الفنطازيا اللاهية

مشهد من رقصات درامية انقرضت في اليمن
جمال حسن
July 1, 2021

الفنطازيا اللاهية

مشهد من رقصات درامية انقرضت في اليمن
جمال حسن
July 1, 2021
Photo by: Shohdi Alsofi ©️ Khuyut

ماذا تعني فنطازيا؟

كانت في اليمن عرضًا تمثيليًّا موسيقيًّا راقصًا، إلى أن اختفت من قاموس اليمنيين. سرد الإيطالي انزو مانزوني عرض فنطازيا شاهدها في مدينة ذمار، تجسد إحدى التسليات الشرقية الجامحة. عادت الكلمة إلى اليمن مجددًا من خلال الكتابات العربية، لكنها انقرضت بمحتواها التمثيلي الراقص. كيف حدث ذلك؟

من المحتمل أن اختفاء هذا النوع من العروض على صلة بالقمع الديني الذي فرضه الإمام يحيى وولده. لكنه أيضًا على صلة بالأحوال المعيشية التي تتابعتها فترات من المجاعات والأوبئة. فاستقدام فرقة كتلك تتكون من راقصات شابات أو ما يُطلق عليهن غوازي، يكلف الكثير وقتها. 

ورغم تحريم الإمام يحيى لكل أشكال الموسيقى استثنى المؤدين على المزمار، باعتبارهم فئة محتقرة، مع هذا، يبدو أن عمل تلك الفرق، والذي يتعدى الغناء والرقص لضروب من المتعة، افتقد خلال حكم الأئمة حرية التنقل في المنازل. فالذهاب بعدد كبير من الرجال والنساء لم يكن سهلًا حدوثه دون لفت الأنظار، عدا عن صوت المزمار الصاخب والغناء الحاد. وبالتالي اقتصر أداؤهم على ما يقدمونه علنًا، مقابل اليسير من المال. مما دفع أحوالهم للتدهور، وانقرضت عروض الفنطازية، إذ لم تعد إحدى مسرات النخبة اليمنية، وانقضت فوائده. فإضافة إلى ما تتقاضاه الفرقة كانت الراقصات تحصل على النقود من الحاضرين أثناء الاقتراب منهم، وهو ما يُعرف لدى المصريين "تنقيطة".

ربما لم نكن لنعرف شيئًا عن هذا العرض، لولا ما كتبه مانزوني الذي امتدت إقامته في صنعاء، بين عامي 1877 و1878، لثمانية أشهر. تعني فنطازيا في العربية، حد قوله، اللهو والتسلية، بينما في اليمن ارتبط معناها بتلك العروض التثميلية، كما أشرنا سابقًا، وهدفها تحقيق اللهو، وإيصال الغرائز ذروتها.

سبق الحفلة تمهيد طويل تناوبت فيه المقبلات والمشروبات وأصناف الطعام، وفي التاسعة بدأ العرض. بالنسبة لإيطالي قادم من موطن الدراما الموسيقية، فإن ذلك العرض يبدو له شديد السذاجة، عدا أنه يتسم بسحرية شرقية.

تتسم تلك العروض الفنطازية بالبساطة التمثيلية، وبحسب ما أتصوره لم تكن حركات الراقصات سريعة او تنم عن براعة مبهرة. مقارنة بما نراه من إبهار لارتعاشة الجسد المألوف في الرقص الشرقي، والذي لا يتطلب عرضًا تمثيليًّا لبلوغ أغراضه

اقتصرت الفرقة الموسيقية على أربعة عازفين؛ أحدهم على المزمار، بينما الثلاثة على الطبول المكونة من طار ودربكتين. كانت الراقصات يرفعن فوق رؤوسهن طبولًا صغيرة ذات أجراس، ويتناوب خمسة من المغنين رجال ونساء، كان أداء النساء واهنًا ومنشزًا، حد تعبير مانزوني، بينما الرجال أصواتهم أجمل، لولا عيب اعتبره في أصواتهم الحادة وإطالتهم.

وبالنسبة لمانزوني، كانت الموسيقى خليطًا من الغناء الناشز والأصوات الحادة، مضيفًا أنه استمع خلالها  المزامير نشازًا في العالم. وبما أن المغنّين هم بالأساس عازفو مزمار منذ الصغر، فقد ساهمت تلك الآلة بتشكيل حدة أصواتهم. 

ينتمي أولئك الموسيقيون لعالم سُفلي أشبه بملاهٍ متنقلة تقدم الملذات إلى جانب الغناء. ولا يعني أن الإيطالي كان سيحب الاستماع للغناء الصنعاني الأرقى بمصاحبة العود المحلي ذي الأربعة أوتار، والذي يتطلب أصواتًا أكثر غلظة أو مبحوحة. لكنه سيميز فيه ذائقة النخبة اليمنية التقليدية.

وبحسب مانزوني، فالرقصات وإن اتخذت حركات موقعة، لكنها لا تتسق مع الموسيقى والغناء الصاخب، إنها تجري على المذهب الشرقي، بغرض الإيحاء الخليع، حد وصفه، خلافًا لما هو في الغرب بحيث يقوم الرقص على نغم إيقاعي، تنتظم فيه حركات السيقان وقفزات متسقة. وهذا التمييز يحدد من خلاله مانزوني مزية تحضره الأوروبي، فمن وجهة نظره اضطر لساعات الليل حتى الفجر للاستماع إلى تلك الموسيقى الهمجية. 

تتسم تلك العروض الفنطازية بالبساطة التمثيلية، وبحسب ما أتصوره لم تكن حركات الراقصات سريعة أو تنم عن براعة مبهرة. مقارنة بما نراه من إبهار لارتعاشة الجسد المألوف في الرقص الشرقي، والذي لا يتطلب عرضًا تمثيليًّا لبلوغ أغراضه. بينما تؤدي الفنطازية هذا الغرض عبر الإيحاء الدرامي البسيط. وعندما نتحدث عن رقصة النحلة، فإنها في الرقص الشرقي ستشهد ارتعاشة كافة الجسد من الرأس إلى القدمين، مع بروز الصدر، لكنها في ذمار اتخذت محتوى دراميًّا.

فالراقصة تصرخ بصوت منفلت "نحلة" رافعة ثوبها لتكشف عن جزء كبير من سيقانها، ثم تبدأ بالتمايل وحركة الذراعين، هنا يبدأ التصعيد الدرامي، إذ تتكفل الأخريات بالبحث عن النحلة، بنزع الملابس، هذا الكشف يرفع حدة الإثارة. وتستبدل الراقصات هذا الدور، بينما الأخريات يعملن على الكشف. تكون الثمالة بلغت ذروتها، وفي الرابعة صباحًا ينتهي العرض على مجون أشد صخب. 

لكن هل كانت تلك الفنطازية الوحيدة أو أن هناك عروضًا أخرى، ثم من يصممها. على الأرجح، أو أنه تصوري، فابتكار فنطازيات جديدة كانت تجعل فريقًا بعينه مطلوبًا، لكن لا نعرف إلى أي مدى كانت تظهر تلك الفنطازيات. فالجلي أن الرقص يبدأ في شكل من الحركات والارتماء بين الحاضرين، كتوطئة للعرض الأخير. وبحركات بطيئة وموحية ومع تبادل الأدوار، تستمر تلك الرقصة فترة لتصبح ذروة العرض.

وللأسف لا توجد مراجع مختلفة حول هذا النوع من الملاهي المتجولة في اليمن، ولا يوجد شرح لفنطازيات أخرى، بحيث يمكننا التعرف على مدى تنوعها. وهل بعض تلك العروض يصاحبها حوار يتجاوز صرخة منفلتة بلفظ "نحلة" متبوعة بشهقة تعجب مغوية من الأخريات. 

يعود تاريخ وقوع الحفل إلى عام 1878، أي بعد مرور ثماني سنوات على التواجد التركي الثاني في المرتفعات الجبلية اليمنية. ومن المؤكد أن تلك الفنطازيات كانت معروفة وشائعة منذ فترة طويلة في اليمن.

ولا بد أن فترة ازدهار الدولة القاسمية منذ القرن الثامن عشر، شهدت مثل تلك العروض السرية التي استضافتها النخب الحاكمة والغنية لتسلية متعهم. على أنها هناك، اقتصرت على مشروبات محلية، خلافًا لما شهده مجلس الأتراك من أنواع المشروبات الأوروبية، بحيث توفر لرجل قادم من أوروبا كل متطلباته من ذلك؛ فمظاهر الترف تزيد عند الأتراك من كافة النواحي من حيث أنواع  المقبلات وأطايب الطعام.

أين ذهبت رقصة النحلة، أو إلى متى استمرت تُقدم كشكل موروث من العروض الفنطازية بمصاحبة ذلك المزمار الأكثر شناعة برأي مانزوني. لعل القمع الناتج عن التشدد الديني، وانقراض تلك الحفلات الماجنة، وضع أجيالًا متعاقبة من تلك الفئات لا تعرف شيئًا عن رقصة النحلة، والعروض الفنطازية. 

تعاقبت أجيال لم تعد تعرف شيئًا عن التمثيلات الراقصة. هناك إشارات إلى وجود شكل من العروض التمثيلية شاعت في صنعاء قبل حكم الإمام يحيى عُرفت بالطنافس، لكن ليس ممكنًا الاعتماد عليها كمصدر وثيق. ربما المقصود فيها هو الفنطازيات، وفي حال وجودها لم يكن ليهمل مانزوني الحديث عنها.

واذا اعتبرنا وجود هذا النوع من التمثيليات التي تعرض على العوام، فإنها ربما اتخذت نفس التسمية للعروض المغلقة والسرية؛ أي فنطازيا. مصدر الكلمة قدم من اللغات الأوروبية، ويعني قصة خيالية. وهو ما وسم التمثيليات الموسيقية الراقصة في ذمار، باستدعاء حدث مُتخيل، يدفع حركات الرقص في خط درامي غايته بلوغ نهاية الإغواء أو الفحش.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English