسيقي

ويشمل هذا المحور؛ القضايا البديهية في استشراف مستقبل للغناء. ويقوم بدرجة أساسية على تعزيز الأكاديميات الموسيقية، وتشجيع النشاط الفنّي في السياق الاجتماعي. وأيضًا تبنّي مادة الموسيقى في المنهج التعليمي، وبشكل متطور، بحيث تكون المدرسة هي الحاضن الأوليّ لهذا النشاط.

وفي اليمن، هناك إشكالية واضحة يمكن ملاحظتها، هو افتقار شديد للجودة الموسيقية، سواء لدى عازفين أو مغنِّين أو ملحّنين. فالنشاط الموسيقي المعروف هنا، قائم على تناقل شفاهي، يفتقر إلى أُسس تعليمية وأكاديمية، باستثناءات محدودة، فمثلًا نلاحظ أشهر الفنّانين الشباب يرثون أسلوبًا خاطئًا في الإمساك بآلة العود؛ فنجد الإبهام بارزًا على مسطرة العود، وكذلك الأصابع متقاربة، وهذا يتسبب في عزف طافح بالتشنُّج. بينما يجب عدم بروز الإبهام وتباعد الأصابع على مسطرة العود، لهذا يفتقر العزف للرهافة. وهذا بطبيعة الحال يفرض ذائقة مشوهة تسود مجتمعيًّا، ناتجة عن أخطاء بديهية.

إذن، نحن بحاجة إلى أسس تعليمية، أو على الأقل توفُّر بيئة تصقل المواهب. وللأسف نلاحظ انعدام الدور المؤسسي في تعزيز الثقافة الموسيقية، وتعميق الذائقة الفنية والتي لن تأتي دون شروط مجتمعية أوسع. إضافة إلى عدم وجود نشاط موسيقي حقيقي، وانحصاره بالنسبة لمحترفي الغناء على حفلات الأعراس. وذلك بؤرة لكل ذوق فاسد يفرض نفسه على الغناء.

إنّ مسألة النشاط الموسيقي ينبغي أن تتبناه نخبة اجتماعية مدنية أو سياسية، وبالتالي سيكون عاملًا مهمًّا لتشكّل بيئة لفعاليات موسيقية. وهذا من شأنه تشجيع وجود الفرق الموسيقية، وفق مفاهيم احترافية تعتمد الإجادة، وأيضًا عملية ابتعاث موسيقي لتلبية متطلبات اجتماعية. وهذا النشاط سيكون عاملًا مساعدًا لوجود بيئة تصقل الموسيقيين الشباب وسترسخ ثقافة موسيقية علمية.

فواحدة من إشكاليات الغناء اليمني، اقتصارُه على آلة منفردة هي العود، تصاحبها إيقاعات. وهذا تقليد لن يسمح بتطور الغناء، بوصفه مؤسسة تكتمل شروطها وبحاجة إلى تطور أفقي وعمودي، ينعكس حوله كل ما له علاقة بالموسيقى من تنظير إلى مفاهيم ونشاط اجتماعي وعلم.

في وجود منظومة متكاملة، بما في ذلك العازفون والموسيقيون والمنظرون، وكذلك الأصوات؛ لأنّ الصوت لا يتطور دون حساسية سماعية، وأيضًا دون أن تتفاعل حوله قاعدة موسيقية واسعة.

ثالثًا: آفاق الصوت الإنساني

لا يمكن أن نتحدث عن الغناء، دون التطرق إلى مسألة جوهرية، وهي الصوت. وهي مسألة لا تقتصر فقط على احتضان المواهب الصوتية وتدريبها على الأداء وَفقَ السياق المعروف. إنّما أيضًا صقلها وتدريبها لبلوغ مساحات تعبيرية غير مسبوقة في الغناء اليمني، وكذلك تحسين خاماتها ونمطها؛ بمعنى أنّ الصوت آلة قابلة للتطور ولا ترتهن بحالتها المعروفة، وهو ما يمتدّ إلى الغناء وأساليبه.

لنأخذ الغناء الأوبرالي في أوروبا، فقد تطور حول مؤسسة الأوبرا، بوصفها دراما موسيقية؛ أي ضمن تطلع إيصال الصوت للمعنى الدرامي. ونشأ في إيطاليا متصلًا بموروث الغناء الكنسي والمادريجالات، لكنه اتخذ سياقًا أصبح يُعرف به ويميزه عن باقي الغناء، وكذلك أثر باشتقاقه أسلوب "الريستاتيف"، وهو الإلقاء المُنغّم.

ما ميّز التعبير الغنائي في أوروبا، هو فصل الطبقات الصوتية النسائية والرجالية، وتحديد مهام تخص كل طبقة على حِدَة. وكان هذا العنصر المُتباين أساس تحديد الأدوار الدرامية للمؤدّين في أعمال الأوبرا.

ومثل تلك القيم الصوتية، لا تأتي بساعة زمن، لكنها متصلة برؤى وتطبيقات موسيقية وغنائية مستمرة. أي إنّها تنضج وفق سياق اجتماعي واسع حولها. فالأوبرا كانت مؤسسة جاهزة لهضم الأصوات، وتحدد مهامها الوظيفية مهما بلغت من فرادة. وانحطت الأوبرا في نابولي الإيطالية حين ابتلع مؤسستها المؤدّي أو المُغنّي، وتجاوزت أهميته المؤلف والآخرين، ليستبيحها مُستعرضًا عضلاته الصوتية بالترجيعات والترعيشات.

بينما أخذ الغناء العربي نسقًا مؤسسيًّا أضعف، تركَّزَ على المؤدِّي، ومع تغيّر الذائقة، واجهَ الغناء عجزًا في ظهور صوت يضاهي أم كلثوم، ولا أقصد يشبهه، أو يتجاوزه.

وفي اليمن، تتحدّد السمات الصوتية على طبيعة محدودة؛ فمثلًا استخدام القنبوس، وهو عود صغير، جعل الغناء محددًا بمساحته التي لا تزيد على أوكتاف ونص، أي إحدى عشرة درجة نغمية، مع ظهور العود الأكبر- دفع بالمؤدّين على الصعود إلى درجات أعلى في الغناء، والأمر نفسه مع ظهور الفرق الموسيقية.

الأمر الآخر؛ أنماط الغناء المُتبعة، فمثلًا إذا أخذنا مغنية تشكّل صوتها على أداء الملالات أو المهاجل، فإنه سيتشكل وفق تلك الأنماط اللحنية، بخلاف ما إن كان يؤديها، بحسب مساحة صوته، من طبقة مرتفعة أو منخفضة، فإنّ صوته سيتطبع على نمط منخفض من حيث شخصيته اللحنية ومساحاته؛ كونه غناء بسيطًا ولا يسمح للصوت ببلوغ مناطق وعرة، مهما أُضفِي عليه من الزخارف والتلوينات.

أي إنّ بعض الأنواع الغنائية هي التي تحدّد السقف الذي تبلغه الأصوات، فيكون منخفضًا أو عاليًا، بحسب ما يتطلبه من أداء، أو أشكال تعبيرية.

ثالث شيء؛ ثمة إشكالية واضحة في عدم وضوح نطق الكلمات بالنسبة للمؤدِّين اليمنيين، وينبغي الاهتمام في هذا الجانب بأن يكون نطق الألفاظ واضحًا.

المسرح الغنائي:

وبالتأكيد الاهتمام بالمسرح الغنائي مسألة مهمة، لكن دون أن يكون هذا المسرح نسخة من المسرح العربي التقليدي، سواء الذي ظهر في مصر أو لبنان. أي بكونه تمثيلية تظهر فيه الأغنيات وإن اتصلت بالخط الدرامي، لكنها لا تُجسد فيها الموسيقى وحدة عضوية بالدراما، وأن تكون هي الدراما بدرجة أساسية، كما في أعمال الأوبرا. وسيكون من الجيد استحضار أسلوب القائي مُشتق من أساليب الكلام اليومية وتعبيراتها الشائعة، وإن كانت أيضًا بحاجة إلى تهذيب وتشذيب.

بحسب ما سلف ذكره، فإنّ بلوغ أشكالٍ ثقافية موسيقية وغنائية، لن يأتي في لحظة، إنّما يعتمد على عملية مُتدرجة تختبر حدود الأصوات والألحان، وتضفي عليها مساحات تطور. وحتى لا نغالي، فإنّها مرهونة بسياق ثقافي واسع، ستلوح آفاقه في الأدب والعلوم وغير ذلك، وتكون مُتصلة، أساسًا، بتشجيع الابتكار، ووجود حيّزٍ مجتمعيّ ينحاز للغة موسيقية رفيعة.

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English