سقوط حرّ على السيراميك

قصة مدرّس في زمن الحرب
لطف الصراري
January 27, 2021

سقوط حرّ على السيراميك

قصة مدرّس في زمن الحرب
لطف الصراري
January 27, 2021

عند عتبة محل مجوهرات حديث الافتتاح، وقف رجل بوجه ثلاثيني بينما يوحي شعر رأسه الأبيض بالكامل، بأن كهلًا مستوي القامة أدار ظهره للتو، ودخل المحل. لم ينتبه أحد منذ متى جلس على الدرجة الثانية من ثلاث درج أمام الباب مغطاة ببلاط مستطيل من السيراميك الصقيل. فتح الباب الزجاجي ومشى باتجاه البائع. تباطأت خطواته بصورة متناسبة مع تردده في الوصول إلى البائع، لكن البلاط كان أيضًا يقتضي من كل الزبائن المشي عليه بحذر. في يده كيس ملون بورود حمراء وتهنئة لمناسبة غير محددة؛ فقط "ألف مبروك" وبالكاد تُقرأ. أما البائع فكان منشغلًا مع أربعة زبائن، فلم يعر اهتمامًا لتحية الكهل الثلاثيني التي ألقاها بصوت مبحوح وابتسامة مجهدة. لم تحظَ تحيته وابتسامته بالرد سوى من زبون واحد، لكن الكهل واصل ابتسامته وخطواته على الأرضية الزلقة، بحذر وتردد متناقصين، حتى ألقى بذراعيه على واجهة العرض الزجاجية الفاصلة بين البائع وزبائنه.

"لو سمحت..." قال الرجل الثلاثيني الأشيب. رفع البائع عينيه ونظر نحوه من فوق نظارته الصغيرة، قاطعًا حديثه مع الزبون الأخير. "أنا مدرّس في مدرسة النهضة، هذي القريبة منكم..." قال الرجل وأخرج من الجيب الخلفي لبنطاله الجينز محفظة سوداء، ثم شرع في إخراج بطاقة التدريس وبطاقة شخصية ودفتر توفير بريدي متغضن. "أيوه.. أيش المطلوب؟" رد عليه البائع بنبرة تجارية من النوع الذي درج على استخدامها ذوو الخبرة الطويلة بالأسواق. نزل عليه سؤال البائع كصفعة على وجهه المتعرق. "أنا مدرس في مدرسة النهضة..." كرر عبارته الاستهلالية التي لا بد أنه اختارها بعد مفاضلة مضنية لتكون بداية مناسبة لإقناع المجوهراتي بصدق حديثه. كان تكرارًا تلقائيًّا كحركة يده اليمنى التي حك بها مقدمة رأسه، لكنه قطع تكراره ليجيب عن سؤال الصفعة: "المطلوب يا سيدي إذا تكرمت تقبل رهن هذي البطائق عندك مقابل ثلاثة ألف ريال. أرجوك".

عندما نظر البائع إلى الأوراق الثبوتية الملقاة على سطح واجهة العرض المحاذية لبطنه، عاودت المدرس نوبة أخرى من تكرار عبارته الاستهلالية لكن بصوت أعلى؛ "أنا مدرّس في مدرسة النهضة اللي جنبكم... أحتاج ثلاثة ألف ريال، وهذي بطائقي ودفتر التوفير اللي نستلم فيه الراتب...". كان يريد الاستمرار في الكلام لتبديد صمت الارتياب والحيرة الذي داهم المكان، لكن كلمة "الراتب" ألجمته؛ فهو لن يجد إجابة محددة في حال سأله البائع عن موعد استلام راتبه. غير أن البائع ذا الشعر المصبوغ بالحناء، لم يوجّه إليه سؤالًا آخر؛ فتح درج النقود وأخرج خمسَ مئةِ ريال ليناوله إياها، فيما عيناه مثبتتان على الأوراق المنثورة فوق واجهة العرض. كانت عينا المدرّس هناك أيضًا، لكنهما تراقبان حركة البائع، بهامش النظر. تمكن من رؤية اليد ذات الأصابع المدببة وهي تضع ورقة النقود الزرقاء جوار الأوراق الثبوتية. "العفو منك يا أستاذ. خذ هذي وربنا بيسهل" قال البائع تاركًا لسانه تنفث نثار بردقان بُنّي علق فوق أسنانه. 

بين آخر نفثة بردقان من لسان البائع وبين ردّة فعل المدرس، ثوانٍ قليلة نظر خلالها الأخير نحو محفظته وبطائقه قبل أن يلملمها بيدين مرتعشتين. ثوانٍ قليلة ظل خلالها واقفًا كما لو أنه تمثال مغروس في الأرض. صمت الارتياب الذي كان يلفح كرامته أثناء التكرار اللاإرادي لعبارته الاستهلالية، تحوّل إلى بركة من الشفقة تسلقه من رأسه حتى قدميه. حين استمر صمت الزبائن الأربعة، ظنّ بأن عيونهم هي التي تثير فيه ذلك الإحساس بالعري وتسلّخ الجلد. لم يكن بوسعه أن يرى نظراتهم الموزعة بين أقدامهم وبين الشارع، حيث تبدو السيارات والشاحنات الصاخبة بالنسبة لهم كصورة متحركة في شاشة مكتومة الصوت. 

رغم الانتعاش السريع لهذا السوق الريفي بسبب تدفق النازحين من الحرب، إلا أن اللاطمأنينة والندرة المزمنة للنقود والطعام في أيدي الناس، حقنت ذلك الانتعاش بفاقة مريرة وصاخبة. بالنسبة لأولئك الزبائن الأربعة الذين داهمهم وجوم مفاجئ، كان صخب الشارع يتكاثف داخل تلك المساحة الصغيرة المغطاة بالسيراميك الذي تنزلق فوقه هيبة العلم. لكن وجومهم لم يكن لأجل هيبة العلم وحدها. كانوا رجالًا بسطاء بملامح جبلية متقاربة الشبه، ويجلسون متجاورين على مقعد خشبي مستطيل بمحاذاة الجدار. على إثر الوقفة المتصنمة للمدرّس، رفعوا أعينهم من الأرض، وتبادلوا نظرات مترددة وخائفة من اجتياز المسافة الفاصلة بينهم وبينه. بدا واضحًا من نظراتهم وهمسهم أنهم يريدون إنقاذ كرامته من السقوط الكامل، لكنهم لم يجرؤوا على النظر إلى وجهه. لم يكن سهلًا عليهم أن يشاهدوا بالعين المجردة، كيف تتسرب كرامة الجائع من عينيه وفمه، وكيف ترتعش يداه وهو يرفض قبول المساعدة كما يفعل متسول صفعه محسنٌ لئيم. خوفهم كان نابعًا من كونهم لم يعودوا محصنين من مهانة مماثلة؛ فقد باعوا للتو مدخراتهم وزينة نسائهم، وسوف يغادرون باتجاه محلات المواد الغذائية والصيدليات ومعارض الألواح الشمسية. غير أنهم ما زالوا ينتظرون مغادرة المدرّس ليفعلوا شيئًا يمنحهم بعض الطمأنينة بعيدًا عن أنظار البائع الحاذق.

لم يطُل وقوف المدرّس بلا حراك أكثر من خمس ثوانٍ؛ ثم هزّ رأسه يمينًا وشمالًا، وبحركة سريعة، لمْلَم رهنه غير الموثوق بدون أن يلمس ورقة النقود الزرقاء. "العفو منك أنت يا معلّم. بس أنا مش شحات. أقسم بالله إني مدرّس في...". بدا كما لو أنه أمسك لسانه من الاسترسال في نوبة التكرار ذاتها، لكنه في الواقع، كان يمسك نفسه عن كشف سبب عرض أوراقه الثبوتية للرهن. السبب الذي لن يعرفه سوى الزبائن الأربعة، الذين كان اثنان منهم قد تحركا نحو الباب قبل أن يستدير لمغادرة المكان. أثناء استدارته المحقونة بالخجل والمهانة، نسي أن عليه الحذر من الأرضية الزلقة، وما كاد يخطو خطوته الثانية حتى انزلقت قدمه على السيراميك وسقط؛ انزلاقة سريعة لم تمهله لكي يحاول استعادة توازنه، كما لم تُمكّن الزبونين الواقفين خلفه من الإمساك به قبل أن يسقط. وحين أفاق بعد ساعة في المستوصف الذي أسعفه إليه الجبليون الأربعة عند طرف السوق، انتفض من فوق السرير الحديدي غير عابئ برأسه النازف. دخل في نوبة تكرار جديدة لعبارة التعريف بنفسه: "أنا مدرس فيزياء في مدرسة النهضة اللي جنبكم، من أمس أقسم بالله ما أكلت حاجة، وعيالي منتظرين... خذوا بطائقي رهن بثلاثة ألف ريال لما أستلم الراتب. معاد فيش معي غير البطائق". كان أنفه يصغر إلى درجة اللامبالاة بكل شيء عدا وجبة الغداء التي تنتظرها زوجته وأطفاله، لكن رأسه الملفوف بشرائط الشاش الأبيض، ظل يكبر ويرتفع عن كتفيه حتى استوى واقفاً، ثم توقفت الكلمات عن القفز إلى لسانه.


•••
لطف الصراري

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English