الفنان الذي علّمني مبادئ العزف على العود

أحمد فتحي
April 11, 2020

الفنان الذي علّمني مبادئ العزف على العود

أحمد فتحي
April 11, 2020
© Khuyut

   تعرفتُ على الأستاذ أحمد بن أحمد قاسم عندما كنتُ صغيراً؛ حين كان يأتي، هو وفنانون كثُرٌ من كل أنحاء اليمن، إلى مدينة الحُديدة في مواسم الحفلات.

    كانت الحُديدة تستقبل معظمَ فناني اليمن، شمالِهِ وجنوبِهِ، قبل الوحدة وبعدها، في موسمٍ يسمى "موسم الحفلات"؛ حيث كنا نمتلك سبعَ دُورِ سينما في المدينة، وكلها مزوّدة بالمسارح، فكانت تستقبل جميع الاحتفالات في ذلك الموسم.

   التقيتُ حينها، صدفةً، بالراحل الكبير أحمد قاسم. لقد كان فناناً مختلفاً، في شكلِه ومظهرِه، عزفِه، وصوتِه. كان في الحقيقة مختلفاً عن السائد. وهو من شجّعني على الانتقال إلى مدينة عدن، وهناك تبنّاني. في تلك الفترة -أواخر ستينيات القرن الماضي- أُقيمت احتفاليةٌ لأحمد قاسم، دعماً من زميليه الفنانَيْن الكبيريْن، الراحل محمد سعد عبد الله، والراحل محمد مرشد ناجي، لدفع تكاليف الفيلم الذي أنتجه أحمد قاسم في القاهرة. كان ذلك هو اللقاء الأول الذي يجمع الفنانين الثلاثة في حفلةٍ واحدة. وكان لهذه المشاركة فضلٌ كبيرٌ عليّ في الحقيقة؛ إذ سجلتُ حضوراً لافتاً، مع أنني، حينها، لم أكن أحفظ غيرَ ثلاثِ أغانٍ ظلَّ الجمهورُ يطلب مني إعادتها كلما انتهيتُ، إلى أن ثَبَتَ حضوري لدى الجمهور وصرتُ مألوفاً لديهم. ومثّلتْ هذه فتحاً طيّباً لي في بداية مسيرتي.

   كان الفنان أحمد بن أحمد قاسم، حينها، يعْرِضُ فيلمَه "حب في القاهرة"، الذي أنتجه في مصر، وقد حضرتُ ذلك العرض. كان -رحمه الله- فناناً مُتْقناً لآلة العود بشكلٍ غيرِ عادي، وقد تعلّمْتُ على يديه مبادئَ العزف على آلة العود. كانت ألحانه –كما ذكرت آنفاً– مختلفةً عن السائد. صوته كان متماسكاً وجميلاً، ومساحاتُ صوته كانت رائعة.
   الخطُّ العامُّ لنتاجه الفني هو خطٌّ عربيٌّ في الحقيقة، وإن كان قد قام بعمل الكثير من الألحان والإيقاعات المحليّة. ولكنْ –إجمالاً- كان خطّه عربياً؛ فأنت حين تستمع إليه –وإن كنتَ لا تعرف أنه من اليمن– ستقول إنه فنانٌ عربيٌّ من مصر، وذلك من خلال أسلوب التلحين والأداء والعزف.

درس أحمد قاسم الموسيقى، ويبدو ذلك جليّاً من عزفه وألحانه، وهو الرجل الثاني، كموسيقارٍ كتبَ النوتةَ ودَوّن أعمالَه، بعد الأستاذ يحيى مكي، الذي قام أيضاً بتعليمه قبل التحاقه بالمعهد

    وقد ساهمتْ في ذلك الثنائيةُ التي كانت بينه وبين الشاعر الكبير لطفي جعفر أمان؛ إذ جعله ذلك يسيرُ في هذا الطريق بشكلٍ واثقٍ، حيث كان يمدّه بالنصوص الرائعة، وهي نصوصٌ بعيدةٌ عن الإغراق في المحلية. فنصوصُ "أمان" ينطبق عليها وصف "اللهجة البيضاء". 
وحتى كمُمثل، كان أداء أحمد قاسم وحضورُه جميلاً في الفيلم. وقدّم أعمالاً كان المصريون معجبين بها كثيراً، لأن بُنيَة اللّحن عنده شبيهةٌ ببُنية اللحن المصرية؛ وبالتالي فقد حاز على إعجابهم، وكان قريباً منهم، وكانوا يُحبّون جملته الموسيقية جداً. كان إنتاجه غزيراً، وقد انتشر الكثيرُ من أعماله، مثل أغنية "يا عيباه" و"وابتدينا"، والكثير من الأعمال. أما بالنسبة للداخل، فلديه الكثيرُ من الأعمال، مثل: "من العُدين يا الله"، وغيرها، بصوته وبأصوات آخرين غنّوا من ألحانه وأغانيه.
   درَس أحمد بن أحمد قاسم الموسيقى، ويبدو ذلك جليّاً من خلال عزفه وألحانه، وهو الرجل الثاني، كموسيقارٍ كتب النوتةَ ودوّن أعمالَه، بعد الأستاذ يحيى مكي الذي سبقه في ذلك، وقام أيضاً بتعليمه قبل التحاقه بالمعهد.

   جمهور أحمد بن أحمد قاسم، الذين كانوا يدعمونه ويفهمون لغته الفنية، تفرّقوا، خصوصاً بعد طرد الاستعمار والحربِ التي حدثت بين جبهة التحرير والجبهة القومي. اضطر الكثيرُ، وخاصةً  أهل الفن، إلى المغادرة والاغتراب؛ فمنهم من انتقل إلى الحديدة، ومنهم من انتقل إلى صنعاء، والبقية غادروا إلى الخارج. كان هؤلاء هم جمهورَه الحقيقيَّ الذين كانوا يشعرون بقيمة الجملة الموسيقية عند أحمد قاسم وتطوُّرِها. فعندما غادرَ معظمُ هؤلاء، بدأ يشعر بالوحدة، وبدأتْ هذه الأجواءُ تنعكس على طبيعته، وبدأ يتغير، وبدأتْ رؤيتُه الموسيقيةُ وعطاؤه الفنيُّ يفقدان الكثير من ذلك التماسك، بعد أن كانا أكثر تماسكاً في فترة الخمسينيات والستينيات، حيث كان يمتلك ثقةً عاليةً في نفسه، لأنه مدعومٌ من خلال جماهيره.

   بعدها، انتقل إلى صنعاء، وكنتُ حينها أدرُس. وعدتُ إلى صنعاء، والتقيتُ به قبل أن أغادر اليمن للهجرة. وبعد فترةٍ، وصلتْني أخبارٌ بأنه تعرض لحادث أودى بحياته، رحمه الله.
_________________________

رسم اللوحة لخيوط : رائد الحطامي

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English