أعطال الثمانينيات والتسعينيات

كيف أخفقت أجيال عن بلوغ محطات الغناء؟
جمال حسن
October 4, 2021

أعطال الثمانينيات والتسعينيات

كيف أخفقت أجيال عن بلوغ محطات الغناء؟
جمال حسن
October 4, 2021
Photo by: Abdulrahman Alghabri- © Khuyut

تخلفت الأغنية اليمنية عن قطار البوب الذي هيمن على صناعة الموسيقى حول العالم. ومع ظهور محاولات لإدخال أشكال بوب أواخر الثمانينيات، إلا أنها تجارب اصطدمت بواقع لم يسمح لها بالديمومة والتطور. إذ افتقدت تلك التطلعات لمشروع احترافي تتبناه صناعة الموسيقى.

وقفت عوامل كثيرة وراء الإخفاق العام، وبدت ملامحه على جيل الثمانينيات الذي وقف بلا حول أو قوة. ففي الجوار عثرت الأغنية الخليجية على طريق أكثر معاصرة، رغم أنها لم تتمتع بالثراء نفسه الذي امتاز بها الموروث اليمني.

شكلت الفرق الموسيقية "الباند" جانبًا مهمًّا لظهور البوب، وهي سيرة تشابهت في بلدان عربية؛ ففي مصر نهاية السبعينيات لعبت الفرق دورًا في التمرد على القبضة القديمة للغناء، وكان أعضاؤها يرتدون الكاجوال ويقدمون أغانيَ سريعة. أما في الخليج العربي، فكانت الكويت هي السباقة، وانتشرت فيها عدة فرق موسيقية خلال الثمانينيات، وكان للكيبورد دورًا رئيسيًّا بمصاحبة الجيتار الكهربائي والدرامز.

وفي اليمن كان من المفترض أن يتشكل البوب بالطريقة نفسها، لكن ظهور باند محلي، كان أمام خيارين؛ إما الإخفاق التام أو الاعتماد كليًّا على إقامة حفلات الأعراس.

أتذكر في تعز، حين كنت طفلًا في أواخر الثمانينيات، أنا وصديقي نشق شارع جمال المكتظ في ليل رمضاني. ودّعتنا شابة ترتدي شرشف لمرافقتها بسبب ما كانت تعانيه من تحرشات. وفي طريقها كانت أكثر من سيارة تقف ويدعوها صاحبها للصعود معه، إنه أسلوب ما زال شائعًا في اليمن، ويحدث بشكل معلن في أكثر الشوارع ازدحامًا. وبالفعل نتج عن مصاحبتنا لها توقف المضايقات، قطعنا الشارع بعد تقاطع شارع التحرير مع شارع جمال، وعند مرورنا بجانب محل بيع الكاسيتات "ستريو"، أشارت دون أن نتوقف، إلى وجود محمد مكي، هل تعرفونه. كان شابًّا ممتلئًا بعض الشيء، شعره أشقر وبوجه دائري ممتلئ، وشارب خفيف أشقر، ولا بد أنها كانت سعيدة برؤيته، وربما كان حديث الفتيات. فقد عرف وقتها بأنه قائد فرقة نجوم اليمن، التي أصدرت ألبومًا يتيمًا في 88.

أتذكر أني اشتريت الألبوم لاحقًا، وكان بالإمكان أن نطلب من المحل أن يسمعنا الكاسيت الذي سنشتريه، وربما يقترح علينا ألبومات ويفتح لفترة محددة جزءًا قصيرًا من أغنية. وكانت مكبرات الصوت تدفع الأغاني مسافة إلى مسامع الناس. وتلك ملامح من زمن ولّى، ولم يعد يعرف عنه شيئًا الجيل الجديد.

صحيح أن الأغنية اليمنية وجدت طريقها عبر أصوات مثل أبوبكر، لكنها تدين في ذلك للمهجر. وفي الداخل ظلت الأغنية محلية، ومع ازدهار الفرق التي اقتصر حضورها على الأعراس، لم تستوعبها صناعة موسيقى تدفع عجلة تطورها. وبصرف النظر عن توظيف إيقاعات أجنبية لألحان يمنية

أعادت الفرقة تقديم سبع أغانٍ، منها: "إمتى أنا اشوفك"، و"إن يحرمونا"، و"يوم الأحد". كانت أغاني يمنية باستثناء أغنية "بعدك صغيرة" العراقية، إضافة إلى لحن هندي سبق ليمنيين غناؤه، أهمهم كرامة مرسال في أغنية جمالك رمز. اعتمدت الفرقة على أسلوب موسيقيّ متقشف، لعب فيه الكيبورد كل الأدوار الموسيقية والإيقاعية. لكن روح البوب اتضحت بتسريع الرتم وتوظيف إيقاعات غربية. فالثمانينيات التي فتحت للتكنولوجيا آفاقًا واسعة، تصدعت في اليمن وخيبت شبابها.

على صعيد آخر، تمكن الغناء الخليجي من تحقيق انتشار واسع وفق أساليب بوب أقل تطرفًا مما كانت في مصر. وفي 88 حقق ألبوم نبيل شعيل "يا شمس لا تغيبي"، أول اختراق للأغنية الخليجية في مصر، وإن ارتبطت مبيعاته بالسياح الخليجيين، أو الدوائر التي تعتمد اقتصاديًّا عليهم. كان ذلك العام فاصلًا في صناعة البوب في مصر.

بعد عام، أنتج الفنان اليمني وليد خليل ألبوم "طار طور"، وهي أغنية من كلمات الشاعر المصري اليساري فؤاد حداد، لحّنها وليد على مقام الكرد، وبأسلوب البوب المصري الذي ساد في الثمانينيات ومطلع التسعينيات. باستخدام إيقاع المقسوم المصحوب بتصفيقات مدبلجة مضاعفة وبتمبو سريع، وهو أسلوب اشتقه شاب ليبي وقتها هو حميد الشاعري، وكذلك صوت الكيبورد والرتم السريع.

تعاون وليد مع ملحنين مصريين، أبرزهم أحمد منيب، الملحن النوبي الذي حملت ألحانه صوت محمد منير إلى القمة. فغنى له "غروب" و"رايح جاي".

لم يقتصر وليد على الغناء المصري، إذ أعاد تقديم ثلاثة ألحان يمنية بأسلوب البوب، ففي أغنية "ألا يا طير يالاخضر"، لمحمد صالح عزاني، يبرز التوزيع الحديث وإن لم يكن لافتًا، توظيف إيقاع بوب عبر الدرامز. أيضًا أغنية صبوحة من الفولكلور اليمني، والمعروف أنها أغنية عرفتها كباريهات القاهرة أواخر السبعينيات، لإرضاء مرتادي تلك الأماكن من الخليجيين. 

يُعد وليد آخر ممثل لتيار الندوة العدنية، التي احتضنت فنانين كبار، مثل أحمد قاسم ومحمد عبدة زيدي وآخرين. ولدت الندوة الموسيقية العدنية من أجل خلق هوية غناء عدني، بحثت في الغناء المصري عن نموذج تقتدي به. وهو ما أخذه وليد على عاتقه لكن بروح الثمانينيات. وأنتج الألبوم على نفقته، متطلعًا للنجاح في مركز الغناء العربي، أي القاهرة، في خطوة سبقه إليها أحمد قاسم ولم تحظَ بنجاح.

في تجربة مماثلة، لا يحظى الفنان اليمني بجمهور محلي يدعم تجربته، حتى وإن راقت لها، وبغياب حقوق الملكية لا تراهن صناعة الموسيقى على هذا الجمهور، باستثناء الجانب المعنوي.

بخلاف ذلك، يذهب الفنان الخليجي إلى القاهرة من أجل تسجيل ألبومه، ويقف خلفه جمهور مهم في الخليج لصناعة الموسيقى، وهناك قوانين تحمي حقوقه، وإن حقق نجاحًا في مصر فتلك بالنسبة له نقلة.

وكان للاقتصاد عاملًا مهمًّا في نفوذ الأغنية الخليجية لتجد طريقها بأصوات نجوم عرب، مثل راغب علامة وأنغام وآخرين. لكنها أيضا حققت انتشارًا في العالم العربي نتيجة استخدام أشكال موسيقية حديثة، من خلال أصوات خليجية، أهمها عبدالمجيد عبدالله وراشد الماجد وآخرون، حتى إنها ساهمت بنشر ألحان يمنية وإن تطفلت عليها.

صحيح أن الأغنية اليمنية وجدت طريقها عبر أصوات مثل أبوبكر، لكنها تدين في ذلك للمهجر. وفي الداخل ظلت الأغنية محلية، ومع ازدهار الفرق التي اقتصر حضورها على الأعراس، لم تستوعبها صناعة موسيقى تدفع عجلة تطورها. وبصرف النظر عن توظيف إيقاعات أجنبية لألحان يمنية، فالفنان هشام النعمان أخبرني بأنهم في فرقة النورس أول من استخدموا إيقاع الريجي بمصاحبة أغنية "مسكين يا ناس".

وعمليًّا لم تكن الأغنية اليمنية في المهجر منسجمة مع روح البوب، غير أن هناك تجارب يمكن أخذها في الاعتبار. فأغنية صنعانية لأحمد فتحي، تتسع على مفاهيم البوب، وإن لم يكن فتحي منتسبًا لهذا التيار. فمن الممكن النظر لكثير من الجوانب اللحنية والموسيقية، إذ يستحضر فيها مزيج من العناصر اليمنية، وعناصر أجنبية. ففي المطلع يستهله فتحي بتلوين صوتي فيه مزيج من الغناء الغجري والصنعاني، وكان بارعًا في ذلك. وتكون هناك محاورة بين اللحن اليمني والأندلسي، إيقاع فلامنكو يصاحب الموسيقى، يتحاور فيه البيانو مع العود، بينما الغناء يكون مصحوبًا بإيقاع صنعاني.

على أن فتحي يحيلنا إلى إمكانية استيعاب الغناء اليمني، والصنعاني، بعناصر غربية. مع أنه اتخذ لنفسه أسلوبًا بعيدًا عن أساليب البوب الشائعة.

تأخرت الأغنية عن قطار البوب في اليمن، بينما ازدهرت في مصر والعالم العربي، وأصبحت العربة التي تقود اقتصاد صناعة الموسيقى. وهكذا تطورت صناعتها عبر توسيع مساحة الآلات الموسيقية، والإيقاعية من الوتريات إلى النفخيات والآلات الشرقية والغربية.

وتقوقع المشهد الغنائي في اليمن على العود بمظهره التقليدي، أو الأورغ بالنسبة لأجيال أحدث. ولم يكن هناك رهان على تطوير الأساليب وانفجار تيارات جديدة. فالزخم الذي شهدته اليمن يعود للستينيات، وكالعادة واجه انتكاسات وخيبات، ثم انقطاعات. ولعل جيلًا جديدًا يبعث تحديًا لتسلق أزمنة مفقودة، باحثين عن أساليب بوب يمنية.

لم يكن الأمر مجرد صورة لواقع الموسيقى اليمنية، لكنه انعكاس لبلد ظل مستبعدًا من العصر. وهكذا ارتطم جيلا الثمانينيات والتسعينيات بصخرة قاسية، دحرتهم بعيدًا عن الغناء، أو أنهم استمروا يقاسون الإثباط والتهميش. وعندما كنا بصحبة الفتاة في الزمن الضائع للثمانينيات والتسعينيات ورأينا قائد فرقة نجوم اليمن، ربما كان يتتبع مبيعات الألبوم، وهناك تشكلت عقبة وعرة أمام موسيقى البوب في اليمن، مثلما كانت على كافة الأصعدة، وظلت اليمن بعيدة عن العصر.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English