العودة إلى عصور الظلام

هل خسر اليمن معركته ضد التجهيل؟

 لطالما وُصم اليمن، على مدى تاريخه الحديث، بالتخلف، إلا أن قليلين من الرحّالة والمستشرقين، والمتخصصين الخارجيين بثقافة وتاريخ هذا البلد، أتيحت لهم الفرصة لرؤية النضال الاجتماعي المستمر والطويل لأبنائه، من أجل الانعتاق من نير الظلام. وإلى ذلك، لا تزال ذاكرة اليمنيين تحتفظ بمرويات شفاهية متناقلة عبر الأجيال، إضافة لما دوّنه كتّاب العصور القديمة من اليمنيين الذين نجحوا في انتزاع حقهم بالتعلّم والتأليف والتأريخ، خاصة أولئك الذين انحازوا للتنوير والتحديث.

  لكن، بعد كل التضحيات والمحاولات الشاقة، لابد من قول الحقيقة المُرّة، التي لا يجب تجاهلها، بعد كل هذه الارتكاسات، وهي في كون (سلوك التجهيل) الممارس على اليمنيين، يأخذ في كل دورة نزاع طابعاً رسمياً، أو لنقُل، منظماً ومقصوداً، للاستثمار الأناني والنرجسي، في حاجة الناس المعيشية، وضعف وعيهم تجاه قيم الحرية والعدالة.

  يمكن رؤية، كيف أتت آلة الحرب، التي تطحن البلد منذ أكثر من ست سنوات، على قطاع التعليم، حتى لا يبقى لدى المرء أدنى شك، في كون (المواطن) "المتخلف" و"الجاهل"، ومن ثم "التابع"، هو المرام الأخير، لصناعة وتشكيل بلد الحاكم الأوحد والمطلق، وسيادة قانون الغاب الأحادي النظرة والسلوك. ثم هل تركت الأطراف المتنازعة فرصة، لقول شيء أقل من ذلك، وقد تغوّلت في حياة الناس، ورأت في محاولتهم الدخول إلى بوابة القرن الواحد والعشرين مسلحين بالعلم، خطراً عليها وعلى مصالحها؟

  يبقى على الإعلام ومنصات الرأي المستقل، مسؤولية مضاعفة، في وضع مستقبل الأجيال اليمنية الحالية والقادمة ضمن أولويات عملها، للحيلولة دون مزيد من الإهدار والدمار والتخريب الممنهج للعملية التعليمية، سواء بدراسة الظواهر، أكانت إيجابية أو سلبية، وتحليلها، وتسليط مزيد من الضوء على سلوك الأطراف المقوّضة لتعليم اليمنيين وحقهم في مستقبل أفضل، وكشف هذا السلوك. 

  لا مكان في يمن اليوم -على ما في إرادة الفساد والمفسدين من قوة- لكل الذين يعتقدون بأنهم سيحتالون على العصر، ويلوون عنقه باتجاه العصور القروسطية، ولا مكان إلا للمواطن العصري الذي لا يزال يشكّل الحلقة المفقودة في لحاق هذه البقعة النائية من الأرض، بالقرن الواحد والعشرين؛ عصر السيلكون والتطلع لغزو الفضاء.

 هنا، تساهم منصة "خيوط" بهذا الملف بالتزامن مع احتفاء دول العالم باليوم العالمي للتعليم؛ 24 يناير/ كانون الثاني، لتقديم مادة متنوعة بين العرض التاريخي والتحليل المنهجي لمسيرة التعليم في اليمن، والتقرير الصحفي الذي يعرض جانباً من الواقع الراهن للتعليم، بما في ذلك حالة الجيل الذي يُفترض أن يتلقى الآن تعليماً جيداً، بناءً على التراكم المفترض أيضاً، للخبرة والممارسة في التعليم الحديث على مدى أكثر من نصف قرن. 

  أحد أهداف هذا الملف، هو التذكير بأن هناك جيل كامل من اليمنيين، قد يكون في حكم الضائع والمحبط والمُدمّر، وأن مساندتهم ومساندة العملية التعليمية برمتها، يصب في مساعي إحلال السلام، وتثبيط السلوك التخريبي، سواء كان رسمياً أو غير ذلك. لطالما كان الجميع يعرف أن مغادرة اليمن لعصور الاحتراب والظلام، ترتبط بصورة أساسية، وبلا فكاك، بمغادرة حالة الجهل ونصف العلم الذي طالما اعتبره حكماء الأمم "أخطر من الجهل".

  وفي الجانب الأهم، يتوجب الالتفات إلى ما أنتجته مسيرة التعليم، على ضعف وتيرتها، على الأقل منذ ما بعد ثورتي 26 سبتمبر 1962، و14 أكتوبر 1963، من كفاءات علمية في جميع المجالات كان للاهتمام والمثابرة الشخصية على التعلّم، الدور الأول في تميزها والحفاظ على ما أمكن الحفاظ عليه من مكتسبات تعليمية وثقافية للبلاد عموماً.

* صورة الملف ل: شهدي الصوفي

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English