الغناء المغدور

سيرة أخرى حاولت امتلاك لحن صنعاء الذي حرمته
جمال حسن
March 19, 2021

الغناء المغدور

سيرة أخرى حاولت امتلاك لحن صنعاء الذي حرمته
جمال حسن
March 19, 2021
Photo by: Abdulrahman Alghabri

حظيت بعض الفنون برعاية طبقات الحكم وعبرت عن ذائقتها، بينما أخذ الغناء الصنعاني، بالنسبة للبعض، امتيازًا طبقيًّا عبر تحريمه. ففي الفترات التي لاحَقَهُ القمعُ، بين العوام، حظيَ بأمان في مجالس الأعلى شأنًا. مع هذا، ثمة خطاب ثقافي لم يستبعد وجود مزية في هذا التحريم. ربما كانت الغاية تجميل مرحلة أو تبرئتها، وإن كان -بصورةٍ ما- محاولةً لاحتواء موروث غنائي هو نتاج تفاعلات عامة، باعتباره شأنًا خاصًّا. 

وبتصور الأديب اليمني أحمد محمد الشامي، من المحتمل أن تكون ممنوعات الماضي قد أعطت قيمة لتراث اليوم. وقصده لا يقتصر على مرحلة الأئمة، بل يشمل تاريخ الممنوعات التي شهدها الغناء في اليمن. ولا تخلو صورته من براعة أدبية، إذ يتعدد المعنى فيها. ولا أعتقد بأن مقصده هو أن القيمة التي اكتسبها من الممنوع، تتعلق بالخصائص التي أصبح عليها، بمعنى أن ظروف التحريم فرضت على الغناء الصنعاني حيزًا ضيقًا من النخبة.

ويتضح الأمر في الأنماط الشعرية واللحنية، إذ إن شعر الغناء الصنعاني اعتمد على شخصيات انتمت إما للطبقة الحاكمة، مثل محمد شرف الدين، أو للأعيان، فالشاعران الكبيران؛ العنسي وعبدالرحمن الآنسي، ينتمون لطبقة القضاة. 

بالطبع، ليس غرضي إدانة هذا الخطاب، إنما تحليله وفق مفاهيم ترسبت وشكلت التباسًا ثقافيًّا واجتماعيًّا، ما زالت تفرض حضورها حتى اليوم. ولم يكن -بالضرورة- الشامي يقصد في تعبيره التقليل من مساهمات وتفاعلات مختلفة في هذا الغناء. لكنه عبّر عن مفاهيم نابعة من بنية تقليدية، وربما كانت غايته عقلنة آراء سادت ما بعد 26 سبتمبر، وتحاملت على مرحلة الإمامة. وربما تمثلت وجهة نظره دفاعًا عن الطبقة التي انتمى إليها، بحيث لا يستبعد وجود قيمة ما زال التحريم يضفيها على هذا الموروث.

على أن استعارة الشامي المجازية خلطت بين الغناء كمصدر تنبع جماليته من ذاته، وبين هيمنة سياسية يمكنها تحريم الغناء، وفي الوقت نفسه امتلكت حق اختراق هذا المُحرم كامتياز لها عن باقي أفراد الشعب.

يُرجع محمد عبده غانم، نسب أول موشح يمني لأحمد بن فليتة، الذي عاش في بلاط الدولة الرسولية في تعز. وابن فليتة يعود لمنطقة تهامة، كما أن موشحه الحُميني جاء بمفردات عامية معروفة اليوم في تعز

وعلاقة التحريم بأي قيمة جمالية، تمتاز بحضور محدود مستلب ومُقيد، هو ما يمكن قياسه على طابع الخطاب الذي يتكئ عليه الشامي. وربما كان ملتصقًا بامتيازات أخرى وسمت ذلك العصر وطبعته، بحصر التعليم والثقافة، وحتى الحُكم، على فئات معينة. وعلى أي حال، لا يمكن للتحريم أن يسمح بتفجر طاقات هذا الغناء، وإنما حكره وتقييده وفق تقاليد. مع أن أساطين الغناء الصنعاني أجروا محاولات تطويرِ ما اعتبروها ألحانًا تراثية، وربما أضافوا إليها ملامح جديدة وإن كانت محدودة، خصوصًا في الفترة التي تمتع بها الغناء في صنعاء بحرية خلال فترة الاحتلال التركي الثاني. 

ثم إن القمع أفرغ صنعاء من أهم مغنيها، بعد طرد الأتراك. ومنذ نهاية الحرب العالمية الأولى وحتى ثورة 26 سبتمبر، كان لعدن الدور الأهم في إبراز هذا الغناء والمحافظة عليه، وربما تطويره. كما كانت أقدم التسجيلات الصنعانية تعود للنشاط الذي شهدته عدن، بخلاف تحريم الإمام للفونوغراف والإذاعة، حيث كان الناس يستمعون للموسيقى أو يمارسونه في السر. 

على صعيد آخر، استند الشامي لوثيقة بيزنطية تعود للقرن التاسع تشير إلى أن أسقف ظفار، خلال الحكم المسيحي في اليمن، أصدر مرسومًا فيه معاقبة من يقوم بالغناء. لتأكيد أن هذه المحرمات قديمة. ومع أن هناك وجهات نظر قللت من مصداقية تلك الوثيقة. إلا أن الشامي يتبنى قاعدة أحادية حول شعر الغناء الصنعاني، باعتباره مزية ثقافية لا يشترك فيها أحد مع مركز الحكم الإمامي. إذ رفض ما توصل إليه الدكتور محمد عبده غانم في كتابه "شعر الغناء الصنعاني"، بأن الموشح الحُميني انتقل بشكله وأسلوبه من مصر، عبر التواجد الأيوبي في اليمن.

واستند غانم إلى ظهور الموشحات في مصر متأثرة بالموشح الأندلسي خلال حكم الأيوبيين. بينما أول موشحة معروفة في اليمن ظهرت بنظم الشاعر أحمد بن فليتة في البلاط الرسولي. وهي أقدم موشحة منسوبة لشاعر يمني، بحسب المخطوطات القديمة، ويتضح فيها الكثير من المفردات العامية التعِزية.

لكن الشامي عارض غانم فيما توصل إليه من استنتاج، زاعمًا بوجود موشحات صنعانية تسبق موشح ابن فليتة. وفي الوقت نفسه، لم يقدم أي برهان على ما ذهب إليه، على خلاف غانم الذي اعتمد على دراسة المخطوطات التي تضمنت الموشحات الحُمينية اليمنية. واللافت أن الشامي يُقلل من المنهج بانحياز لاستدلالاته، وكأنه يستمد وجهة نظره من عقيدة غيبية، لا تعترف بالنظريات العلمية.

وبحسب ما تؤكده المراجع الموجودة عن الموشحات الحمينية، فإن أقدم موشحة ظهرت في صنعاء، وتحديدًا في كوكبان، تعود للقرن السادس عشر، للشاعر محمد شرف الدين. ويبدو أن بلاط الأئمة نقل سمات ثقافية وفنية كانت موجودة في بلاط الرسوليين، والتي انتقلت تلقائيًّا للطاهريين، بينما موشح ابن فليتة يعود للقرن الرابع عشر. ومن الوارد أن موشحات في صنعاء سبقت محمد بن شرف الدين، وهذا بالطبع يقودنا إلى احتمالية وجود موشحات سابقة لابن فليتة في العهد الرسولي. 

على أن مثل هذا، لا يمكن الجزم فيه ما دامت لا تتوفر مراجع تؤيده، ولا يمنع صحة ما ذهب إليه غانم، كون الرسوليين نقلوا إلى بلاطهم بعض السمات الموجودة في البلاط الأيوبي الذي كان أسلافهم منخرطين في جيوشه التي سيطرت على اليمن. لكن الشامي وجد في ذلك خطأ جسيمًا، فهل كان يمارس في خطابه الثقافي شكلًا من استبداد مركزي يحيل فيه التأويلات مجالًا خاصًّا يمكن تكييفها، بحسب ما تمليه تصورات مركزية.

الجلي أن الشامي يتحدث من بنية وعي تقليدية، لكن تلك البنية تحاول فرض تصورها المركزي بخلط قيمة الموروث ضمن تصورات سياسية. وربما أكون غاليت في تصوري هذا، لا يخفى علينا أن دوافعه تحتمل أن نقده لدراسة غانم، مبنية بالأساس على رفض وجود أي مشترك يمني آخر في الغناء الصنعاني. تصوره العام بأنه ينبغي أن تكون هذه الأغنية وشعرها، وربما كل ملامحها، منتوجًا صنعانيًّا خالصًا، لم يسبق له التفاعل مع أي ملامح ثقافية يمنية أخرى.

الغناء الصنعاني يدين للقيمة التي يجله بها اليمنيون، بينما يؤسس خطاب الشامي مساحةً للتأويل تتجاوز جمالية الغناء لما هو أكثر من ذلك. وهو التصور الذي يعارضه محاولةُ التقليل من قيمة هذا الغناء، ومن أهميته في الغناء اليمني

وبالتالي علينا الإقرار بمعتقداته، ولا نسمح لأي منهج تحليلي علمي أو ذهني، بأن يخالفها. وحتى في وجود براهين، علينا أن نقر بمزاعمه، دون أن نشترط عليه برهانًا أو دليلًا ماديًّا يمكننا مناقشته. فسياقه العام يشترط أن يضع فرضياته كمثبتات، مثل المؤمن الذي يطرح عقيدته ولا يؤمن بأي جدل. مع الفارق الشاسع بين قضايا الغيب وأطروحات الواقع. 

وبناء على ذلك يصبح التعامل مع الغناء الصنعاني أو عنصر ثقافي آخر، بمثابة معطيات مُسلم بها من وجهة نظر تصور مركزي، يحد من أفق تفاعلاتها. بينما تلك الشروط تتفاعل وفق فضاء أوسع، وهو ما تؤكده ملامح الأغنية نفسها ويمكن التعاطي معها وفق قيم قابلة للاندماج. لكن خطاب الشامي يحاول تأصيل فكرة النقاء الثقافي الخالص، باعتباره مضمونًا يتبنى توجيهًا تمارسه منصة امتياز خاصة. 

وإذا عدنا للغناء الصنعاني ومؤثراته اللحنية، فإننا سنرى داخله بعض النسيج المقامي للسُّلم الخماسي، ومنه نفترض وجود مؤثرات أفريقية، والأرجح أنها تعود لمؤثرات البلاط النجاحي في زبيد الذي كان حكامه ذوي جذور حبشية. كذلك لا نستبعد أنها مؤثرات تعود لفترة الاحتلال الحبشي. وهذا لا يُقلل من قيمة هذا التراث، إنما ساهم في إثرائه.

وكما أشرنا، فتصورات الشامي نابعة من يقين ثابت بأن تلك المزية تنتسب لموروث محكوم بتقاليد سياسية ودينية. أو أنه نابع من ثقافة تمنح لنفسها حق الهيمنة دون سواها. مع هذا لا ننكر على الشامي حساسيته المحكومة بردود أفعال فرضتها تحولات سياسية، ليضع افتراضات بما فيها إمكانية أن تمنح ثقافة الممنوح قيمة لهذا الموروث. 

يدين الغناء الصنعاني لقيمة يجله بها اليمنيون، وبما حملته من تفاعلات امتدت عبر قرون. وكان لصنعاء دورًا جوهريًّا بأنها أضافت وحافظت على قيم عديدة، رغم الأفق الديني الضيق الذي فرض على مدنيتها حمولة ثقيلة من المحرمات. وفي الواقع، لم تكن هي المسؤولة الوحيدة عن تلك المحرمات وإن مارستها بفضاضة أكثر قسوة، فهي تشترك مع خطاب ديني اختلط بتصورات سياسية مارس محرماته أيضًا. 

وبصورة عامة، فالأغنية الصنعانية ظلت مغدورة، أمام خطابات تخلط بين جمالية الغناء ودوافع أخرى محكومة بالتعصب. فهناك طرف يقف من تصور جهوي، ينفي عنها كونها أغنية، ويصفها بالموشح كعلامة ازدراء. وباعتبار أن قالب الأغنية حديثًا يكونه مذهب وأغصان، متجاهلين أن الأغنية العربية كانت إما دورًا أو موشحًا، بينما شكلها الحديث تم استيراده من ثقافات أخرى، وتحديدًا الغرب. وبصورة أخرى هناك أكثر من طرف يحاول امتلاك هذه الأغنية، فالمغنية الإسرائيلية من جذور يمنية افرا هازا، صرّحت في إحدى حفلاتها الأوروبية بأن هذا الغناء يعود لمزامير داود. هناك أكثر من محتوى يحاول الغدر بأغنية شكّلت تراث اليمنيين وجاءت لنا بنكهة صنعانية.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English