غناء ممزوج بالتوشيحات الصوفية

الأغنية التعزيّة فنٌّ أصيلٌ مقصور على رواده
المعتصم الجلال
July 2, 2021

غناء ممزوج بالتوشيحات الصوفية

الأغنية التعزيّة فنٌّ أصيلٌ مقصور على رواده
المعتصم الجلال
July 2, 2021
Photo by: Albara' Mansoor- © Khuyut

وأنت تقلب ألوان الأغنية اليمنية بتشعباتها وحضورها القوي في التداول داخل الوطن ومحيطه، وبعضها اشتهر ليصل إلى أقاصي الوطن العربي، لا بدّ أن تتوقف عند الفن التعزي أو اللّون التعزي؛ ولكونه الأحدث ستجد ما يميزه، فارتباطه القوي بالهُوية الجامعة لليمن ومحاكاة الثقافة التعزية بكامل تفاصيلها، برز ليرسم العلاقة الحميمية بين المواطن وأصله، وهذا ما ترجمه النشيد الوطني لليمن الموحد، ثنائية أيوب والفضول وثالثهما جمهور ملأ الآفاق طربًا على وقعهما.

الغناء للوطن والزراعة والحب ومشقة البُعد والعيش وتفاصيل حياة الناس في أفراحهم وأحزانهم، مثلت السمة الرئيسية في توجيه أوتار الفنانين لتجسيدها؛ ولأن تشابه البيئة التعزية بمختلف جوانبها مع كثير من المحافظات ذات الكثافة السكانية العالية، صدحت الأغنية التعزية كعنوان لأشياء كثيرة يعيشها العامة.

لون غنائي خاص

يظهر مكمن جمال اللون الغنائي التعزي، بالشخصيات التي أَثْرته وجعلت منه عنوانًا للالتقاء حوله، فإذا كان الفنان الكبير أيوب طارش نواة هذا الفن منذ منتصف القرن المنصرم فهو جدير بالاستماع والاستمتاع والاحترام والاحتفاء، هكذا يقول جمهوره الممتد في أرجاء الوطن.

يتحدث الفنان عبدالغفور الشميري أنه غنّى للحب والغربة والمعاناة والفرح، غير أنه لم يلاقِ حقه في الاهتمام، ومن ثَمّ الشهرة واستمر في الغناء بإمكانيات متواضعة حتى إنه لحّن معظم أغانيه بنفسه.

خاطب اللون الغنائي التعزي مختلف الشرائح الاجتماعية بذات اللهجة والأسلوب الدارج الذي تعود عليه الناس، فهو لم يذهب بعيدًا عن واقعهم في حكاية مراسم طقوسهم المختلفة

يتابع حديثه لـ"خيوط": "لا أستطيع عمل قنوات أو مواقع خاصة لأغانيّ في مواقع التواصل الاجتماعي واليوتيوب، بسبب احتكار مؤسسة الإنتاج التي لا تسمح كما تقول بهدر الحقوق الإنتاجية، وأسعى في هذا الصدد للتفاهم لحل هذه الإشكالية القائمة".

ويرثي الشميري وهو يتحدث عن واقع الأغنية التعزية اليوم في جيل الشباب، مُرجِعًا سبب اختفاء إنتاج جديد لعدة عوامل؛ أهمها عدم تناسب الشعر مع طبيعة اللون الغنائي التعزي، والاتجاه نحو تحديث الأغاني القديمة فحسب.

مواجهة الصعوبات

لعل من أبرز عوائق الأغنية في تعز في هذه المرحلة، عدم مواصلة مشوار ما بدأه روادها، ومع ظهور فنانين جدد بات الأوفر حظًّا وحضورًا من يغني للرعيل الأول في تجديدٍ يجد قبولًا لدى البعض، لكنه يبقى مزيفًا وهو يهمل إيجاد شعراء وملحنين يواصلون مشوار أيوب ورفاقه.

يقول الفنان أحمد قاسم العديني إنه واجه عقبات كثيرة تكللت بعدم تمكنه من إكمال تصوره بشأن التراث الزراعي قبل سنوات كثيرة، وكان الوسط يتحدث عن هذا بشغف، لكن البنية الأساسية لم تكن تؤهل لخروج هذا التوجه للنور.

يستطرد الفنان العديني حديثه لـ"خيوط": "المشكلة الكبرى أن البعض يحاول تمييع الأغنية التعزية من خلال فرق الأعراس التي تنشأ هذه الأيام وتعز غنية بالأدب والفن وفيها عمالقة، لكن مع الأسف اقتصرت على محدودين؛ عبدالله عبدالوهاب نعمان في الصدارة وهو قدوة، الندرة هذه سببها القصور في تنمية الأفكار والوعي الفني وعدم تشجيع المواهب، إضافة إلى الحالة الاقتصادية السيئة التي تعيشها البلاد، وهو ما فتح الباب أمام هذه الغوغاء في تشويه الفن التعزي واليمني برمته.

تأثير اللّهجة العامية

خاطب اللون الغنائي التعزي مختلف الشرائح الاجتماعية بذات اللهجة والأسلوب الدارج الذي تعود عليه الناس، فهو لم يذهب بعيدًا عن واقعهم في حكاية مراسم طقوسهم المختلفة، فتجد الزفة لأيوب طارش ومنى علي وعبدالباسط عبسي وعبدالغفور الشميري، شرحت إلى حدٍّ كبير ما تتبعه الأُسر في تعز من ترتيبات وفرح في حالة الأعراس مع تشابه ضئيل في الطقوس في بقية المناطق حتى تلك التي تقرب لهجتها من تعز.

يقول الفنان والموسيقي فؤاد الشرجبي، مدير البيت اليمني للموسيقى إن المستمع الجيد ينظر إلى اللحن الجميل والتركيب الفني المتكامل للأغنية حتى ينجذب إليها ولا تهمه اللهجة، بدأت الأغاني في تعز بالتوشيحات الصوفية وأغاني الزراعة وهي لم تكن تتقيد باللهجة، لكنها ارتبطت بتعز، إضافة إلى أن أشعار الفضول جمعت بين الفصيح والمحلي.

يتابع الشرجبي حديثه لـ"خيوط": "أضافت اللهجة لمسة جميلة للأغنية التعزية وجعلت الكل يستمع لها دون اعتراض عن الكلمات، فهي متقاربة جدًّا مع مجمل ما يتحدث به اليمنيون، لكن بالطبع أن الاختلاف موجود مع غناء حضرموت وصنعاء".

ويشير إلى اتجاه فنانين جدد بإدخال اللهجة التعزية على أغانٍ من اللون الصنعاني مؤخرًا، وكيف أنها حققت نجاحًا لافتًا، بغض النظر عن التغيير الحاصل فيها.

تنامي التحريض

يغيب دور الموسيقى والمعاهد الفنية في اكتشاف مواهب في الشعر والغناء والتلحين، وفي ظل واقع يحضر فيه خطاب يسعى لعرقلة كل ما له صلة بالفن، يصر كثيرون على مواجهة هذا الطارئ والتأكيد على أحقية تعز بالفن والجمال من خلال العديد من الفعاليات التي تُضم في هذا الشأن رغم المخاطر المتوقعة.

الشاعر الغنائي حسن الأغواني يرى أن مواجهة هذه الظاهرة تكمن في التوحد خلف الأفكار، والتصدي لها يجب أن يكون جماعيًّا، وهنا سيصعب التعرض لرأي عام متمسك بهويته وفنّه الأصيل.

ويواصل الأغواني حديثه لـ"خيوط" عن جزئية مرافقة الرقصة للأغنية، حيث تشخَّص في تعز بالرقصة الزبيرية المشهورة وذكر نماذج بالوقت الحالي تمضي على نهج سليم في الحفاظ على اللون التعزي، مرجعًا سبب العودة لإحياء هذا الفن لنشاطات مكتب الثقافة.

مكانة فنية بارزة تحتلها الأغنية التعزية بين مختلف الألوان الغنائية اليمنية، جعلتها محط اعجاب الناس بالرغم من اقتصارها على عدد محدود من الفنانين وغياب الأدوات المناسبة في الوقت الحالي للنهوض بها وتوسيع دائرة جمهورها داخل البلاد وخارجها.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English