فنانون شباب يتسلقون الصعاب لفرض أنفسهم

في ظل غياب الدولة، وجبن رأس المال المحلي
عمران مصباح
April 30, 2021

فنانون شباب يتسلقون الصعاب لفرض أنفسهم

في ظل غياب الدولة، وجبن رأس المال المحلي
عمران مصباح
April 30, 2021
Photo by: Hamza Mustafa - © Khuyut

في منطقة تابعة لمحافظة عمران شمال اليمن، خرج صوت فاطمة مثنى، صوت يبشر أنه سيكون له شأن مستقبلًا، لكنه كغيره مر بالكثير من العقبات المتعبة، وخوض غمار التحديات، وكان ما ميز طموحها أنها تنتمي لعائلة فنية، مكونة من أربعة فنانين، هي خامسهم، وأبوين يدعمان هذا المسار، ذلك ساعدها في المضي بموهبتها، وساهم في صناعة شخصيتها الغنائية، لكن وجودها في بلد مثل اليمن لا يدعم المواهب، اضطرها لبذل جهد مضاعف كي تصل إلى لحظة إنتاج أغانيها الخاصة.

لا يوجد تاريخ محدد لبداية الغناء اليمني، لكن هناك أثر يدل على عراقته وقدمه، ومروره بحقب تاريخية بعيدة النشأة، تحقق له السبق والريادة، بحسب باحثين في التراث الغنائي اليمني، درسوا جوانب الارتباط بين تطور الفن، والتقدم الحضاري.

ويتمتع الفن اليمني بثراء وتنوع كبير؛ فهناك الموشح الصنعاني، وأغاني الحرف والعمل والبحارة، وأغاني الكاسر والمهاجل، والأغاني الشعبية التهامية، على غرار المواويل، وهناك الدان الحضرمي، كل هذه الأنواع أسست لمدارس عريقة وقديرة في الفن اليمني تفرض تحديات للطامحين من المواهب الفنية الشابة لخوض غمار هذه التحديات وفرض أنفسهم على الساحة الفنية في مجتمع يضيف معوقات عديدة أمام تحقيق أحلام الفنانين الشباب.

حسب أحد المواهب الفنية، فإن الفنان هو من يقود الحركة الثقافية لأي بلد، وهذا يتطلب منه تقديم فن يرتقي بالذائقة الفنية للمجتمع

في ظل هذه التحديات والمعوقات، لا يمكن الاستناد لهذا الإرث الهائل الذي لم يتم مواكبته بشركات إنتاج حديثة أسوةً بالدول الأخرى، وبالتالي عجز عن المجاراة، ولأجل أن ينتج الشباب اليمني أغنية يعيشون الكد في أمرّ صورها.

بين الحلم والواقع

تحكي فاطمة عن اكتشافها لنفسها لـ"خيوط"، قائلة: "إن ثمة موقفين غرسا فيها شعورًا عظيمًا، وكلاهما حدثا في طفولتها، الأول؛ عندما سمعتها والدتها تدندن وحيدة في حوش المنزل، فعبرت لها بحماس صادق عن إعجابها بصوتها، قائلة: "ما أبهى صوتك". وتعبر فاطمة عن مشاعرها تجاه التعليق الأول الذي تلقته في حياتها، قائلة: "صنع لوجهي لونًا مختلفًا"، وتشير مثنى للموقف الثاني الذي كان يقف وراء تنامي شغفها بالغناء، والمتمثل وراء انشداد أقرانها الطلاب بصوتها منذ كانت تؤدي الأناشيد المدرسية في طابور الصباح. 

تقول مثنى: "بقي الحلم يرافقني، ويكبر يومًا بعد آخر، وعلى الرغم أني أصبحت الممثلة الفنية للمدرسة، حيث كان يتم استدعائي في الاحتفالات الكبيرة، والمناسبات الرسمية، التي كنت أحظى فيها بالكثير من الإشادة والمدح، إلا أن ذلك لم يكن كافيًا، إذ بقيت أحمل خيالًا أوسع، يسعى للوصول لشيء أكبر، كأن أصبح فنانة كبيرة".

وتضيف: "كنت أحفظ الأغاني التي أسمعها بسرعة شديدة، وأبقى أردد كلماتها، بنفس اللحن، رغم صغر سني"، وتستطرد مثنى: "لكن الفرص، التي كانت تتاح أمامي، محصورة في الإنشاد؛ لأن الفرق الإنشادية كانت طاغية آنذاك" بحسب تعبيرها، "وفي المرحلة التالية، انتقلت للغناء، حيث غنيت في مناسبات كثيرة أغانيَ متداولة ومشهورة لفنانين معروفين، ورغم قدراتي في الأداء، لكن هذا ليس كافيًا لأصبح معروفة، ما لم أنتج أغانيَ خاصة بي"، تقول مثنى.

إذا كان كل الفنانين العرب يتباهون بالوصول، فاليمني من حقه أن يتباهى أكثر منهم؛ لأنه يخوض غمار تحديات لا يعرفها غيره، لانعدام شركات الإنتاج الداعمة، وغياب دور الدولة الداعم للفن وللمواهب

لم يكن موضوع الإنتاج سهلًا أبدًا، كما تؤكد مثنى: "أردت أن أكون مُحارِبة، لا مُحارَبَة، ظللت أغني، دون توقف، وأشارك في المهرجانات منذ الاحتفال الذي أقامته فلسطين باليمن لمحمد الدرة، إلى ربيع صنعاء في ٢٠٠٨، والذي أحييته مع عدة زملاء لي، وبينهما الكثير من الفرص أتيحت لي للمشاركة".

ورغم أن ذلك، كان يمنحها الثقة في صوتها وفي قدرتها على الوقوف على المسرح، لكن هاجس الإنتاج كان هدف فاطمة: "إذا كان كل الفنانين العرب يتباهون بالوصول، فاليمني من حقه أن يتباهى أكثر منهم؛ لأنه يخوض غمار تحديات لا يعرفها غيره، لانعدام شركات الإنتاج الداعمة، وغياب دور الدولة الداعم للفن وللمواهب"، كما تقول مثنى.

الآن وبعد إنتاج وانتشار أغانيها الخاصة، تقول فاطمة إن ذلك يسعدها جدًّا، وتطمح للمزيد، مضيفة: "اليمن لديها موروث كبير، يجب على الشباب إدراك ذلك واستثمارها لصالح الأغنية اليمنية، وبما يحقق لهم الحضور والانتشار".

عن العوائق العديدة

يقود الفنان الحركة الثقافية لأي بلد، وهذا يتطلب منه تقديم فن يرتقي بالذائقة الفنية للمجتمع، وهو ما يؤكده الفنان، عمار العزكي في حديثه لـ"خيوط" قائلًا: "الاكتفاء بالمادة التي تنتج لأجل الأعراس، وفي المناسبات الاجتماعية، أثر كثيرًا على جودة الفن اليمني"، ويضيف: "هناك مشكلة أخرى يواجهها الفنان اليمني الذي يسعى للمواكبة، تتمثل في عدم وجود شركات إنتاج ترعى الفنانين، بالتزامن مع انعدام مصادر الدعم الأخرى".

ويشير العزكي -نجم عرب آيدول- إلى أن أصحاب رؤوس الأموال لا يستثمرون في مجال الفن، على عكس نظرائهم في الدول المحيطة، وهو ما انعكس سلبًا على مسيرة تطور الفن الغنائي في اليمن.

وينوه العزكي لغياب منافسة الأغنية اليمنية، رغم أن الفضاء الإلكتروني مفتوح وسهل الوصول لأكبر عدد من الجمهور في أنحاء الوطن العربي، وعلل ذلك لرداءة الإنتاج الحالي مقارنةً بما ينتجه الآخرون، وعلق العزكي: "إلى الآن لست مقتنعًا بجديد ما يقدمه الفنانون اليمنيون، وفي حال نجحت أغنية ما، فمن قبيل الصدفة لا أكثر؛ إذ لا يمكن مقارنة الإنتاج المحلي الحالي بنظيره العربي، ولا حتى باليمني القديم"، ويتابع العزكي حديثه بأمل كبير: "ولكن ستأتي اللحظة التي يتم فيها التركيز على هذا الجانب، وبالشكل الذي يستحقه الفن اليمني".

ويرى العزكي أن الأغنية اليمنية حاضرة عربيًّا بفعل أمور كثيرة وبمساهمة الفنانين اليمنيين الرواد أمثال أبو بكر، وهو ما يسعى إليه الفنانون الشباب العمل على تكثيف حضور الأغاني اليمنية.

كما يشدد هذا الفنان الشاب على أهمية استناد الجيل الجديد على الموروث الغنائي اليمني وعدم الانسلاخ عنه، إذ أن لا مستقبل بدون جذور ، ولذلك استند الفنانون اليمنيون والخليجيون الأوائل على قاعدة تراثية صلبة ومتينة: "إذا كانت أغلبية الأغاني في الخليج ترتكز على التراث اليمني، فكيف للفنانين اليمنيين الشباب القفز على هذه الحقيقة".

ويتفق غالبية اليمنيين أن البلاد زاخرة بالمواهب، وأن افتقارها لشركات إنتاج فنية أبرز ما يواجه سطوع هذه المواهب الشابة.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English