الحرب تخطف طلاب اليمن من المدارس

العام الدراسي الجديد بين مأساة الصراع وغصة كورونا
طلال محمد
October 4, 2020

الحرب تخطف طلاب اليمن من المدارس

العام الدراسي الجديد بين مأساة الصراع وغصة كورونا
طلال محمد
October 4, 2020
ت: علي السنيدار

يحل العام الدراسي الجديد ليشكل عبئًا ثقيلًا على اليمنيين الذين يرزحون تحت نيران الحرب التي دخلت عامها السادس في ظل تفشي جائحة كورونا وتبعاتها المعيشية المتعددة وانقطاع المرتبات وتوقف غالبية الأعمال.

وأثرت الحرب الدائرة في اليمن بصورة كبيرة على قطاع التعليم، في مختلف مراحله، حيث أدّت إلى تسرب آلاف التلاميذ من المدارس التي كانت هدفًا مباشرًا للمواجهات المسلحة، ليصبح العام الحالي هو الأسوأ ربما في تاريخ التعليم في البلاد، بالنظر إلى حجم الخسائر التي مُنِي بها.

خلال سنوات الحرب تعرض قطاع التعليم في اليمن لأضرار بالغة، طالت بنيته التحتية الضعيفة أصلًا، حيث يواجه قرابة 200 ألف مُعلّم صعوبات جمّة بعد توقف رواتبهم منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2016.

ويأتي هذا العام الدراسي، في ظل تدهور أكبر للأوضاع المعيشية، جراء الانهيار المتواصل للعملة المحلية، إذ تجاوز سعر الدولار الأمريكي نحو 840 ريال يمني في مناطق الحكومة المعترف بها، و600 ريال في مناطق سيطرة أنصار الله (الحوثيين).

واقع مرير يعيشه اليمنيون مع عودة الدراسة للموسم الجديد 2020/ 2021، الذي يؤثر على كثير من الأسر وتعثرها في إلحاق أولادها بالمدارس الحكومية؛ وبات من الصعب على معظم الأسر توفير متطلبات أبنائها المدرسية في ظل الانهيار الاقتصادي التي تشهدها البلاد.

رغم الوضع المعيشي الذي يعاني منه اليمنيون، إلا أن المعلمين هم الشريحة الأكثر تضرّرًا إثر توقف الرواتب منذ قرابة خمس سنوات

صالح الرشيدي (42 سنة)، عامل بالأجر اليومي في محافظة إب وسط اليمن، يشكو من صعوبة إلحاق أولاده الأربعة في المدرسة هذا العام، مع تدهور الوضع المعيشي وعدم قدرته على توفير متطلبات أسرته من نفقات.

يقول الرشيدي لـ"خيوط"، إن المدرسة طلبت منه مبلغ أربعة آلاف ريال لكل طالب كرسوم تسجيل إلى جانب مبلغ ألف ريال، تدفع شهريًّا لإدارة المدرسة، تصرف كرواتب للمعلمين، بينما يحتاج الأولاد إلى مصاريف يومية، وكل ذلك يثقل كاهله، إذ "لا أعمال متوفرة ولا دخل لدينا"، مشيرًا إلى أنه يعجز عن توفير نفقة البيت الضرورية.

معلمون بلا رواتب

كما هو حال الآباء، فالمعلمون أيضًا يعانون من وضع معيشي سيّئ جراء توقف رواتبهم منذ قرابة خمسة أعوام؛ بسبب الحرب، فقد كانت فئة المعلمين هم الشريحة الأكثر تضررًا في القطاع العام إثر توقف الرواتب.

عبده البعداني (53 سنة)، أحد المُعلّمين في مدرسة الشعب في محافظة إب يتحدث لـ"خيوط"، عن قيام إدارة المدرسة في الأشهر الدراسية حسب ما جرى خلال العام الدراسي الماضي، بمنحهم راتب 30 ألف ريال عن كل شهر بما يعادل (40 دولارًا)، تجمعها إدارة المدرسة من الطلاب بشكل غير منتظم. 

ويسرد البعداني، الذي يعول أسرة مكونة من خمسة أولاد ويسكن شقة يصل إيجارها إلى 35 ألف ريال، وضعَه المعيشي موضّحًا أن راتبه التي تمنحه إدارة المدرسة لا يكاد يغطي جزءًا يسيرًا من نفقات أسرته الضرورية، لافتًا إلى أن غالبية الأيام لا يجد قوت يومه ويبات هو وأولاده يتضورون جوعًا.

لتغطية نفقات معيشته الباهظة، يعمل هذا المعلم حاليًّا على دراجة نارية لإعالة أسرته، في انتظار بدء العام الدراسي الجديد 2020 – 2021، الذي سيكون أشد مرارة من الأعوام السابقة، لأسباب مرحّلة من عام لآخر، منها توقف رواتب الموظفين المدنيين، ومن ضمنهم المعلمين والعاملين في القطاع التعليمي والتربوي منذ سبتمبر/ أيلول 2016، مضافٌ إليها هذا العام تبعاتُ تفشي فيروس كورونا، وانقطاع المساعدات الإغاثية جراء خفض الوكالات الأممية مساعداتها على اليمن منذ عدة أشهر.

رغم الوضع المعيشي السيئ الذي يعاني منه اليمنيين ككل، إلا أن المعلمين هم الشريحة الأكثر تضررًا في القطاع العام إثر توقف الرواتب منذ قرابة خمس سنوات، ما حدا بغالبية المعلمين إلى العزوف عن التعليم والذهاب للبحث عن أعمال أخرى شاقة لسد رمق جوعهم.

تسرب الطلاب من المدارس

بعد ما فقد كثير من اليمنيين رواتبهم وأعمالهم بسبب الحرب، باتت عملية توفير مستلزمات التعليم من رسوم مدرسية وزي مدرسي وكتب وغيرها مسألةً صعبة تتسبب في حرمان أولادهم من التعليم، وبالتالي التسبب في ارتفاع نسب التسرب من التعليم الذي تعاني منه اليمن منذ بداية الحرب الراهنة.

الطالبة ندى العرشاني (13 سنة)، تشكو بدورها من وضع أسرتها المعيشي وتقول لـ"خيوط" إن أسرهم تعطي الأولوية لتوفير متطلبات الحياة المعيشية على توفير احتياجات ومتطلبات المدرسة.

وتشهد أسعار المستلزمات المدرسية والمواد القرطاسية ومختلف متطلبات التعليم المدرسي ارتفاعات متواصلة ووصولها إلى مستويات تفوق قدرات كثير من المواطنين، إضافة إلى رسوم التسجيل، التي هي الأخرى تشكل عبئًا ثقيلًا على مختلف الأسر اليمنية في ظل الأوضاع الراهنة.

أطفال اليمن، الذين يقدر عددهم بالملايين، كانوا أكثر الفئات تضررًا في المجتمع، بعد أن تسببت الحرب الدائرة في حرمان كثير منهم، من أبسط حقوقهم في التعليم، إضافة إلى تبعات التدهور الاقتصادي وانهيار العملة الوطنية وتأثيراتها في تفاقم معاناة اليمنيين، وجعلت من الصعب جدًّا تمكن الأطفال من الحصول على فرصة للالتحاق بالمدرسة.

وحسب تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف"، فإن نحو 8 ملايين طفل في اليمن خارج المدارس حاليًّا، بسبب الحرب وجائحة الوباء العالمي كورونا.

وحذرت المنظمة - في مقطع فيديو بثته على حساب مكتبها في اليمن بـ "تويتر" - من مخاطر تسربهم من التعليم بسبب التأخر في عودتهم إلى مدارسهم بسبب جائحة كوفيد 19. وقالت إنه قبل وصول جائحة كوفيد 19 إلى اليمن كان هناك أكثر من مليوني طفل خارج المدارس، وبسبب كوفيد 19، توقف 5.8 ملايين طفل عن التعليم نتيجة لإغلاق المدارس في أنحاء البلاد. ووفقًا للمنظمة كلما طالت فترة غياب الأطفال عن مدارسهم زادت المخاطر التي يواجهونها، وقلت احتمالات عودتهم إليها.

ومنذ بداية تفشي فيروس كورونا في العالم قبل نحو تسعة أشهر، ظل 872 مليون طالب (أي نصف طلاب العالم) من 51 دولة غير قادرين على العودة إلى صفوفهم التعليمية، بحسب منظمة الصحة العالمية.

وأحيت الأمم المتحدة مطلع الشهر الحالي، ولأول مرة، اليوم الدولي لحماية التعليم من الهجمات. ويسلط هذا اليوم العالمي الضوء على المحنة التي يمر بها أكثر من 75 مليون طفل، تتراوح أعمارهم بين سن 3 و18 عامًا في 35 دولة من الدول المتضررة بالأزمة، وكذلك على حاجتهم الماسة للدعم في مجال التعليم.

وبحسب تقرير اللجنة الدولية للصليب الأحمر، فإن الحرب الدائرة في اليمن مذ خمس سنوات أنتجت جيلًا بأكمله لا يعرف الحياة إلا على وقع طبول الحرب المريرة، اعتاد أصوات إطلاق النار والانفجارات.

مشكلة المناهج وأضرار المدارس

أعلنت وزارة التربية والتعليم، في الحكومة المعترف بها دوليًّا، بدء العام الدراسي الجديد لطلاب وطالبات الثانوية العامة يوم 6 سبتمبر/ أيلول على أن يبدأ العام الدراسي لطلاب التعليم الأساسي بتاريخ 4 أكتوبر/ تشرين الأول القادم.

وأرجعت قرار التأجيل إلى استمرار تفشي فيروس كورونا وعدم توفر أدوات السلامة حتى الآن، إضافةً إلى القضايا المتعلقة بحقوق المعلمين، وعدم توفير الكتب المدرسية. ويطالب المعلمون بمناطق سيطرة حكومة عدن، بصرف علاوة غلاء معيشة تتناسب مع ظروف الغلاء، بما لا يقل عن نسبة 100%، وتسوية أوضاعهم ومنحهم درجاتهم الوظيفية المستحقة. فيما لم تعلن حكومة صنعاء عن موعد بدء الدراسة في مدارس المناطق التي تسيطر عليها شمالي البلاد.

نقابة موظفي وعمال المؤسسة العامة لمطابع الكتاب المدرسي كانت قد اتهمت في بيان صادر عنها الحكومة المعترف بها دوليًّا بتدمير مؤسسة مطابع الكتاب المدرسي وتشريد أكثر من 500 موظف، وذلك عقب وقفة احتجاجية دعت لها أمام فرع المؤسسة بمدينة المعلا بعدن، حضرها عشرات الموظفين للمطالبة بإنقاذ المؤسسة من الانهيار الوشيك.

حسب البيان الذي اطلعت عليه "خيوط"، لم يتم صرف المستحقات المالية المتأخرة لموظفي المؤسسة مقابل الطباعة للفترة السابقة، إضافة لعدم إقرار مجلس الوزراء لمناقصة توريد المواد الخام للمؤسسة، الأمر الذي أدّى إلى تعطيل عملية طباعة الكتاب المدرسي للعام الدراسي الحالي.

وفي السياق ذاته، قال المدير التنفيذي للمؤسسة العامة لمطابع الكتاب المدرسي محمد عمر باسليم، في عدن إن العام الدراسي الحالي في المحافظات الواقعة تحت سيطرة الحكومة المعترف بها دوليًّا سيكون كارثيًّا بسبب نقص المناهج.

وأضاف باسليم في حديثة لـ"خيوط" أن الحكومة لم تصادق على مناقصة توريد المواد الخام، كي تقوم المؤسسة العامة بطباعة الكتاب المدرسي وتوفير المناهج خصوصا للمرحلة الابتدائية، مشيرًا إلى أن الكتب المدرسية الموجودة حاليًّا في الأسواق تطبع في مطابع خاصة، بينما يعجز مكتب التربية والتعليم عن التعامل معها نظرًا للحاجة الشديدة للكتب.

وذكر أن المؤسسة سلمت لوزارة التربية والتعليم كتبًا مدرسية بقيمة ملياري ريال، على أن يتم تسليم مستحقات المؤسسة، ويستمر عملها بشكل دوري في طباعة الكتاب المدرسي، بيد أن الحكومة لم تنفذ التزاماتها المالية تجاه المؤسسة، مؤكدًا أن المؤسسة تعاني من أزمة سيولة نقدية لعدم التزام الحكومة بتسديد ما عليها من التزامات مالية مقابل ما سلمته المؤسسة من كتب مدرسية.

ومطلع سبتمبر/ أيلول 2020، أعلنت وزارة التربية والتعليم في العاصمة صنعاء في تقرير لها أن قرابة 400 ألف طفل يضافون سنويًّا إلى قوائم الأميين في اليمن جراء استمرار الحرب.

ويخشى اليمنيون تكرار سيناريو العام الماضي، حيث توقفت الدراسة في مارس/ آذار الماضي، ولم يتم إجراء الاختبارات النهائية، وتم اعتماد درجات الفصل الدراسي الأول في إصدار الشهادات المدرسية، في مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دوليًّا، في حين تم إجراء الاختبارات في مناطق سيطرة أنصار الله (الحوثيين).

ويعاني اليمن من أخطر أزمة إنسانية في العالم، حيث يحتاج حوالي 80% من السكان (24.1 مليون شخص) إلى المساعدات الإنسانية والحماية.

وتوقعت منسقة الشؤون الإنسانية في اليمن، ليز غراندي، في بيان لها بإغلاق 70%على الأقل من المدارس أبوابها، هذا العام أو بالكاد ستستطيع العمل، عندما يبدأ العام الدراسي الجديد في الأسابيع المقبلة.

يرى البروفيسور مصطفى العبسي أن ظروف الحرب وجائحة كورونا وتدهور الحالة المعيشية للناس، عوامل تسهم في تسرب الأطفال من المدارس وعدم قدرة أهاليهم على تعليمهم، الأمر الذي يزيد من حالات الاضطرابات النفسية والعصبية لديهم بشكل كبير

ومطلع العام الجاري 2020، قالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسيف"، في تقرير عن وضع التعليم، إن عدد المدارس التي توقفت عن العمل بسبب الصراع في اليمن بلغت أكثر من 2500 مدرسة، دُمّر نحو ثلثيها 66% بسبب العنف المباشر، فيما أُغلقت 27% منها، وتُستخدم 7% منها لأغراض عسكرية أو أماكن إيواء للنازحين، فيما وثق تقرير أجرته منظمة حقوق الإنسان اليمنية المستقلة "مواطنة"، ومركز سيسفاير لحقوق المدنيين، أن أكثر من 380 منشأة تعليمية تعرضت للتدمير بسبب الحرب في اليمن منذ مارس/ آذار 2015، وحتى ديسمبر/ كانون الأول 2019.

اضطرابات نفسية وعصبية

يعاني الأطفال والطلاب وأرباب أسرهم والمعلمين في اليمن من آثار سلبية ونفسية جراء الوضع المعيشي وجائحة كورونا.

 في هذا الخصوص يقول البروفيسور مصطفى العبسي، وهو خبير في الطب السلوكي والعلوم العصبية بجامعة مينسوتا الأمريكية، إن جائحة كورونا هزت الجميع وغيرت من حياة وحالات الناس من كل النواحي في العالم خاصة في الدول التي دمرتها الحروب الأهلية بينها اليمن، لافتًا إلى أن جائحة كورونا وحدها غيرت حياة وخطط العالم اليومية على الفور وبشكل واسع.

وأشار العبسي لـ"خيوط"، إلى أن الجائحة أنتجت تحدّيًا صحيًّا عالميًّا، له عواقب طويلة المدى على صحة العالم والحالة النفسية والاجتماعية والاقتصادية في كل البلدان، لا سيما المناطق التي تشهد حروبًا كاليمن. 

ويعاني اليمن حروبًا وظروفًا أمنية صعبة إلى جانب جائحة كورونا وتدهور الحالة المعيشية للناس، وهذه عوامل حسب حديث البروفيسور العبسي تسهم في تسرب الأطفال من المدارس وعدم قدرة أهاليهم على إلحاقهم بالمدرسة، الأمر الذي يزيد من حالات الاضطرابات النفسية والعصبية لديهم. وكذلك عند المعلمين لتوقف رواتبهم منذ سنوات، مما يزيد من القلق والاكتئاب والتوتر.

وبحسب الخبير في الطب السلوكي فإن الأطفال هم من الفئات التي تتأثر أكثر من مثل هذه الظروف، خاصة أولئك الذين تعرضوا للصدمات النفسية ومخاوف شديدة بسبب ظروف الحرب والتهميش وظروف الفقر وتدهور الوضع الاقتصادي والخدمي العام.


•••
طلال محمد

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English