الأغنية الحضرمية كصورة للرحابة والتنوع

قدرة التراث الحي على هضم الألحان المهاجرة إليه
جمال حسن
July 28, 2020

الأغنية الحضرمية كصورة للرحابة والتنوع

قدرة التراث الحي على هضم الألحان المهاجرة إليه
جمال حسن
July 28, 2020
ت : عبدالرحمن الغابري

  لدى الغناء الحضرمي الكثير مما يقوله؛ فتنوع أشكاله اللحنية وتعدد مصادره تجعله عالماً بحد ذاته في الغناء اليمني. وإذا عدنا لموقع حضرموت في الجنوب الشرقي من اليمن في بداية طريق البخور القديم، فذلك يجعلها تطفو مثل الفرجار لهضم أكثر من ثقافة موسيقية محلية وأجنبية. وهناك تلاقحت مصادر موسيقية هندية وأفريقية ورقصات مع نسيج غنائي يمني وحضرمي قديم. 

  حافظت طقوس "الدان" على الكثير من الألحان المتناقلة شفاهياً، لكنها بدرجة أساسية حافظت على التقليد الغنائي أو الأسلوب. لكنه يجسد بطبيعته ارتباط المجتمع الحضرمي بالغناء والموسيقى حد العشق، وبصورة لم يتعارض معها النزوع المحافظ والتقاليد الدينية المترسخة. وحين يكون هناك تشدد محصور بين رجال الدين، تم الإبقاء على التراث الإنشادي الديني، ومراكز للعلم الديني، مثل الموجودة في مدينة "تريم"، التي حافظت على ممارسة هذا النشاط الإنشادي، كما حافظت على وجودها كمركز غنائي لتحتضن واحدة من أشهر الرقصات الحضرمية وهي "الزربادي" وما يصاحبها من أنماط لحنية.

  وتربط المجتمع الحضرمي علاقة وثيقة بالموسيقى، ليس فيها التناقض العام في مناطق يمنية أخرى. وإذا استثنينا مجتمع رجال الدين، يحظى المغنّون أو العاملون في الموسيقى بتشجيع ومباركة محيطهم الاجتماعي، على خلاف التشدد الشائع في كثير من المناطق اليمنية. لهذا واجه أبوبكر سالم بلفقيه وعبدالرحمن الحداد، معارضة عائلاتهما حين شقا طريق الغناء. وهذا على صلة بأن الاثنين ينتميان لعائلتين ضالعتين في المجال الديني. مع هذا، فإن تلك العائلات تتقبل ذلك مع الوقت، كأمر واقع، دون تبنّي قطيعة كاملة.

  تعبّر الأغنية الحضرمية بصورة جلية عن علاقة هوى بالمجتمع؛ فالناس في اجتماعاتهم يحبون الأنس. والاحتفال بالغناء أو الرقص المصاحب لأشكال اللقاءات المجتمعية، هو صلتهم بالموسيقى كتعبير يومي لا يقتصر على الاحتفالات الكبيرة والأعراس. 

  وتحضر العديد من الرقصات التي تعود لمصادر مختلفة، بعضها محلية وأخرى ذات جذور أفريقية أو هندية "تيمْنَنَتْ". فالثراء الإيقاعي يعود لدخول أشكال من الخارج اتخذت مع الوقت نسيجاً يمنياً. 

  عرفت ميناء الشحر مرقصاً في القرن السادس عشر الميلادي، وكان يديره أحد الهنود، والذي جلب الراقصات من أفريقيا، وهذا ما أشار له محمد عبدالقادر بامطرف، كما كانت هناك حانات ومواخير. وظل هذا الميناء على صلة بأفريقيا من خلال الرحلات المستمرة. ويتمتع المجتمع الحضرمي بروح مسالمة تتقبل الوافدين وتتيح لهم ممارسات يومية، على الرغم من وجود أشكال قبلية وعائلية تقليدية محافظة في نفس الوقت. 

  ومع أن حضرموت حافظت على الكثير من تقاليدها، فإن شغف أهلها بالغناء جعلها تتقبل الكثير من الألحان والرقصات. ولا يكتفي التأثير الهندي والأفريقي على منطقة الساحل؛ فرقصة "الزربادي" في مدينة "تريم"، هي تفاعل لرقصات محلية مع أخرى هندية. ويبدو واضحاً من خلال الإيقاع وجود جذور هندية، مع أن الموسيقى المصاحبة للرقص تميل أكثر إلى أسلوب يمني وحضرمي مع مزيج طفيف. بينما تبدو رقصة "الهبيش" بما يصاحبها من صوت مزمار، تشبه كثيراً في ألحانها ما هو شائع في اليمن.

  وحين أراد محمد جمعة خان وضع لحن بطابع حضرمي، كما في أغنية "ليلة في الطويلة" هضم الأشكال اللحنية المحلية. لقد دمج "الدان" في ما جلبه من ألحان هندية، لكنه أيضاً أضفى توابل هندية على الغناء الحضرمي. وفي تصوّر خان، كان الغناء الهندي هو الشكل الرفيع للموسيقى، لذا ففي كثير من ألحان قصائده استخدم ألحاناً هندية، كما فعل حين غنى قصيدة بشارة الخوري "أتت هند شاكية" وهو لحن على مقام العجم. وهو الفارق بالنسبة له بين الغناء الشعبي وما بدا له أكثر تطوراً.

  ويمكن تقسيم الغناء الحضرمي إلى أسلوبين رئيسيين، هما: أسلوب "الوادي" وأسلوب "الساحل". فـ"الدان" على سبيل المثال، يكون في "الوادي" أكثر تطريباً مقارنة بما هو عليه في الساحل، إذ يتخذ رتماً أسرع.  وإذا كان الأسلوب الغنائي في "الساحل" أكثر انفتاحاً على الأشكال الوافدة، فإن الغناء في "الوادي" يبدو أشبه بتلوين ذو مسافات بعيدة، مترحلة، وأكثر قرباً من الصحراء، لكنها أيضاً تميل في طبيعتها إلى الغناء اليمني والعربي.  

  ويمكن التفريق في الأسلوب الغنائي العام هناك؛ فأبوبكر سالم وعبدالرحمن الحداد، يمثلان في غنائهما روح "الوادي"، مع أنهما غنيا أشكالاً لحنية مختلفة، حضرمية ويمنية. والحداد أضفى على اللون الصنعاني سمات جميلة وقدمها بأسلوب رفيع، بينما يمكننا أن نرى الساحل في الأسلوب الغنائي لكرامة مرسال وعبدالرب إدريس. ربما يميل طابع الغناء في الوادي إلى الأصوات ذات البحّة مقارنة بما هو على الساحل، مع أن ذلك ليس مسألة حتمية.

لدى حضرموت أيضاً ما يمكنها أن تقوله، وإن شهدت انحساراً ما، ففي لحظة يمكنها أن تكون إنقاذاً لغناء يمني راكد.

  ويمكن الإشارة إلى نوع ثانوي ومختلف عن النمطين الرئيسيين للغناء الحضرمي، على صلة بالبادية. وهو في أسلوبه الغنائي أقل انفتاحاً، وملتزم بحدود لحنية ضيقة تتماشى مع روح البداوة. وهو الأسلوب الذي قدمه هود العيدروس كما في أغنية "بنت البادية". 

  وما جعل حضرموت تمتاز بهذا التنوع يرجع إلى خصوصية في جغرافيتها؛ فهي تلتقي بمرتفعاتها ورمالها مع شبوة ومأرب والجوف. وهذا الامتداد القديم الذي شكله طريق البخور حتى شمال الجزيرة العربية، يرتبط مع تلك المرافئ القادمة بالتوابل من الهند، والمبحرة نحو الموانئ البعيدة في آسيا. فمن ناحية مارس الحضارم تأثيراً ناعماً في مناطق مهاجرهم ونقلوا ثقافتهم الدينية واندمجوا بتلك المجتمعات البعيدة. 

  وعلى خلاف بعض الفروع الغنائية اليمنية التي وجدت نفسها إما مأسورة كلياً لشكل غنائي خارجي أو أكثر محافظة، كان الغناء الحضرمي يهضم تلك العناصر ويبتكر أسلوباً لمزج التوابل الهندية في موسيقاه المحلية. كما أنه مازال الغناء الأكثر تقبّلاً رغم حدوث انحسار له بعد رحيل كثير من رموز جيله الذهبي.

  ورغم وجود الأشكال اللحنية العديدة والرقصات، وكذلك الإيقاعات، يظل "الدان" الذي اعتاد الحضارم تأديته كطقس اجتماعي في جلساتهم وكأنهم يتنادمون شعراً وغناءً، هو اللون الأهم باعتباره روح الأغنية الحضرمية. أو هو ما التزم فيه الغناء الحضرمي، باعتباره أسلوباً أو طريقة، بصرف النظر عن مصدر اللحن. ومفردة "دان" هي اشتقاق  من "دندن" أو "يدندن"، ومعناها الغمغمة أو الغناء بصوت غير مفهوم. و"الدان" يحلّ في الغناء مكان اللحن، فيتم استخدام "داني دان دانة"، باعتبارها ثيمة لفظية ملحونة، يمكن أن يقابلها في المناطق المرتفعة وتحديداً في صنعاء ومحيطها، ثيمات مثل "بالي بال بالة"، أي أن "الدان" يقابله "البالة" وهما تعبيران عن غناء يكون فيه اجتماع أو سمر. 

وفي حضرموت يشكل "الدان" طقساً اجتماعياً يومياً، يحضر فيه الشعر والغناء. إنه اجتماع متبارين على الشعر يردد كل شخص بيتين ينتهيان بقافية، ويحاكيها كل شخص وزناً وقافية، وفي كل مرة يتم ارتجال الأبيات غناءً على هيئة "الدان". ويميل أسلوب "الدان" في وادي حضرموت أيضاً، لطابع الموّال، وهي سمة مشتركة مع الغناء العربي، لكنها أيضا ذات سمة تتصل بالمناجاة وبلون الصحراء، كأنها جاءت من مشارب ضاربة في التاريخ. بينما في الساحل تكون ذات طابع مبهج، كما في لحن المحضار "يا زارعين العنب"، فيتم إحالة مقام البيات إلى طابع راقص. غير أن هذا الطابع الراقص، ينم عن روح تلوينية وتستعرض بالزخارف الصوتية كما في أغاني الوادي. ولدى حضرموت أيضاً ما يمكنها أن تقوله، وإن شهدت انحساراً ما، ففي لحظة يمكنها أن تكون إنقاذاً لغناء يمني راكد.

إقـــراء المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English