أحمد قاسم.. أغنيةٌ تثير التساؤل والحَيْرة

جمال حسن
April 11, 2020

أحمد قاسم.. أغنيةٌ تثير التساؤل والحَيْرة

جمال حسن
April 11, 2020
|

   منذ البداية، كان هاجسُ الفنان أحمد بن أحمد قاسم تقديمَ شكله الغنائي وفق نموذجٍ متطورٍ وراقٍ مثّلتْه الأغنيةُ المصرية. لكنّ الأثرَ المصري على معظم ألحانه، وتطلُّعَه نحو تجديد الأغنية اليمنية، تركاه مُداناً في نظر كثيرين؛ باعتبار أنه انسلخ عن هويته الغنائية؛ حدّ أن البعض رأى منه مقلداً أكثرَ من كونه مجدداً. غير أنه أكثرُ فنانٍ يمنيٍّ مازال يثير بأسلوبه جدلاً، حتى مع مرور 27 عاماً على رحيله، والذي تُصادف ذكراه اليوم.

   لعلّ هذا الجدلَ الذي تركه أحمد قاسم يثير لنا التساؤل حول حدود الانفتاح على عناصرَ لحنيةٍ خارجيةٍ، وكيف يمكن توطينُها ضمن النسيج الخاص بالثقافة المحلية. لكن، هل يقتصر التراثُ أو المضمونُ الثقافي على قاعدةٍ ثابتةٍ مملوكةٍ لمجتمع؟ أم أنه تراثٌ إنسانيّ؟

   لطالما تعرّض فنانون لاتهاماتٍ مماثلةٍ في بلدانهم، باعتبارهم ليسوا قوميين، أو محليين. في روسيا، كان تشايكوفسكي يُتهم بأنه غيرُ روسي، لأنه اتّكأ في موسيقاه على فضاءٍ أوروبيٍّ أوسعَ، ولم يتقوقعْ في العنصر القومي.

   وأحمد قاسم تطلّع، في أغنيته، إلى فضاءٍ عربيّ. وليس معنى ذلك أنه -كما حاول البعض وصمه- ضَعْفُ الهوية، واتخاذُ شكلٍ عامٍّ لأغانيه بتأثيراتٍ مصرية.

   وبعيداً عن تلك الصورة النمطية لاعتبارات الهوية، ما يهمُّنا هو قراءته ضمن سياقه الفني؛ فلدى أحمد قاسم شخصيةٌ شديدةُ الوضوح. أي أنه، في كل ألحانه، كان يُعزز طابعاً واضحَ السماتِ والمعالمِ لهويته الفنية، ولم تكن شيئاً آخرَ غيرَ أحمد قاسم.

   وعندما ذهب إلى مصر، كان تشكُّلُه في الندوة الموسيقية العدنية ضمن الاتجاه المتأثر بالغناء المصري، والذي مَثّله خليل محمد خليل ويحيى مكي وآخرون. هذا الأخير كان شغوفاً بالأغنية المصرية، وربما الغربية، وكان عازفاً على "الكلارنيت" في الفرقة العسكرية السلطانية، ويَعْزِف على عدة آلاتٍ، بما فيها "البيانو". لكنه كان أيضاً على معرفةٍ بالتوزيع الهارموني.

   وفي الخمسينيات، كان الشاب أحمد قاسم في الجانب المتمدّن من عدن، وفي فترةٍ ظل البرُّ "الجوّانّيُّ" لليمن معادياً لمدنِيَّتِها. وهذا لا يعني أنها تركتْ لديه أثراً سياسياً، إذ كرس ذاته كلياً في الغناء والموسيقى؛ غير أن ذلك ترك لديه بعضَ الملامحِ المدنية التي ظلت تعاني من كل ما كان ريفاً. وحين انْحازَ، في بعض ألحانه، نحو الغناء اليمني، كان يبحث عن العنصر الجمالي الملائم لوجهة نظره؛ أي أن أحمد قاسم كان حالماً وذاتياً في ألحانه، ومنحازاً لذائقته الجمالية.

قدّم أحمد قاسم فيلماً سينمائياً في مصر، وشارك في بطولته وإنتاجه على حدٍّ سواء. وكانت السينما غايتَهُ لتحقيق النجاح في عاصمة الفن العربي. لكن فيلم "حبي في القاهرة" فَشِلَ فنياً وجماهيرياً، وبطريقةٍ حَدّتْ من طموحه لتقديم تجربةٍ ثانية. على أن ذلك لم يؤثِّرْ على طموحه الموسيقي واختياراته الفنية. كما أنه، حين استعاد العناصرَ المحليةَ بصورةٍ أكثر وضوحاً في بعض ألحانه، لم يكن غرضُهُ الرئيسيُّ التصدي للانتقادات التي طالتْ هويَّتَه الموسيقية. واللافت أنه، في تجربته السينمائية الوحيدة، لم يُغَنِّ باللهجة المصرية، بل بلهجةٍ عدنيةٍ؛ وهو تأكيدٌ على تمسكه بهويته، بينما الموسيقى هي لغةٌ أوسعُ في تعبيرها. وأحمد قاسم انحاز لذائقته الجمالية بدرجةٍ أساسية. والأكيد أن أغاني أحمد قاسم أصبحت أحد ملامح الغناء العدني بصورةٍ خاصةٍ، واليمني بصورةٍ عامة؛ لكن يمكن قراءتُها ضمن سياقِ نشأته في مستعمرةِ عدن الإنجليزية، والأثر الكوزمبوليتاني الذي صاغها.

   لاحقاً، سيَرُدّ على منتقديه بأنه أيضاً استخدم إيقاع "الشَّرْح" في أغنية "يا عيباه"؛ أي أنه كان يعتدُّ بهويته. فأغنية "يا عيباه" من مقام الراست، جسّدت الجانب الذي لم يمَسَّهُ منتقدوه؛ أي موهبته وقدرته العالية في سباكة اللحن. كما أن صياغته لجملةٍ موسيقيةٍ من مقام الراست، بصورةٍ رفيعةٍ، عبرت عن تأثره بالملحن الكبير رياض السنباطي، في صياغةِ جملٍ موسيقيةٍ صارمةِ البناء ورفيعة. كان هناك لمحةٌ تطريبيةٌ كلثومية، ثم بصورةٍ مفاجئةٍ يبدأ الغناء من مقام النهاوند، بجملةٍ غنائيةٍ لطالما ظلت إحدى سماته اللحنية حتى آخر أيامه. ثم يعود لمقام الراست؛ لكن التصعيد اللحني ينتقل تدريجياً من النسيج المصري إلى نسيجٍ يمنيٍّ، تبلغ ذروته في القفلة الغنائية "يا عيباه".

   في تلك الفترة، وضع أحمد قاسم قَدَمَه، بكل معنى الكلمة، في المشهد الغنائي العربي لمرحلة الستينيات. لكن الغناء في مصر أيضاً كان في مرحلةِ تحولٍ ستشهده نهاية الستينيات؛ بينما ظل أحمد قاسم منحازاً لأشكالٍ كلاسيكيةٍ، بطابعها الرومانتيكي، المتطرف بالنزعة الغنائية. فكان أيضاً ارتباطُه بالنسيج اللحني المصري على صلةٍ بالسمة اللحنية التي انحاز إليها. وهذا مرتبطٌ بتجاور الدرجات النغمية في ذلك النسيج؛ بينما يميل النسيج الموسيقي اليمني إلى وجود القفزات النغمية، أي الانتقال من نغمةٍ إلى أخرى في درجتين نغَمِيّتَيْن، إضافة إلى وجود "الرابعات"، وهي مسافة أربع درجاتٍ بين نغمتيْن. وهذا طابعٌ موجودٌ في الموسيقى الغربية، لكنه أيضاً يحدُّ من السمة اللحنية للموسيقى أو الغناء. وربما كان في تصور أحمد قاسم أنه تطورٌ موسيقيٌّ، بما أنه ذو طابعٍ مصريٍّ؛ بينما في الحقيقة شكّلَ ملمحاً تجديدياً في بعض الصيغ اللحنية في مصر، بما أنه قادمٌ من الغرب.

   وساهم أحمد قاسم في إدخال ملامحَ جديدةٍ على الأغنية اليمنية، مثل السلم الكروماتيكي؛ مع أنه لم يكن أولَ ملحِّنٍ يمنيٍّ يُدخله في النسيج الغنائي اليمني. وقدم ألحاناً جديدةً غنيةً بتنويعاتها، واتسمت بتنقلاتٍ مقاميةٍ رشيقةٍ ولا تختلف عن الأسلوب الذي برَعَ به كبارُ الملحنين العرب، إضافةً إلى وضعه صِيَغاً لحنيةً شديدةَ الجمال، كما يمكن ملاحظته في أغنية "أنا والعذاب دايماً حبايب"، وهي من مقام النهاوند، وحاول من خلالها مجاراةَ روائعَ لعبد الوهاب وفريد، لكن بطابعه الخاص.

   ولفت انتباهي صديقي بلال أحمد، أن أحمد قاسم استخدم عناصرَ محليةً تميل أكثر إلى ريف الحُجَريّة في تعز؛ بينما الآخرون في عدن نقَّبوا عنها في لحج وأبين. وهذا النسيج يتّضح في أغنية "من العدين"، من مقام البيات. على أن هذا الجانب التعبيري عن العنصر المحلي والآخر على صلةٍ بالنسيج المقامي؛ فهو سيستخدم البيات أو المقامات الشائع استخدامُها في اليمن، لكنه سيوظف النهاوند في سمةٍ غيرِ محليةٍ بالمرة. وهذا الأمر يتطابق مع الوظائف الإيقاعية.

   في أغنيته "قمري تغنى"، يستعير تهيئةً أو دولاباً مصرياً، من مقام النهاوند، ويغني المطلع على نفس المقام وبطابعٍ مصري، ثم سرعان ما ينتقل إلى البيات ومقياسٍ إيقاعيٍّ شائعٍ في الغناء اليمني؛ وهو ما أشار إليه الفنان والناقد الموسيقي جابر علي أحمد.

   ربما وضع أحمد قاسم عدداً من التساؤلات المتعلقة بتجديد الأغنية اليمنية، عبر كثيرٍ من توجهاته اللحنية. وربما ينفتح الأمر على أزمة التجديد في توجهاتٍ عربيةٍ، كما سنجدها عند عبد الوهاب؛ مع أن أحمد قاسم ظل مخلصاً لألحانٍ نابعة من أعماقه، ولم يتعدَّ على ألحانِ غيرِهِ بصورةٍ مباشرة، لكن الأسئلة التي طرحها في مسيرته جسدت حسَّه المغامرَ وأيضاً التزامَهُ الحرفيَّ ببعض التعاليم، والصورة التي انعكست فيه كمتأثرٍ وأستاذٍ في اليمن.

   لكن أحمد قاسم أيضاً سيتخذ شكلاً مغايراً في أغنية "صدفة التقينا"؛ مزيجاً من النسيج اليمني والعربي، لكنه أقل تعلقاً بمصر. إذ إنه حدد طرقاً جماليةً في وعيه وتشبث بها، وسماتٍ تعبيريةً خاصةً جعلته يوظف العنصر اليمني المحلي، أو العنصر العربي.

   وفي مغامرته الفنية، مازالت ألحانه تثير التساؤل، بينما تترك أثراً من شخصيةٍ غيرِ واقعية، حالمةٍ بالموسيقى.

________________________________

اللوحة ل: لبيب توفيق

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English