إرث الحرب المُتجاهل

راهن ومستقبل الوضع الاقتصادي في اليمن
عبدالرشيد الفقيه
May 13, 2024

إرث الحرب المُتجاهل

راهن ومستقبل الوضع الاقتصادي في اليمن
عبدالرشيد الفقيه
May 13, 2024
الصورة لـ: أحمد باشا - خيوط

لا خلاف على أنّ أحد الجذور الرئيسة لأزمة اليمن الراهنة، هو جذر اقتصادي، تضافر وتفاعل مع جذور وعناصر أُخرى، فلَطالما تواترت على اليمن أشكالٌ عدّة من أشكال الصراع على السلطة والثروة، بصفته أحد أهم محفزات دورات الصراع الدامية في التاريخ اليمني الحديث، وبالنظر لأهمية البُعد الاقتصادي، ومركزيته، بالنسبة للأزمة اليمنية الحالية، بل وأبعد من ذلك؛ بالنسبة لسلسلة الأزمات اليمنية الطويلة، على امتداد تاريخه المعاصر؛ لذلك فإن مقاربة راهن الوضع الاقتصادي في البلاد، سيساعد على الوصول إلى خُلاصات منهجية وموضوعية دقيقة حول كافة عناصره، كما سيساعد على بناء تصورات مستنيرة وفعالة لمستقبله.

وتتطلب مُقاربة حالة الاقتصاد اليمني، إجراء مراجعات مُعمقة للكثير من محطات التاريخ اليمني، من منظور الاقتصاد السياسي، والعناصر الأخرى، ذات الصلة به؛ ولذلك، تستعرض هذه المحاولة، جُملةً من تلك التحولات والتفاعلات المتصلة بالاقتصاد السياسي في اليمن، منذ إعلان قيام الجمهورية اليمنية، ففي جملة الوقائع والحقائق المتراكمة على امتداد ما يزيد على ثلاثة عقود، من عمر دولة الوحدة، ثَمّة إجابات غاية في الأهمية، للكثير من أسئلة الوضع الاقتصادي الراهن في البلاد، بكل اعتلالاته المزمنة والمتفاقمة، والمُستجدة منها خلال سنوات النزاع الراهن، بكل مآلات الوضع الاقتصادي اليمني، وبكل آثاره وموجهاته ومكوناته، وهي إجابات كفيلة بتقديم مفاتيح وموجهات تتأسس عليها عمليات وجهود رسم مستقبل الاقتصاد اليمني، بل وأبعد من ذلك؛ ستقدم مفاتيح وموجهات لرسم مستقبل البلاد برمتها، للإسهام الفعّال في جهود انتشال اليمن من فخاخ الاحتراب، وفي جهود التعافي الاقتصادي، وجهود إعادة الإعمار وبرامج جبر الضرر.

وتجدر الإشارة ابتداءً، إلى أنه لا يمكن مقاربة الوضع الاقتصادي في اليمن، من أجل خلق فَهمٍ أفضل للعوامل الرئيسة المؤثرة على حالة الاقتصاد الوطني، في مختلف مراحله وعناصره، بمعزل عن البحث في تأثيرات التحولات السياسية والعسكرية والأمنية، عليه، وتأثيره عليها، فباستمرار، ألقت الصراعات السياسية المتواترة بظلالها الثقيلة، على الاقتصاد في اليمن، وساهمت في تشكيل خطوطه ومضامينه وعناصره، بما في ذلك تأثيرات طبيعة وحالة وهُوية النظام السياسي، بكل التغييرات والمخاضات الفسيولوجية التي مرّ بها في مختلف مراحل تكوينه وتشكُّله وتلوُّنه وتموضعه، وبما في ذلك كافة متغيرات حالة المؤسسات والهياكل العسكرية والأمنية، التي كان لها تأثيراتها المتعددة على الاقتصاد ومدخلاته وعملياته ومخرجاته ومآلاته، وهو الأمر عينه بالنسبة لتأثيرات متغيرات وتحولات البنى الاجتماعية، ومتغيرات تموضع مراكز القوى والنفوذ، على حالة الاقتصاد اليمني، بكل موجهاتها القبَليّة والمناطقية والجهوية والفئوية والثقافية والسياسية والجغرافية، بالإضافة إلى تأثيرات طيف واسع من العوامل الجيوسياسية الأخرى.

ويتوجب التنويه -الذي يبدو أنه سيلازم أي مقاربة بحثية- إلى حقيقة افتقار اليمن إلى وجود بُنى وآليات مهنية فعّالة، مُتخصصة بجمع ومعالجة وعرض بيانات ومعلومات وإحصاءات ومؤشرات دقيقة، حول حقائق الاقتصاد اليمني، والجوانب العامة الأخرى، للمساعدة على قياس وتحليل وتقييم أداء القطاعات الاقتصادية المتعددة، وكل ما يتصل بها، على أهمية وجودها البالغة لأيّ دولة ومجتمع، ولأيّ سُلطة ونظام، ليس لجهة البحوث والدراسات والتقارير وحسب، بل أبعد من ذلك؛ لجهة مساعدة صنّاع القرار الاقتصادي والسياسي والأمني على اتخاذ قرارات مُستنيرة ومدروسة، وبناء خطط وسياسات فعّالة، وتُمثّل هذه الإشكالية الملازمة لكافة المجالات في اليمن، أحد العوامل الرئيسة المسببة لمحدودية وشحة الدراسات والتقارير المتخصصة اللازمة لتأسيس رؤى وتصورات الاقتصاد اليمني، ومختلف المجالات الأخرى، والمسببة كذلك، لاعتماد ما هو متوفر من التقارير والدراسات والأبحاث والخطط والسياسات -على قِلّتها- على الانطباعية والملاحظة والتخمين، بما في ذلك هذه المحاولة، وهو ما يُقلل من فرص الثقة ببياناتها ومضامينها واستخلاصاتها، ومن فرص الاعتماد على توصياتها، والاسترشاد بها عند رسم السياسات والقرارات والخطط العامة.

الاقتصاد اليمني ما قبل الحرب

منذ إعلان قيام الجمهورية اليمنية في 22 مايو/ أيار 1990، شهدت اليمن تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الحادّة، حيث حملت دولة اليمن الواحد، الوليدة للتو وقتذاك، تركة ثقيلة من الفواتير الاقتصادية لدورات الصراع السياسي، السابقة لإعلان قيام دولة الوحدة، بالإضافة إلى تركة ثقيلة من فواتير اندماج هياكل وبُنى نظامين مُختلفين، يحمل أحدهما هوية نظام اشتراكي، ويحمل الآخر نظامًا هجينًا هو أقرب للنظام الرأسمالي، حيث تمت عملية التوحيد بمعزل عن أيّ خطط وتدابير مدروسة، سواء إجراءات احترازية قَبْلية، أو تدابير حمائية مصاحبة لعمليات الاندماج والتوحيد، أو معالجات لاحقة لها.  

ونتيجة لتلك التراكمات، كحصيلةً لعقود من العشوائية والارتجال، تفاقم الوضع الاقتصادي في اليمن، خلال الفترة (1990-1994)، عقب فشل محاولات الإصلاح الوطنية، التي تلت انعقاد مؤتمر المائدة المستديرة للدول المانحة لليمن، المُنعقد صيف عام 1992، والتي تفاقمت بصورة غير مسبوقة، بالتزامن مع عودة ما يزيد على 800 ألف من العاملين اليمنيين المغتربين في دول الخليج العربي، إلى البلاد، عقب أزمة الخليج، بالإضافة إلى انعكاسات جُملة من التطورات الدولية والإقليمية، المتتالية، وإلى تداعيات وارتدادات الأزمة المالية العالمية بعد ذلك، بالإضافة إلى انعكاسات جُملة من الأحداث المحلية المفصلية، منها: الأزمة السياسية التي أدّت إلى اندلاع حرب صيف 1994، بكل تحالفاتها وتداعياتها وإرهاصاتها ونتائجها وآثارها العسكرية والأمنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والإنسانية العديدة، والتي أدت إلى اختلال التوازن في بُنى النظام السياسي التي أفرزتها تلك الحرب، بالإضافة إلى تأثيرات سلسلة من الأزمات السياسية، على الوضع الاقتصادي، وصولًا إلى تعثر اليمن، وقتئذٍ، عن سداد ديونها الخارجية، وعن الإيفاء بمتطلبات تحسين تصنيفها الائتماني، أمام الدول والجهات الخارجية المانحة والدائنة.

تملّصت الحكومات المتعاقبة لنظام صالح، من الالتزام بخطوات الإصلاح، مع مواصلتها لخطوات رفع الدعم الحكومي عن السلع الأساسية والمُشتقات النفطية، التي ضاعفت الأعباء على المواطنين، خصوصًا مع استشراء الفساد والإثراء غير المشروع.

برنامج الإصلاح الاقتصادي في اليمن

وفي ظلّ التنامي المتصاعد للعولمة الاقتصادية، التي عمدت إلى الاستئثار بتركة النظام الاشتراكي الذي أفل مع انهيار الاتحاد السوفييتي في العام 1990، وانتهاج معظم دول العالم برامجَ إصلاحات وتصحيح اقتصادي، على نطاق واسع، وهيمنة النظام الرأسمالي وهيمنة عقيدته الاقتصادية ومسلماتها- بدأت حكومة الجمهورية اليمنية "برنامج الإصلاح الاقتصادي"، تحت عنوان "التثبيت الاقتصادي والتكيف الهيكلي"، بعد مفاوضات مطولة مع كلٍّ من صندوق النقد والبنك الدوليين، حول مكونات برنامج الإصلاح الاقتصادي والمالي، الذي بدأت اليمن بتنفيذه على مرحلتين رئيستَين؛ بدأت الأولى في مارس/ آذار 1995، وامتدت حتى أكتوبر/ تشرين الأول 2000، وبدأت المرحلة الثانية منها، في العام 2001، وامتدت حتى العام 2005، في إطار الخطة الخمسية الثانية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، واستراتيجية التخفيف من الفقر (2003-2005)، وتضمنت العديد من الخطوات، منها: رفع الدعم التدريجي عن المشتقات النفطية والسلع والخدمات الأساسية، وعمليات الخصخصة للعديد من القطاعات والمؤسسات، ومصادقة اليمن على اتفاقية "الجات"، وهي خطوات كان يُفترض أن تتم بالتزامن مع خطوات الإصلاح الإداري، وتشمل معالجة إشكاليات الازدواج الوظيفي، وإشكاليات التضخم الوظيفي في كافة مؤسسات القطاع الحكومي، وإصلاح التشوهات الهيكلية والبنيوية والتشريعية والإجرائية والعملياتية، وإصلاح الأوعية الإيرادية، ووضع حدٍّ لفوضى وعشوائية الإنفاق المُسيّس، وتفعيل آليات مكافحة الفساد المالي والإداري، والامتثال لمبادئ الحوكمة والإدارة الجيدة. غير أنّ الحكومات المتعاقبة لنظام صالح، تملّصت من الالتزام بها، مع مواصلتها خطوات رفع الدعم الحكومي عن السلع الأساسية والمُشتقات النفطية، التي ضاعفت الأعباء على المواطنين، خصوصًا مع استشراء الفساد والإثراء غير المشروع.

محدودية الموارد وسوء الإدارة واستشراء الفساد

وفي ظل محدودية موارد اليمن، وانحصارها بدرجة رئيسة على عائدات النفط والغاز، الذي يمثّل الركيزةَ الأساسية لاقتصاد البلاد، بالإضافة إلى حوالات المُغتربين اليمنيين، بصفته موردًا يتأثر سلبًا وإيجابًا بالعديد من المتغيرات المتواترة، وعلى المساعدات والقروض الخارجية، مع ضعف مواردها الأخرى، بالتوازي مع التأثيرات الاقتصادية للضربات التي طالت قطاع السياحة في اليمن، بعد سلسلة من عمليات التنظيمات الجهادية، مع سوء الإدارة واستشراء الفساد، بالتزامن مع ما رتّبه الانفجار السكاني، غير المتناسب مع موارد وإمكانيات اليمن، من حمولات إضافية، بأبعاد مُتعددة، على كافة مؤشرات أوضاع البلاد، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فقد شابت عمليات "برنامج الإصلاح الاقتصادي"، بكلِّ مراحله، اعتلالاتٌ كثيرة، حالت دون تحقيق حدٍّ أدنى من غاياته، وتتمثّل أهم تلك الاعتلالات في: ضعف شبكات وتدابير الحماية الاجتماعية، وضعف أو انعدام آليات وتدابير الحدّ من الفقر وبرامج حماية الفئات الضعيفة من آثار عمليات برنامج الإصلاح الاقتصادي، وعدم التزام الحكومات المتعاقبة لنظام صالح بتنفيذ جميع خطوات عمليات الإصلاح الاقتصادي في وقتها المُخطط، وعدم إجراء عمليات إصلاح مالي وإداري حقيقيّة مُتزامنة، والتباطؤ في خطوات الإصلاح في قطاع الخدمة المدنية وفي القطاعات العسكرية والأمنية، وتعطيل خطوات العمل بنظام البصمة في مختلف المرافق والمؤسسات الحكومية، والإخفاق في خلق وإدارة مسارات تنموية تضمن تعزيز وتنويع استثمارات وموارد الدولة، وخلق فرص عمل لخريجات وخريجي الجامعات من فئة الشباب، بالإضافة إلى تسيُّد الفساد، وبالأخص على صفقات قطاعات النفط والغاز، وغيرها من القطاعات الحيوية، وديمومة الإشكالات الخطيرة في إدارة المالية العامة بثقوبها السوداء التي تلتهم نسبةً كبيرة من الموارد العامة، وعدم الالتزام بمتطلبات بناء قطاع خاص نشط يعمل في بيئة استثمارية بنّاءة، من خلال إصلاح التشريعات والسياسات والممارسات، وضمان توفير الأمن، وتعزيز دور القضاء واستقلاليته، وتفعيل منظومة سيادة القانون، وضمان تكافؤ الفرص، بالإضافة إلى المركزية المالية والإدارية والاقتصادية المُتشددة، وانعدام الشفافية في البُنى والهياكل والعمليات، وعدم وجود آليات رقابية للتدقيق والتقييم والمُساءلة، وفساد الأوعية الضريبية والجمركية، وخضوع أعمالها للمحسوبية والمُحاباة، وإشكاليات تقادم كافة الآليات والوسائل في كافة القطاعات، مع إحكام النظام عن تحديثها ورفع كفاءتها، مع انخفاض إدراكه لمخاطر النزاعات المسلحة الداخلية والأزمات السياسية الحادّة، وانعدام الاستقرار على الوضع الاقتصادي، وعلى مسارات التنمية، وتعمده خلق رأس مال طفيلي، وتعزيز هيمنته على أهم القطاعات الاستثمارية، بمعزل عن خلق ضمانات تمتثل للحدّ الأدنى من متطلبات تكافؤ الفرص والتنافسية والمعيارية والأهلية والجدارة، واستحكام السيطرة العائلية على مفاصل السلطة والدولة والاقتصاد في إطار "التوريث"، وتحيُّن النظام الحاكم الدائم لفرص التملُّص من متطلبات الإصلاح والتزاماته، ومناوراته العديدة باستخدام ورقة الإرهاب والأمن، بالإضافة إلى عدم كفاءة النظام وهشاشته أمام الصدمات، في ظل إشكاليات عديدة ظلت تعتور الحامل السياسي للدولة، في الحوكمة والإدارة الجيدة، والممتدة إلى كافة حواملها الاقتصادية والإدارية والمالية، وعلى رأسها إشكالية ازدواجية وتنازع الصلاحيات والمسؤوليات، بين رئاسة الدولة من جهة وبين الحكومة وكافة بُنى وهياكل السلطة التنفيذية للدولة من جهة أخرى، وحالة اللامؤسسية في الأغلب الأعم من أداء السلطات والمؤسسات والأجهزة المُختلفة.

ومع سوء الإدارة، والفساد المُستفحل، للحكومات المتعاقبة لنظام صالح، وفي ظل تضخم مُخصصات الدفاع والأمن، على حساب مخصصات التعليم والتنمية والصحة والتحديث، واستمرار النزيف الذي يسببه عجز المشتقات النفطية، مع استمرار تهريب المشتقات النفطية المدعومة إلى إفريقيا لبيعها بالسعر العالمي، على الميزانية العامة، بالإضافة إلى العشوائية والإسراف والتبديد في الإنفاق الحكومي، وصولاً إلى إنضمام اليمن رسمياً إلى نادي الحرب على الإرهاب، التي بدأت مع حلول العام 2000، بكل تداعياتها وارهاصاتها وآثارها العسكرية والأمنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والإنسانية، وإلى اندلاع حروب صعدة بجولاتها الست، بين العام 2004 والعام 2010، بكل تحالفاتها وتداعياتها وارهاصاتها وآثارها العسكرية والأمنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والإنسانية العديدة، فقد راكمت الحكومات المتعاقبة لنظام صالح الحاكم في اليمن، زيادة متصاعدة في عجز الموازنة العامة، وارتفاع معدلات التضخم، وتدني معدلات النمو، وتضاؤل معدلات الناتج المحلي، ومعدلات الناتج القومي، مع استمرار تهاوي قيمة العُملة الوطنية أمام العملات الأجنبية، وانخفاض معدل دخل الفرد، وارتفاع نسب البطالة، واتساع دائرة الفقر، وتقادم وتآكل البنية التحتية، على محدوديتها، وتدهور الخدمات الأساسية، واعتماد المحسوبية والمحاباة في الوظيفة العامة، وتصاعد الأزمات السياسية، وانعدام الاستقرار، بالتزامن مع لجوء الحكومات المتعاقبة إلى القروض الداخلية- أذون الخزانة، مع سوء إدارتها للمساعدات والقروض الخارجية والداخلية وتبديدها، بالتزامن مع افتقار بُنى السلطة إلى وجود دراسات علمية ومنهجية تُشخّص الاختلالات والمشكلات المُتعلقة بحالة الاقتصاد الوطني، وافتقارها إلى وجود رؤى وخُطط وبرامج واستراتيجيات علمية ومنهجية ذات فعالية في عمليات الإصلاح الاقتصادي، والتنمية، وانتهاجها عوضًا عن ذلك الارتجال والعشوائية، وتعطيل طاقات وقدرات المجتمع، والحدّ من المساحات المتاحة أمام إسهامات القطاع الخاص في مسارات الاقتصاد والتنمية، بصورة جعلت من الحكومات اليمنية المتعاقبة، والنظام الحاكم، في نهاية المطاف، في حالة من الشلل، والفقدان التامّ لأيّ قدرة على استيعاب مليارات الدولارات من تعهدات مؤتمرات المانحين، رغم حاجة اليمن الماسّة لتلك التعهدات والموارد، مع استمرار تآكل ثقة المجتمع الدولي بالنظام القائم وحكوماته المُتعاقبة، وتآكل شرعيته ومشروعيته داخلياً.

ومنذُ إعلان قيام الجمهورية اليمنية في العام 1990، وحتى العام 2011، وعلى مدى عقدين كاملين، أهدرَت الحكوماتُ المتعاقبة في إطار نظام الرئيس السابق علي عبدالله صالح، فرصًا عديدة للعبور باليمن إلى ضفاف الاستقرار والتنمية والتحديث والإصلاح، حيث عمدت إلى الانتقال باليمن في حلقات سلسلة طويلة من الأزمات، بصورة فاقمت الوضع الاقتصادي في اليمن، وعمّقت التشوهات والاختلالات في هياكل الدولة وبناها وعملياتها، ومؤشراتها الكُليّة وغير الكُليّة، ودفعت باليمن في نهاية المطاف، إلى تصدر مؤشرات هشاشة الدول، وإلى إخفاقها التام عن تحقيق أيٍّ من أهداف التنمية المستدامة، وإخفاقها عن ضمان الحدّ الأدنى من متطلبات العيش الكريم لعموم اليمنيات واليمنيين، وعدم القدرة على ضمان الحدّ الأدنى من الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والمدنية والسياسية والثقافية لهم، وهو ما جعل اليمن، مُرشحة مؤهلة كلياً، للانهيار أمام رياح التحولات التي اجتاحت المنطقة العربية مع اندلاع ثورات الربيع العربي مطلع العام 2011، ولجهود منظومة الاستبداد العربي، لاحقاً، المُضادّة لها ولنتائجها، التي تمكّنت بضخامة مواردها، وبمساندة من دول الهيمنة النافذة في النظام الدولي، وبتفاعلها وتضافرها مع العديد من العوامل الأخرى، من تقويض عددٍ من كيانات بلدان الربيع العربي، تباعاً، ومنها اليمن.

تجاهل تحذيرات الجهات الدولية المُتخصصة

ورغم إشارة الكثير من تقارير الجهات الدولية المُتخصصة لتلك الاعتلالات، ورغم تحذيراتها العلنية وغير العلنية المتكررة، من النتائج والتداعيات الخطيرة للأوضاع وقتئذ، ولأيِّ تقاعس عن المبادرة الفورية لمعالجتها، ولضمان عدم تكرارها، فقد اختارت حكومات نظام صالح المُتعاقبة، مواصلةَ سياساتها المُعتلّة والكارثية دون الالتفات إلى تلك الإشارات والتحذيرات المتكررة، بصورة وسّعت دائرتها، وفاقمت آثارها، فتكاثرت وتعمّقت التصدعات والاعتلالات، وشملت نطاقًا أوسع من البُنى والهياكل والقطاعات والفئات، وأبقت الاقتصادَ اليمني في حالة دائمة من التوازن الهش، ودفعت باليمن إلى مستويات جديدة من الهشاشة، ووضعتها، دولةً ونظامًا وسلطة ومجتمعًا، على حافة الانهيار.

الاقتصاد الغارق في عقد كامل من الحرب والتقويض

برغم كل الفرص المهمة التي فتحتها انتفاضة العام 2011 ضد نظام صالح، والتي كان يمكن للنخبة السياسية اقتناصها لإنجاز جُملة من الإصلاحات المُلحّة، والمتوجبة بشكل فوري وقتذاك، والتي كانت كفيلة بتجنيب اليمن مآلات الانهيار وفوضى الاحتراب، فإنّ العديد من العوامل المحلية والإقليمية والدولية، قد تضافرت وتفاعلت مع سوء النخبة السياسية، وضحالتها وعدم أهليتها، لإنجاز مهمة الدفع باليمن إلى هاوية سحيقة من الاحتراب، تكفّلت بتقويض كل ما راكمته اليمن على امتداد عقود، حيث دخلت اليمن منذ العام 2014، في أتون صراع مُدمّر، تداخلت فيه التفاعلات المحلية والإقليمية والدولية، وكان الاقتصاد أحد موجهاته ومحركاته الأساسية، كما كان الاقتصاد اليمني كذلك، أحد أبرز ضحاياه.

عمدت أطراف الحرب إلى تقويض بُنى وهياكل وروابط ومسارات الاقتصاد اليمني، بصورة منهجية ومتواترة، على كافة المستويات العمودية والأُفقية، فبالإضافة إلى الهجمات النارية المباشرة، ذهبت إلى إغلاق الموانئ والمطارات، وقطعت شرايين الطرقات اليمنية.

خارطة الاحتراب وعناوين انقساماتها

أفضت الحرب بكل مجرياتها وتحولاتها ومآلاتها، إلى تقسيم اليمن -الذي تذهب التقديرات إلى أن عدد سكانه بلغ حوالي ثلاثين مليون نسمة- إلى خمس مناطق من السيطرة العسكرية والأمنية والسياسية، كواقع فرضته إرادة إقليمية، لا يعكس الأوزان الفعلية للأطراف اليمنية، وفي حين بقيَ الاقتصاد اليمني موحدًا نسبيًّا، حتى العام 2020، فقد قُسمت اليمن إلى منطقتين اقتصاديتين؛ منطقة مركزها عدن، تحت سيطرة إسميّة للحكومة المعترف بها دوليًّا، وتخضع فعليًّا لسلطة تشكيلات متصارعة، وتذهب التقديرات إلى أنّ عدد السُّكان فيها حوالي عشرة ملايين نسمة، ومنطقة مركزها صنعاء، تحت سيطرة جماعة أنصار الله (الحوثيين)، مع تحالف شكليّ مع حزب المؤتمر الشعبي العام، وتذهب التقديرات إلى أنّ عدد السُّكان فيها حوالي عشرين مليون نسمة، يتوزعون على مناطق شمال غرب اليمن، وهي المنطقة الأكثر كثافة سكانية في البلاد.

وقد عمدت أطراف الحرب، منذُ العام 2020، إلى تقويض بُنى وهياكل وروابط ومسارات الاقتصاد اليمني، بصورة منهجية ومتواترة، على كافة المستويات العمودية والأُفقية، فبالإضافة إلى الهجمات النارية المباشرة، ذهبت الأطراف إلى إغلاق الموانئ والمطارات، وقطعت شرايين الطرقات اليمنية، ووضعت قيودًا مشدّدة على حركة الواردات والصادرات، وعلى حركة الأفراد، وخاضت صراعًا اقتصاديًّا ضارياً، من أبرز عناوينه ومحطاته: نقل البنك المركزي إلى عدن، بعد استنزاف احتياطيات اليمن من العُملة الصعبة، والتوقف عن دفع المرتبات لمئات الآلاف من موظفات وموظفي القطاع العام، بصورة كرّست حالةً من العبودية الحديثة، بالإضافة إلى طباعة كميات جديدة من العملات، وانقسام العُملة الوطنية، وتهاوي قيمة الريال أمام العملات الأجنبية، وقرارات التعويم الارتجالية، مع تعميق التصدعات والانقسامات في المؤسسات والبُنى والهياكل الوطنية، والعمل على خلق طبقة من الأوليغارشية المُضاربة بالعملة والعقارات والسلع في إطار منظومة اقتصاد الحرب، وتزايد المضايقات التي تستهدف القطاع الخاص، وتقليص الامتيازات التحفيزية الممنوحة له، والضامنة لنمو واستقرار أنشطته الاستثمارية، متوسطة وطويلة الأجل، والتي خلقت بيئة طاردة لرأس المال واستثماراته، بالتوازي مع محاباة رأس المال الموالي، وتمكينه، مع استمرار عمليات تصدير النفط بمعزل عن وجود آلية شفافة للرقابة والتدقيق، على عمليات التنقيب والتصدير، وعلى تحصيل وإدارة عائدات تلك الصادرات خلال سنوات الحرب، ثم وقف تصدير النفط والغاز بعد هجمات الحوثيين لها في المرافئ التي تقع خارج سيطرة الجماعة، وازدواجية الجمارك، والاستيلاء على الغرفة التجارية في صنعاء، والتلاعب بالعملة الصعبة بصورة مُلغزة في ظلّ انعدام الشفافية والمعيارية، وجائحة الجبايات الاستنزافية والجائرة لقطاع عريض من الناس، التي توسعت لتشمل مدى زمنيًّا يمتد قسرًا إلى سنوات ما قبل الحرب، وقرار حظر الفوائد في البنوك، وعدم وجود موازنات حكومية سنوية معتمدة من مجلس النواب، والخصخصة الارتجالية والعشوائية وغير المدروسة، لقطاعات مثل الكهرباء، والتملص من واجبات ومسؤوليات الدولة ومؤسساتها تجاه الناس، وفرض القيود على العمل الإنساني في ظلّ تقليص تغطية خطة الاستجابة الإنسانية، واستباحة وإفشال المؤسسات الإنتاجية والإيرادية، والآثار العديدة للتغيرات المناخية، وصولًا إلى آثار إعادة تصنيف الإدارة الأمريكية لجماعة الحوثيين جماعة إرهابية، على خلفية هجماتها في البحر الأحمر إثر الحرب الإسرائيلية في غزة.

أبرز محطات الصراع بموجهات إقتصادية

لقد حملت الكثير من جولات الصراع الدامية، بُعدًا اقتصاديًّا واضحًا، ابتداءًا من سيطرة جماعة أنصار الله "الحوثيين"، بقوة السلاح، على العاصمة اليمنية صنعاء، وغيرها من المحافظات، في 21 سبتمبر/أيلول 2014، تحت عنوان إسقاط الزيادة السعرية التي أقرتها "حكومة الوفاق" على المشتقات النفطية، في إطار خطط رفع الدعم الحكومي تدريجياً، مروراً بالعمليات العسكرية للتحالف بقيادة السعودية والإمارات، للسيطرة على المرافئ والجزر والممرات الملاحية، من مدينة عدن ومرورًا بمضيق باب المندب وميناء المخا، والعمليات العسكرية للسيطرة على شبوة، والعملية العسكرية للسيطرة على الحديدة والساحل الغربي، ومن جانبهم، شنّ الحوثيون عمليات عسكرية بالغة الكُلفة بهدف السيطرة على مناطق النفط والغاز في مأرب، وفرضوا حُزم مُتتالية من الجبايات القسرية وغير القانونية، بالتزامن مع سلسلة طويلة من القرارات ذات البُعد الاقتصادي؛ أبرزها قرار نقل البنك المركزي إلى عدن، ووقف دفع المرتبات، وطباعة كميات كبيرة من العملة دون غطاء، ومنع تداولها في مناطق سيطرة الحوثيين، وانقسام العُملة، والقرارات الأحادية المتعلقة بالبنوك وبالقطاع المصرفي، وغيرها من الخطوات الأحادية في الجانب الإقتصادي.

ومع الدمار الذي ألحقته العمليات الحربية لكافة الأطراف، بالبنية التحتية والأعيان المدنية، ومنها المرافق لإقتصادية والصناعية، العامة والخاصة، فقد شهد النشاط الاقتصادي في اليمن انكماشًا متصاعدًا منذ العام 2015، حيث أدّى "الصراع الاقتصادي" إلى تضاعف أسعار الأغذية والسلع الأساسية والوقود والغاز المنزلي والأدوية والمستلزمات الطبية وأجور النقل، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والسلع الأساسية الأخرى عالميًّا، بالإضافة إلى آثار الصدمات المصاحبة لجائحة فيروس كورونا، وإلى الاتساع المتصاعد عامًا بعد آخر للفجوة بين المتطلبات التمويلية للاحتياجات الإنسانية وبين حجم تعهدات المانحين لتغطية تلك المتطلبات، التي انحدرت إلى أدنى مستوى لها، لنحو سبع مئة وخمسين ألف يورو في شهر مايو/آيار من العام 2024، والذي تقلصت معه برامج الاستجابة الإنسانية التي كانت تغطي الاحتياجات الأساسية بوصفها مصدرًا وحيدًا لملايين السكان من الفئات الضعيفة، ونتيجة لكل ذلك، فقد باتت تشوب الوضع الاقتصادي في اليمن حالةٌ من عدم اليقين.

إن ضمان الأمن القومي لليمن والسعودية، على حد سواء، يتطلب العمل على انتشال اليمن واستعادته إلى طريق التنمية والاستقرار، طبقًا لمشروع شبيه بما عُرف بخطة (مارشال)، التي هدفت لانتشال أوروبا من الأوضاع المأساوية، التي أعقبت الحرب العالمية الثانية.

العوامل الإقليمية والدولية المؤثرة على اقتصاد اليمن

بالإضافة إلى جُملة العوامل المحلية المؤثرة على مآلات الاقتصاد اليمني، والمؤثرة عليه، والتي استعرضنا أهم عناوينها فيما سبق من هذه التناولة، فثَمّة جُملة من العوامل الإقليمية والدولية المؤثرة على الوضع الاقتصادي في اليمن، أهمّها:

اليمن وفرصها في رؤية السعودية 2030

في ظل القفزات التنموية والتحديثية التي تشهدها السعودية، أعلن الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، والحاكم الفعلي للمملكة، التزامه بأن يضع على عاتقه، مسؤولية النهوض بدول الشرق الأوسط، مشيرًا إلى النهضة الأوروبية، نموذجًا، وممّا يُكسب تلك التصريحات قدرًا عاليًا من الجدية والواقعية، جُملة الخطواتُ المُراكمة في السعودية حتى الآن، التي تكشف عن ملامح مساقات تحقيق رؤية تنموية، بقيادة سعودية، للنهوض بالمنطقة، بصفتها مجال أمن قومي مشترك، تتوازى وتتكامل مع مضامين وأبعاد رؤية طريق الحرير، من منظور اقتصادي صيني.

وقد شهدت المقاربة السعودية لملف اليمن، منذ العام 2022، تحولات جذرية، أفصحت عن توجه سعودي جِدّي لوقف الحرب، وهي توجهات كان لها انعكاساتها الكبيرة على الوضع العام في اليمن، وستتضاعف تأثيراتها على أمن السعودية واليمن معًا، إذا ما كانت مقدمة لمعالجة كافة التشوهات البنيوية والهيكلية والسياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، التي خلقتها الحرب، والتي يُشكل بقاؤها دون معالجات جذرية، جسورة، تهديدًا خطيرًا للأمن القومي السعودي وللأمن القومي اليمني، على حد سواء، من منظور أمني وعسكري، ومن منظور اقتصادي وسياسي واجتماعي، وهي تشوهات يعمل على بقائها وتعميقها، طرفان رئيسان، يتمثلان في إيران والإمارات، الذان يتخادمان بفعل حالة من تقاطع مصالحهما معًا، وبفعل تعارض مصالحهما معًا، مع أيّ حالة تنموية ونهضوية سعودية، ومع أيّ حالة تنموية ونهضوية يمنية، بذات القدر، وهي ثغرات خطيرة ستبقى قابلة للتوظيف مستقبلًا من أيّ فاعل إقليمي أو دولي قد يجد في استهداف وتقويض المملكة، مع أي متغير، من متطلبات تحقيق مصالحه.

لذلك، فإنّ أحد أهم شروط نجاح رؤية السعودية 2030، ونجاح رؤية قيادة المملكة للنهوض بمنطقة الشرق الأوسط، ولمتطلبات النهوض بالسعودية، قبلًا، يتمثل في المبادرةُ الجسورة، للعمل وَفقَ خطة فعّالة، على مُعالجة العديد التشوهات الخطيرة، ابتداءً من الوضع في اليمن، التي تقع في عُمق مجال الأمن القومي السعودي، والتي يُصبح بإنجاز معالجاتها، أي مشروع نهضوي سعودي، مؤمّن من فخاخ الاستنزاف والتقويض، كأساس للتعامل مع التحولات العالمية والإقليمية الهائلة، المُعتملة على أكثر من صعيد.

إنّ إرادة التغيير التي باتت تقود خُطَى المملكة العربية السعودية، اليومَ، تتطلب أن تضع في أولوياتها، معالجة التحديات الكبيرة في اليمن، وعلى رأسها المبادرة إلى معالجة التركة الحقوقية والإنسانية والاقتصادية للحرب، بالتزامن مع معالجة التهديد المباشر لحدودها الجنوبية، بدءً من العمل على فك ارتباط مكون جماعة أنصار الله (الحوثيين) بإيران، وصهرها في بوتقة نظامٍ وطني يمني، تجمعه بالمملكة روابطُ لا حصر لها من المصالح المشتركة، بالتزامن مع العمل على معالجة كافة التشوهات في مناطق جنوب اليمن وشرقها، بصورة تؤدّي إلى فك ارتباط المجلس الانتقالي، بدولة الإمارات، وصهره في بوتقة نظام وطني يمنيّ، تجمعه بالمملكة روابطُ لا حصر لها من المصالح المشتركة، مع معالجة وضع المكونات اليمنية الأخرى، طبقًا لذات المحددات.

إنّ ضمان الأمن القومي لليمن والسعودية، على حدٍّ سواء، يتطلب العمل على انتشال اليمن واستعادته إلى طريق التنمية والاستقرار، طبقًا لمشروعٍ شبيه بما عُرف بخطة (مارشال)، التي هدفت لانتشال أوروبا من الأوضاع المأساوية، التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، أواخر النصف الأول من القرن العشرين، بالإضافة إلى نماذج كثيرة مشابهة، في إطار رؤية جديدة تُعبر عن إدراك ما تعنيه اليمن بالنسبة للسعودية، وما تعنيه السعودية بالنسبة لليمن، من منظور الأمن القومي ومحدداته، وستشكّل اليمن في تلك الحالة إحدى روافد رؤية السعودية 2030، ولرؤيتها التنموية والجيوسياسية الاستراتيجية على المدى الأبعد، وعلى النطاق الإقليمي الأوسع.

الموجهات الاقتصادية للأدوار الإماراتية العدوانية في اليمن

إنّ أحد أهمّ العوامل المؤثرة على الاقتصاد اليمني، وعلى بقية المجالات كذلك، يتمثل بالسياسة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة، وأدوارها العدوانية النشطة، تجاه اليمن ومصالحها، التي تمتد جذورها إلى ستينيات القرن الماضي، والتي رافقت العديدَ من التحولات في اليمن. ويُمكنُنا من خلال تعقّبها واستعراضها، تعريفها وتعريف موجهاتها وأهدافها بدقة، ابتداءً من إعلان ميلاد الجمهورية العربية اليمنية، عقب قيام ثورة 26 سبتمبر/ أيلول 1962، ضد نظام الإمامة في الشطر الشمالي من اليمن، ثم إعلان ميلاد جمهورية الديموقراطية الشعبية، بدعمٍ من الاتحاد السوفييتي، الاشتراكي، عقب قيام ثورة 14 أكتوبر/ تشرين الأول 1967، ضد الاحتلال البريطاني للشطر الجنوبي من اليمن، وجلاء آخر جندي بريطاني في 30 نوفمبر/ تشرين الثاني 1967، بوصفها مقدمات وثيقة الصلة بظروف ومقدمات قيام دولة الإمارات، في 2 ديسمبر/ كانون الأول 1971، وباستمرارية وجودها ذاته، كيانًا ووظيفة، والمدعومة من أحد أقطاب النظام الغربي، الرأسمالي، والمُولدة من تصور الشركة الهندية- الاحتلال البريطاني، للمنطقة التي كانت تتشكل على إيقاع ثورات التحرر والاستقلال الوطني من الاستعمار البريطاني، في ستينيات القرن الماضي، والتي قوبلت بتخليق كيان ونظام إماراتي، اصطناعي، ووظيفي، تقوم إحدى أهم ركائز وجوده الأساسية، على قاعدة عريضة من المنافع الاقتصادية والتنموية، الموهوبة لمرافئها وأسواقها غير الطبيعية، رغم موقعها النائي للغاية، في إطار حصة مُخصصة من دورة الاقتصاد العالمي، بالإضافة إلى مواردها الطبيعية المُسخرة لحسابات وموجهات مصالح النُّظم الغربية، المُهيمنة، المتموضعة في موقع المُتبني والحامي والضامن والموجِّه والمُحرّك.

وتتضح بصورة أكبر، موجهات السياسة الخارجية الإماراتية العدوانية، تجاه اليمن، بالتزامن مع إعلان قيام الوحدة اليمنية، مرورًا بموقفها من حرب صيف حرب 94، ثم باحتضانها لقيادات الطرف غير المنتصر في تلك الحرب، ثم برعايتها الطويلة لبذور النزعات التشطيرية، ووصولًا إلى استحواذها على إدارة وتشغيل موانئ عدن بموجب اتفاقية منحت فيها شركة موانئ دبي الإماراتية مهام تشغيلَ ميناء عدن، ابتداءً من العام 2008، في إطار مساعي الإمارات للتعطيل العمديّ والمُخطط الذي فرضته على المرافئ اليمنية الأصيلة، ذات الجدوى الاقتصادية العالية بالنسبة لحركة دورة الاقتصاد العالمي، تبعًا لمواقعها الاستراتيجية المُشاطِئة لمضيق باب المندب وخليج عدن والعديد من الجُزر، ولشريطٍ ساحليّ طويل على البحر الأحمر والبحر العربي والمحيط الهندي، وحتى إعلان الحكومة اليمنية إلغاء تلك الاتفاقية، في 25 أغسطس/ آب 2012، بسبب اتهامها لشركة دبي، بارتكاب إخلالات، عمدت من خلالها إلى تعطيل العمل في الميناء لصالح موانئ أخرى تديرها الشركة الإماراتية.

وبرزت الأدوار العدوانية النشطة للإمارات، في خلق وتعميق وفرض التشوهات في الحالة اليمنية، بصورة سافرة، وغير مسبوقة، منذ أولى لحظات إعلان عمليات التحالف بقيادة السعودية والإمارات في اليمن، في 26 مارس/ آذار 2015، وعلى امتداد سنوات الحرب، التي بدأت فيها حليفًا استراتيجيًّا للسعودية، في عملياتها الداعمة للحكومة المعترف بها دوليًّا، ظاهريًّا، ثم تكشفت تباعًا حالة التباين معها، ثم ذهبت إلى حالة من التنافس، وصولًا إلى مجازفتها الخطيرة بالقفز إلى التموضع في حالة صراع مع المملكة، وخلق البؤر الملتهبة على امتداد خطوط مجال الأمن القومي السعودي، وعلى امتداد خطوط رؤية السعودية 2030، حيث انهمكت الإمارات، لأهداف اقتصادية وسياسية وديموغرافية وأمنية وعسكرية، في الاستحواذ على مناطق يمنية حيوية واستراتيجية، مع تركيزها على المرافئ والجزر والمساحات اليمنية، المُطلة على الممرات المائية الدولية، حيث ترى أنها ستؤثر سلبًا، في حال تم تشغيلها وإدارتها بفاعلية، على ميناء جبل علي، وموانئ دبي؛ وقد عمدت إلى الاستحواذ على تلك المساحات الاستراايجية، ابتداءً من إنشاء قواعد عسكرية فيها، أو تمكين تشكيلات مسلحة موالية لها، بعد أن تتولى سحق واستئصال أيّ قوى لا تدين بالولاء المُطلق لها، ضدًّا على سياسة السعودية ومصالحها في اليمن، حيث فرضت الإمارات سيطرتها المُطلقة على: موانئ المكلا وشبوة وعدن والمخا، وجزيرة ميون، وجزيرتي حنيش الكُبرى والصُغرى، وباب المندب، وجزيرة سقطرى في المُحيط الهندي، فيما أبقت عيونها مفتوحة على المهرة، وعلى بحر العرب وخليج عمان، ومناطق شرق اليمن.

‎وفي إطارٍ إقليميّ أوسع، يساعد على تعريف رؤية الإمارات لمجال مصالحها، ولأهدافها الحقيقية، ولأدوارها العدوانية النشطة، في غير بلدٍ في المنطقة، فقد باتت الإمارات تستحوذ فعليًّا، بالإضافة إلى المرافئ والمناطق والجزر اليمنية، الحيوية والاستراتيجية، على العديد من المرافئ في القرن الإفريقي، منها: ميناء جيبوتي، وبوساسو (بونتلاند/الصومال)، وبربرة (أرض الصومال/ الصومال)، وعصب ومصوع (إريتريا)، بالإضافة إلى أنّها تستثمر وتدير عبر شركة موانئ دبي، شبكةً واسعةً من الموانئ والمنشآت البحرية، تُقدَّر وفقًا لموقعها الإلكتروني بـ78 ميناء ومحطة بحرية، تتوزع في نحو 40 بلدًا على امتداد قارات العالم الست.

‎وطبقًا للوقائع الثابتة، فإنه لا حدود للأدوار العدوانية الإماراتية النشطة، التي تحاول من خلالها فرضَ واقعٍ جديد يتناسب مع رؤيتها الأنانية لمصالحها غير المشروعة، التي تقتطعها قسرًا من المصالح المشروعة للمجتمعات الأخرى في المنطقة، ومنها اليمن والسعودية، فمن أجل خلق تهديدات جدية للأهداف الأمنية السعودية في البحر الأحمر، وبهدف اصطناع العديد من أوراق الضغط والمناورة، للمقايضة معها، فقد عمدت الإمارات، طبقًا لتقارير جهات دولية، إلى تفجير نزاع عنيف في السودان، في 15 أبريل/ نيسان 2023، في العاصمة السودانية الخرطوم، وفي عددٍ من المدن السودانية الأخرى، بين الجيش السوداني المدعوم من السعودية من جهة، وبين قوات الدعم السريع، المدعومة من الإمارات، من جهة ثانية، بعد أسابيع من التوتر المتصاعد حول خطة ترمي إلى تسليم السلطة للمدنيين، وامتد القتال في سبتمبر/ أيلول 2023، إلى ميناء بورتسودان، الطريق التجاري الحيوي، بل وأبعد من ذلك، فقد قوضت كافة محاولات الرياض بالاشتراك مع الولايات المتحدة، الرامية إلى وقف النزاع والحدّ من تداعياته منذ اندلاع القتال.

وفي إطار إقليمي أوسع، للأدوار الخارجية الإماراتية العدوانية، من تغذية الحرب في ليبيا، إلى محاولاتها تقويض سلطنة عُمان، وبلدان عربية أُخرى، إلى تدخلاتها في الوضع الداخلي في مصر، وصفقة رأس الحكمة، مرورًا بتسعير العداء مع قطر، ثم اندفاعها للتطبيع المجاني والمُبتذل مع إسرائيل، والعمل الدؤوب طبقًا لمتطلبات إسرائيل الأمنية، على نطاق واسع في المنطقة، التي تتعارض كليًّا مع الحدّ الأدنى من متطلبات الأمن القومي العربي المُشترك، ووصولًا إلى إعلانها إجراءات أُحادية عدوانية في الحدود البحرية مع السعودية، دون أيّ اعتبار لانعكاسات تلك الخطوة المتهورة على مستقبل العلاقات الثنائية، كحلقة من حلقات سلسلة طويلة لعناوين تختزل منظور الإمارات الحقيقي لمصالحها، والتي تُفصِح عن الموجّهات الخطيرة المُضمرة، لذلك المنظور، المُتعارضة كُليًّا مع خُطَى التنمية والنهوض للسعودية، واليمن.

إن ما قدّمته إيران، للعديد من المجتمعات في المنطقة، عبر حلفائها، ليس أكثر من خليطٌ من البارود والنار والأيديولوجيا القاتلة والشعارات المُرسلة، والتشوهات البنيوية والهيكلية والاجتماعية والسياسية والعسكرية والأمنية والثقافية والفئوية والطائفية، وحسب، وهو عينه ما فعلته باليمن.

إيران وأنشطتها وبصماتها التخريبية في اليمن

إنّ الأدوار الإيرانية العدوانية النشطة في اليمن، وفي غير بلدٍ عربيّ، تُشكّل أحد العوامل الرئيسة المؤثرة على الوضع الاقتصادي فيها، وعلى غيره من الجوانب الجيوسياسية؛ لذلك، فإنّ تعريف طبيعة وموجهات وأهداف الأدوار الإيرانية خارج حدودها القُطرية، ومنظورها لمجال أمنها القومي، يتطلب استعراض محطات ووقائع ونتائج أنشطتها التوسعية، التي استهدفت اليمن وغير بلد عربي، تحت لافتة تصدير الثورة، وتحت عنوان الممانعة ومحورها، منذ العام 1979، والماثلة للعيان، في مآلات أوضاع كلٍّ من لبنان وسوريا والعراق، فجُلّ ما قدّمته إيران لتلك المجتمعات، عبر حلفائها، ليس أكثر من خليطٌ من البارود والنار والأيديولوجيا القاتلة والشعارات المُرسلة، والتشوّهات البنيوية والهيكلية والاجتماعية والسياسية والعسكرية والأمنية والثقافية والفئوية والطائفية، وحسب، وهو عينه ما فعلته باليمن، من منظورها لمجال الأمن القومي، ولمُتطلباته، والذي يرى هذه البلدان، مُجرد مساحات للمناورة والضغط، بوسائل خشنة، جعلت من تلك المجتمعات والدول، أضعفَ وأفقر، وأكثر تشظّيًا وانقسامًا، على كل المستويات، وبكل الحسابات، شأن إيران في ذلك شأن كل الدول الإستعمارية الأخرى، مثل بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، ومثل أدواتها الإقليمية، متمثلة بإسرائيل، والإمارات، حيث تحتكم سياساتها الخارجية إلى ميراثها الاستعماري التاريخي، فتؤدّي أدوارها وتدخلاتها خارج حدودها دومًا، إلى نتائج حتمية، تتمثل بإضعاف وتقويض الدول والمجتمعات المُستهدفة، المُصنفة -ويا لسوء حظها- حليفة وصديقة، لتلك الدول المُهيمنة.

ومن خلال دعمها لجماعة أنصار الله (الحوثيين)، وضعت إيران يدها على حصة وازنة من تركة "الرجل المريض"، في اليمن، كطرف في عمليةِ تقاسمٍ لكعكة اليمن، حيث يستأثر بشمالها حلفاءُ إيران، ويستفرد بجنوبها حُلفاءُ الإمارات، في ظلّ حالةٍ من تقاطع وتخادم المصالح، على الطريقة المكيافيلية، وفي إطار نظرية الواقعية السياسية، وبالتدقيق في العمليات العسكرية، على امتداد سنوات الحرب، التي سُكنت، في الأغلب الأعم من الجبهات وخطوط التماس، منذ العام الثاني للحرب، عند حدود ذلك التقاسم، والتي تُفصح عن حقيقة لا لَبس فيها؛ أنّ الخلافات بين أطراف التقاسم، الإقليميين والمحليين، كانت جُلّها، حول حدود ذلك التقاسم، ومسائل ثانوية ذات صلة بالموارد والمنافذ، لا أقل من ذلك ولا أكثر.

والمفارقة التي كشفتها السُّبل الرصينة والمتأنية، التي انتهجها النظام الإيراني، في كلّ مراحل ومحطات تعاطيه مع تداعيات استهداف إسرائيل لقنصليته في دمشق، خلافًا لطبيعته وخطابه، حيث تبين أن النظام الإيراني، يقارب المسائلَ ذات الصلة بمصالحه وأمنه القومي، في المجال القُطري الإيراني، بطريقة مُغايرة كُليًّا، لتكتيكات وخطوط ومسارات الصراع بالوكالة في المنطقة، حيثُ يعمد لحساب كل خطوة تتعلق بالوضع داخل حدوده، بميزان الذهب، بالغ الحساسية والدقة، فقد جنح غير مرة، لامتصاص عمليات استهداف خطيرة، كسرت خطوطه الحمراء المعلنة، تحت عنوان "الصبر الاستراتيجي"، والتزم مرارًا، بأعلى درجات ضبط النفس، وبذل العناية الواجبة لجهة كل ما يحفظ مصالح إيران، ويحقق متطلبات أمنها القومي، ويضمن سلامة مُجتمعها واستقراره، ويُجنّبها ويلات المقامرات والمغامرات والانفعالات والحروب، على النقيض تمامًا من تعامل النظام الإيراني عينه، مع كل ما له صلة بالصراع بالوكالة خارج حدوده، بمعزل عن أي حسابات لمخاطر وتداعيات تلك الخطوات والتفاعلات، المتعلقة بسلامة ومصالح ومخاطر المجتمعات والدول العربية، الخاضعة لسلطة التشكيلات المتحالفة معه، كمسرح متقدم لمناورات واحتدامات مقامرات الحروب والصراعات- بالوكالة، بدعم من إيران، تحت عنوان الممانعة ومحورها، والتي تتدفع فيها تلك التشكيلات، لأعلى مستويات التصعيد، دون أيّ اعتبار للحد الأدنى من حسابات المخاطر والكُلف غير المحدودة، لجهة أمن وسلامة ومصالح واستقرار تلك المجتمعات، ولسلامة معيشتها ورفاهها، وتبرز ارتدادات تلك المفارقة الصارخة، مع انحصار الدعم الإيراني لتلك التشكيلات والجماعات الحليفة، على جوانب التسليح والتجييش والشعارات، مع الإحجام التام، شحًّا ولؤمًا وتنصّلًا، عن أيّ شكلٍ من أشكال الدعم الاقتصادي والتنموي والإغاثي والإنساني، مهما بلغت الأزمات بتلك المجتمعات والدول، التي يمك لأي دعم يُعزز اقتصادياتها، أن يخلق روابطَ مهمة، للمنافع والمصالح المتبادلة، بين تلك التشكيلات وبين الناس الخاضعين لسلطتها، ولحديدها ونارها.

يرتبط طريق الحرير، بأبعاد جيوسياسية، حيث يُعيد، حياكة العلاقات الدولية والاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية؛ ولذلك، فهو أحد أهم العوامل الحاكمة لسياسات وتفاعلات الدول، حول العالم، ومنها دول الشرق الأوسط.

فرص اليمن الواعدة مع طريق الحرير والصين

(إلغاء اتفاقية موانئ دبي، وزيارة هادي إلى بكين، والحرب)

بعد أسابيع، فقط، من إعلان الحكومة اليمنية، في العام 2012، إلغاء اتفاقية مُنحت فيها شركة موانئ دبي تشغيلَ ميناء عدن، ابتداءً من العام 2008، أُعلِن عن إبرام اتفاقية جديدة، مع الصين، لتطوير وتشغيل ميناء عدن، بتكلفة 507 ملايين دولار، بتمويل من الصين، وتشمل عملية التطوير، توسعة وتعميق محطة الحاويات، وبناء رصيف إضافي، وتعميق وتوسعة القناة الملاحية الخارجية، إضافة إلى تعميق وتوسعة القناة الملاحية الداخلية، وهي أعمال تطوير، بنظر الشركة الصينية لهندسة الموانئ المحدودة، وبالشراكة مع مؤسسة موانئ خليج عدن. وقد كانت تلك الاتفاقية، إحدى اتفاقيات التعاون، الموقعة على هامش زيارة الرئيس هادي، منتصف نوفمبر/ تشرين الثاني 2013، إلى عاصمة جمهورية الصين الشعبية، بكين، أجرى خلالها مُباحثات مع الرئيس الصيني، شي جين بينغ، وتم التوقيع على عددٍ من الاتفاقيات الاقتصادية والاستثمارية.

وتزامنت، تلك الزيارة الهامّة، للرئيس هادي، إلى الصين، وتوقيع عددٍ من الاتفاقيات، بين الجانبين، مع إعلان الرئيس الصيني لمبادرة طريق الحرير، وهو تزامن له دلالاته الواضحة، الكافية، لتفسير الأدوار الإماراتية التقويضية والعدوانية في اليمن، التي ركزت على المساحات اليمنية، المُطلّة على البحر الأحمر، وباب المندب، والمحيط الهندي، بالإضافة إلى مناطق مهمة، تتركز فيها الثروات الطبيعية، وإلى مساحات ذات دلالات جيوسياسية، وثيقة الصلة بمجال مصالح اليمن والسعودية، ومجال أمنهما القومي، وتتضارب كليًّا مع منظور الإمارات لمصالحها، حيث ترتبط الأدوار الإماراتية، خلال الحرب في اليمن، ومقدماتها، وأدوارها التقويضية، في غير بلد في المنطقة، بعوامل ذات بُعد اقتصادي وجيوسياسي إقليمي ودولي، وعلى رأسها حركة المصالح في إطار مبادرة "طريق الحرير"، بوصفه مشروعًا واعدًا، يمثل رؤية الصين، للعالم، بأبعاد متعددة.

وطريق الحرير، هو مشروع أعلنه رسميًّا، الرئيس الصيني، شي جين بينغ، لأول مرة، عام 2013، وأطلقه رسميًّا في مارس/ آذار 2015، باسم "الرؤية والتحرك"، وهو عبارة عن شبكة واسعة، من العمليات الضخمة، تشمل طرقات برية، رئيسية وفرعية، تتضمن شبكة من الجسور الضخمة، وشبكة من سكك ومحطات القطارات السريعة، بالإضافة إلى شبكة من الممرات البحرية وخطوط الملاحة، والموانئ والمرافئ الإقليمية العملاقة، والبنية التحتية، وهو مشروع استراتيجي، يربط بين قارات العالم الثلاث، ويغطي أكثر من 72 دولة؛ 75% من سكان العالم.

وبالإضافة إلى ما سبق، فطريق الحرير، منظومة متكاملة، من المدن الصناعية، والأسواق الحرة، والسدود العملاقة، وتقنيات الزراعة، وخطوط إنتاج ونقل الكهرباء، وخطوط نقل النفط والغاز، وتبادل السلع والخدمات. يستند المشروع إلى هيئة سياسية دولية، جديدة، تحت عنوان مجموعة دول البريكس، بوصفه تحالفًا دوليًّا جديدًا.

ورغم أهمية البعد الاقتصادي، لطريق الحرير، فهو مرتبط، أيضًا، بأبعاد جيوسياسية، حيث يُعيد فعليًّا، حياكة العلاقات الدولية، الديموغرافية، والاقتصادية والسياسية، والثقافية والاجتماعية؛ ولذلك، فهو أحد أهم العوامل الحاكمة لسياسات وتفاعلات الدول، حول العالم، ومنها دول الشرق الأوسط، وعلى رأسها السعودية واليمن، وبينهما الإمارات وإيران، وأدوارها المنسقة، في إطار حالة من تقاطع المصالح فيما بينها، وحالة من تعارض المصالح مع اليمن والسعودية والصين ومشروعها الاقتصادي العابر.

من المهم للغاية، العمل على خلق مسارات مناقشات ومفاوضات مُعمقة، ذات أبعاد اقتصادية، تشمل كافة أطراف الصراع، والقوى والمكونات، وأصحاب المصلحة والفاعلين العديدين، تُفضي إلى اتفاق إطاري، لضمان وقف الصراع الاقتصادي، كأساس لبناء استراتيجية وطنية توافقية لعمليات ومسارات الإصلاح.

الاستخلاصات

مع التأكيد على أهمية المفاوضات السياسية والعسكرية والأمنية، التي يُيّسرها المبعوث الأُممي إلى اليمن، فإنّ من المهم للغاية، العمل على خلق مسارات مناقشات ومفاوضات مُعمقة، ذات أبعاد اقتصادية، تشمل كافة أطراف الصراع، والقوى والمكونات، وأصحاب المصلحة والفاعلين العديدين، في الوضع باليمن، تُفضي إلى اتفاق إطاري، لضمان وقف الصراع الاقتصادي، كأساس لبناء استراتيجية وطنية توافقية لعمليات ومسارات الإصلاح الاقتصادي الشامل، تضع خارطة طريق دقيقة لخطوات مسار الاقتصاد الوطني، على المدى القريب والمتوسط والبعيد.

ويتطلب إنجاز ذلك، عقد مؤتمر حوار اقتصادي، مُتخصص، يتضمن دراسة وتشخيص مشكلات الاقتصاد اليمني، السابقة للحرب اليمنية، والمرتبطة بها، بالإضافة إلى إنجاز عملية مراجعة لأولويات الإصلاح الاقتصادي، وصولًا إلى بناء استراتيجية وطنية شاملة، توافقية، للإصلاح الاقتصادي، بالإضافة إلى إنجاز العديد من الخطط والسياسات التنفيذية، ونضع في هذه التناولة جُملة من المُقترحات، المُستخلصة من البحث في عددٍ من التقارير والدراسات والتجارب، وهي:

• العمل على مسار إصلاح شامل وجذري للهياكل والبُنى والآليات والسياسيات والإجراءات والعمليات الإدارية والمالية والتشغيلية واللوجستية الحكومية، طبقًا لمبادئ الحوكمة والإدارة الجيدة، ولمتطلبات النزاهة والشفافية، ومكافحة الفساد، والمُساءلة.

• تعزيز وتفعيل آليات الرقابة والتدقيق، وتحسين النزاهة والشفافية، ومكافحة الفساد، والمساءلة.

• العمل على بناء تصور دقيق لإنجاز سلسلة من الإجراءات النقدية والمالية، التي تساهم في عمليات التعافي الاقتصادي، وتقليص التضخم، والحدّ من البطالة، وتحسين ميزان المدفوعات.

• التطوير المستمر لأنظمة الموازنة العامة، عبر وضع إدارة مالية عامة مرنة وسريعة الاستجابة للمتغيرات، بالإضافة إلى التركيز على أنشطة تحقيق الاستدامة المالية، وتنوع الاقتصاد، وتطبيق موازنة البرامج في إطارٍ ماليّ متوسط الأجل، ممّا يعزز ضبط الموازنة ويزيد كفاءة إدارة إنفاق المال العام.

• تطوير سياسات وخُطط تستند إلى برنامج الإصلاح الاقتصادي، تركّز على: تحسين نظام الموازنة، وتعزيز تنمية القطاع الزراعي، وتحسين الخدمات العامة، وعلى بناء نظام إدارة عامة حديث.

• تصميم استراتيجية وطنية شاملة للحدّ من الإنفاق الحكومي، وحصره على البنود الضرورية، ومراجعة وإصلاح جودة ونزاهة عمليات وآليات وإجراءات الإنفاق الضرورية.

• تصميم خطة وطنية لزيادة مساعدات المانحين الخارجيين، وتعزيز القدرات الوطنية لاستيعاب المنح والمساعدات الخارجية، طبقًا للمعايير الفُضلى للشفافية والنزاهة والكفاءة والجودة.

• بناء استراتيجية وطنية لزيادة حجم الاستثمارات الحكومية والخاصة، الداخلية والخارجية.

• العمل على بناء تصور لتأسيس صندوق استثماري سيادي.

• العمل على بناء برامج وطنية لمعالجة الاختلالات في مؤشرات النوع الاجتماعي وسُبل تمكين وإدماج النساء في عمليات التنمية والاقتصاد.

• وضع آلية لتحديد معايير ومبادئ توزيع كُلف عمليات الإصلاح الاقتصادي الشامل، على مختلف الفئات الاجتماعية بصورة عادلة ومتناسبة ومراعية للفئات الضعيفة والمهمّشة.

• العمل على إصلاح وتحديث بيئة الاستثمار، وعلى استقطاب الاستثمارات الخارجية، والتركيز على دعم المشاريع الاستثمارية الصغيرة والمتوسطة للقطاع الخاص، وتقديم كافة التسهيلات والحوافز اللازمة لها.

• تقديم تسهيلات وحوافز للاستثمارات في قطاعات الإسكان والعقارات، ووضع آليات فعّالة لتعزيز قدرة كافة الفئات على تأمين سكن مُلائم.

• تقديم تسهيلات وحوافز للاستثمار والتصدير في قطاع التعليم والتأهيل، وفي القطاع الزراعي، وقطاع تخزين وإدارة المياه، وفي قطاع الثروة السمكية، وفي قطاع الطاقة النظيفة، وفي قطاع التعدين، وفي قطاع التكنولوجيا والتحول الرقمي، وقطاع السياحة، وفي قطاع الصناعات التحويلية.

• بناء آليات للتسليف والتمويل البنكي، وتسهيلاته للأفراد والشركات والمؤسسات.

• إصلاح المنظومة العمّالية في القطاع العام والمختلط والخاص، طبقًا لاستراتيجية وطنية تعمل على إعادة صياغة أُطر العلاقات العُمّالية والوظيفية، وتحديد حدٍّ أدنى للأجور وفق عقود إلزامية تضمن كافة الحقوق العُمّالية، وخلق آليات تأمين اجتماعي وآليات تأمين صحي، تشمل كافة قطاعات العمل، بالتزامن مع خُطط وبرامج خلق فرص عمل جديدة للشباب.

• إنجاز عمليات إصلاح في القطاع الضريبي والزكوي والجُمركي وفي كافة الأوعية الإيرادية.

• مراجعة وإصلاح وتحديث كافة آليات قطاع الأوقاف.

• مُراجعة وإصلاح آليات التعقير.

• التركيز على إصلاح وتطوير قطاع التعليم ورفع جودته وكفاءته ومخرجاته بصورة تلبي متطلبات سوق العمل وتطوراته داخل اليمن وخارجها، وتصميم نظام للمنَح والتمويل والقروض التعليمية.

• العمل على ضمان الشمول الجغرافي والفئوي والمؤسساتي في كافة عمليات الإصلاح الاقتصادي، لكامل مناطق اليمن بحضرها وريفها، مع التركيز على التنمية الريفية وعلى تمكين النساء وتعزيز الفئات الضعيفة.

• تصميم استراتيجية وطنية لعمليات إعادة الإعمار والتعافي.

• تصميم برامج وطنية لآليات وسُبل جبر ضرر ضحايا الحرب ودورات الصراع ومعالجة آثارها.

• العمل على إنجاز تخطيط حضَريّ حديث في إطارٍ يعالج إشكالية العدد الكبير للتجمعات السكانية الريفية الصغيرة والمتباعدة، وللتشوهات والاختناقات في هذا القطاع.

• تصميم آليات فعّالة لتسعير السلع الأساسية للمستهلكين للحدّ من ارتفاع قيمتها والحفاظ عليها عند مستوى عادل في إطار سقف القدرة الشرائية لكافة فئات المجتمع، وبما يُلائم معدل الأجور.

• العمل على معالجة اختلالات ميازين التبادلات التجارية بين اليمن وبين الدول الأخرى.

• تصميم استراتيجية وطنية شاملة لعملية تحول رقمي وتكنولوجي والذكاء الاصطناعي.

• وضع آليات فعّالة لتحفيز أنشطة المسؤولية الاجتماعية للقطاع الخاص.

• العمل على استراتيجية وطنية لمواجهة آثار التغيُّرات المناخية، وخطط التحول إلى المسارات الاقتصادية الخضراء الصديقة للبيئة.

• وضع آلية تضمن فاعلية وكفاءة أنشطة وبرامج مؤسسات المجتمع المدني، بهدف تعزيز حرية تسجيلها وحرية أنشطتها.

• وضع آليات فعّالة لتوسيع دائرة المشاركة العامة في صناعة القرار، وفي عمليات الشفافية والرقابة والمساءلة، في إطار نظام ديموقراطي، ومؤسسي، مُحتكم لسيادة القانون.

• إصلاح قطاع الأمن وفق استراتيجية وطنية تنهض بالقطاع الأمني وتعالج كافة الاختلالات في القطاع، بهدف ضمان تأدية المهام الأمنية في إطار سيادة القانون وحقوق الإنسان، ومبادئ حوكمة قطاع الأمن الخاضع للرقابة والمساءلة.

• إصلاح السلطة القضائية وفق استراتيجية وطنية تهدف إلى تعزيز استقلالية ونزاهة القضاء، وتعزيز كفاءة المؤسسات العدلية في تحقيق العدل.

• العمل على بناء استراتيجية وطنية لحقوق الإنسان.

• بناء برامج للنهوض بقطاعات الثقافة والإعلام.

مراجع ذات صلة:

  • "تقرير النتائج القطرية للأمم المتحدة في اليمن 2022"، صادر عن الأمم المتحدة، في 19 أبريل/ نيسان 2023.
  • "معلومات مستكملة عن الأبعاد الاقتصادية للنزاع في اليمن: التقييم الأولي"، صادر عن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، بتمويل من الاتحاد الأوروبي في 2021.
  • "المستجدات الاقتصادية والاجتماعية في اليمن2021"، صادر عن وزارة التخطيط والتعاون الدولي في عدن، في مايو/ أيار 2021.
  • "تقييم تأثير الحرب على اليمن، مسارات التعافي"، صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، في 2021.
  • "الأبعاد الاقتصادية للصراع في اليمن: التقرير النهائي"، صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والاتحاد الأوروبي، في 19 ديسمبر/ كانون الأول 2022.
  • "الأمم المتحدة في اليمن، التقرير السنوي 2023"، صادر عن الأمم المتحدة، في 30 أبريل/ نيسان2024.
  • "المستقبل: بارقة أمل في أوقات قاتمة"، تقرير صادر عن البنك الدولي في 30 مايو/ أيار 2023.
  • "التوسط في وقف إطلاق النار في الصراع الاقتصادي في اليمن"، صادر عن مجموعة الأزمات الدولية، في 20 يناير/ كانون الثاني 2022.

•••
عبدالرشيد الفقيه

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English