عيد الاستقلال في عيون الشباب

كيف يرى شباب الألفية الثالثة أحداث التاريخ الوطني؟
صلاح الحقب
November 30, 2020

عيد الاستقلال في عيون الشباب

كيف يرى شباب الألفية الثالثة أحداث التاريخ الوطني؟
صلاح الحقب
November 30, 2020
عبدالرحمن الغابري ©

 في ظل تباينات المرحلة الراهنة في الواقع اليمني، الذي يشهد اضطرابًا شديدًا على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي، وبعد سنوات من النزاع المستمر، يجد الشباب أنفسهم عالقين في هذا الصراع مع آمال وأحلام تخلقها الحاجة ويحيلها الواقع على مستقبل مجهول. وبالرغم من ذلك، يبقى تاريخ البلد حاضرًا في نفوسهم بارتباط وثيق بينهم وبين ماضيهم. 

منصة "خيوط" سلطت الضوء على مدى ارتباط الشباب اليمني بتاريخ البلد ومعرفتهم بتواريخ الأحداث المفصلية؛ مجموعة من الشباب والشابات في عدن يتحدثون عمّا يعرفونه عن عيد الاستقلال الوطني 30 نوفمبر/ تشرين الثاني 1967.
    في قلب صناعة هذا الحدث الكبير-مدينة عدن- لا تغيب ملامح 30 نوفمبر عن أهالي المدينة على اختلاف أعمارهم. لم يكن هذا التاريخ مجرد أرقام لحدث عابر يجهله الشباب تحديدًا، بل تجسدت هويته في ذواتهم بإدراك فعلي لتفاصيله، وفهم دقيق لأبعاد هذه الثورة.
    تقول سحر عبدالله، طالبة محاسبة بجامعة عدن، في حديثها لـ"خيوط":
"30 نوفمبر عيد استقلال الأراضي الجنوبية من الاستعمار البريطاني، كانت عدن محط أنظار الكثير من الدول لأهمية موقعها الجغرافي، وحتى يسهل عليهم احتلالها، أخذوا غرق سفينة "داريا" الهندية التي تحمل العلم البريطاني في أحد موانئ عدن، كذريعة للاحتلال".
وأضافت: "مع سماع خطاب الرئيس جمال عبدالناصر وأغاني الثورة، ظهرت حركات المقاومة الجنوبية حينها". 

     وفي استطراد عن ثورة 14 أكتوبر، بامتدادها الأصيل لعهد تحرر جديد توثقت عراه في 30 نوفمبر، تقول حنان اليافعي، طالبة إذاعة وتلفزيون بجامعة عدن: "30 نوفمبر هو عيد الجلاء، وذكرى خروج آخر جندي بريطاني من عدن، وامتداد لثورة ١٤ أكتوبر".

    أما عن الأهمية التي تجمع هذا الحدث بسابقه، تضيف حنان: "حدثان هما الأعظم في تاريخ الجنوب، ونوفمبر عهد جديد للحرية التي أعلن الثوار على ضوئها النصر والاستقلال بجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، والتي ترأسها آنذاك قحطان الشعبي". هي لا تعرف ربما الاسم الأول للجمهورية بعد الاستقلال، لكن الوقوع في هذا الخطأ الشائع ليس محصورًا في الشباب فقط، فهناك كثيرون ينسون أو لا يعرفون أن تسمية الجمهورية التي ترأسها قحطان الشعبي، كانت "جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية".

  لا يقتصر الأمر عند بعض الشباب بالمعرفة العامة عن الثورة والاستقلال، بل شارك الكثير منهم في إحياء ذكراها بأعمال مختلفة تخلد هذا الحدث. المونتير محمد الشعيبي، طالب صحافة وإعلام بجامعة عدن، يقول في حديث لـ"خيوط ": "أتذكر العديد من المشاهد التي مرت عليَّ عن تاريخ الكفاح وما صاحبه في مسيرة النضال الثوري، لطالما استوقفتني لقطات التقطتها كاميرات الإنجليز للمناضلين في لحظات خروج الناس في مسيرات سلمية تجوب شوارع العاصمة عدن".
ويضيف: "ورغم ما كانت تتعرض له من قمع، إلا أنهم واصلوا مسيراتهم التي تحولت بعد ذلك إلى كفاح مسلح استمر لعقود حتى لحظة استسلام الإنجليز وإنزالهم للعلم البريطاني، وجلاء آخر جندي بريطاني من عدن في 30 نوفمبر من عام 67." على الرغم من أن فترة الكفاح المسلح من الثورة إلى الاستقلال، كانت أربع سنوات، إلا أن الشاب محمد الشعيبي يبدو مهتمًا بتاريخ الحدثين الوطنيين، ويعي تضحيات الأبطال الذين صنعوهما.


    في 30 نوفمبر انفتح الشعب في الجنوب على العالم المحيط، راسمًا حدود دولته ومتخذًا مقعده في الأمم المتحدة، مبتدئًا حياة جديدة


    ميلاد الثورة هوية ومعنى

     توالت الأحداث منذ انطلاق ثورة أكتوبر، وتغير الواقع بطبيعته بصور مختلفة؛ عهد جديد شهدته الدولة، وحروب توالت وصراعات عديدة، إلا أن مسار نوفمبر ظل ثابتًا في كيان جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. وحتى الآن ما تزال معانيها تأخذ أبعاد التمجيد في نفوس المواطنين في الجنوب، ورغم كثير من المفارقات التي خلقها الواقع بطبيعة الأزمات التي من شأنها أن تفصل الشباب عن تاريخ نوفمبر وما يمثله لهم العيد الوطني في ذكرى الثورة والاستقلال، إلا أن كثيرًا من الشباب يعظمون هذه الذكرى، بينما قلة منهم إما يشعرون بالأسى حيال مستقبلها أو يشعرون بالتجرد من أي معنى تمثله لهم.

    في هذا السياق تحدث لـ"خيوط" حسين الأنعمي، طالب صحافة جامعة عدن، مشيرًا إلى الأهمية الكبيرة التي يمثلها 30 نوفمبر: "في30 نوفمبر انفتح الشعب في الجنوب على العالم المحيط، راسمًا حدود دولته ومتخذًا مقعده في الأمم المتحدة، مبتدئًا حياة جديدة. حياة حافلة بالرقي والازدهار والتنمية، على الرغم من حرمانه من التعويضات المستحقة، إزاء تشدد وفد الجبهة القومية في مفاوضات الاستقلال بمدينة جنيف".
    وأضاف: "تمكن الشعب الجنوبي من الوقوف على قدميه، وشرع يشق مستقبله نحو إنجازات عظيمة، أهمها في مجال التعليم والصحة والنظام والقانون".
    يعبر الكثيرون عن انتمائهم لنوفمبر وقد توارثوا أبعاد الحرية التي جسدها نضال الثورة في أرواحهم بتاريخ أصيل. يقول علي القباطي، مواطن من أهالي عدن، لـ"خيوط" عن 30 نوفمبر: "حدث مجيد، نعتز به، ومن أعظم الأحداث التي غيرت مجرى التاريخ في جنوب اليمن"، ويستأنف القباطي واصفًا الحدث: "فتح بوابة الضوء للحرية من الاستعمار البريطاني البائد، وبشارة الاستقلال التي شكلت مرحلة تأسيس الدولة الوطنية". وفي ذات السياق، يقول سعيد المحثوثي، مواطن من أهالي عدن أيضًا: "عرّفنا حدث 30 نوفمبر ما هو الوطن، وكيف نبدي انتماءنا للوطن والولاء الحقيقي، بدافع الحرية".

    وعن 30 نوفمبر كذكرى، أو عيد وطني بالأصح، يقول رائد حمود، طالب هندسة حاسوب بجامعة عدن: "يجب أن يستحضر المواطنون هذه المناسبة الخالدة ليتذكروا تضحيات أجدادهم وتاريخ مجدهم العريق، لعل ذكرى الاستقلال تكون إيذانًا ببدء مرحلة جديدة من الانعتاق". وكحال الكثير من الشباب المتمسكين بالآمال التي ترسمها الذكرى الوطنية لكل ثورة، يضيف رائد: "الواقع يزداد قتامة بعد تاريخ حافل بالنضال، لعل هذه الذكرى تعيد الوعي الثوري لدى الشباب، نحن بحاجة إلى وطن ذا كيان ثابت ومستقر".

تضارب آراء

     بالمقابل، يبدي قلة من الشباب استياءهم من حدوث الثورة والاستقلال، لكنه فعليًا، استياء مرتبط بحقوق وامتيازات المواطنة، وبالتوق للاستقرار. إذ يأتون على ذكر واقع الحياة الذي مرت به الدولة الجنوبية، ومدينة عدن تحديدًا بعد الاستقلال، ويقفون عند ماضي الاستعمار والحياة التي كان يعيشها المواطنون، وفق ما علموه من الآباء والأجداد، وتمتد بهم هذه المقارنات إلى واقع الحياة الآن، فلا يجدون بدًّا من الأسف والتأسّي على ماضٍ كان وانقضى عهده. 

على المستوى الشخصي، يعي غالبية الشباب مقاصد الثورة، ويستحضرون تاريخها ومساراتها الوطنية، وحتى الذين لا يرون جدوى في الثورة، يكتفون بمعرفة هذا الحدث بشكل توجزه هذه العبارة: "إنه عيد الاستقلال الوطني، وذكرى خروج آخر جندي بريطاني من عدن".

    تقول إيمان خالد، وهي طالبة إدارة أعمال بجامعة عدن، ولا تزال في العشرينات من عمرها: "كنت قد كتبت رسالة طويلة إلى الملكة "إليزابيث" ذات يوم، منها: إننا منذ طردناكم من هنا، ونحن نعاني معاناة لم نشعر بها أبدًا في زمن احتلالكم"، وتضيف: "لم يسمع الناس آنذاك رجلًا قتل نفسه وأهله خشية الفقر، أو طفل يحلم أن يعيش بسلام".

    يتشابه الأمر بطريقة أو بأخرى، عند مجموعة أخرى من الشباب، إذ يرون أن توقيت الثورة كان توقيتًا خاطئًا، وأن الحياة لو استمرت على ذاك الحال قبل الاحتلال، لكانت المدينة واقفة بحالتها البدائية، ولَما شهدت نماءً أو تطورًا قط، في شتى جوانب الحياة، وأن الاحتلال البريطاني منح عدن "حياة المدينة".
يقول أنور قائد، طالب لغة عربية بكلية الآداب جامعة عدن: "ما الذي صنعناه بعد خروج الاستعمار؟ نحن غير جديرين ببناء الطرقات وإعمار المدن، فما بالك ببناء وطن يشبه بقية الأوطان!"،
فيما اكتفت، طالبة اللغات، دعاء محمد بالقول: "هي ثورة ضد الاستعمار البريطاني، ولم أهتم بتفاصيلها، ولا أجد أي معنى قد تمثله لي، مستقبلنا ما يزال مجهولًا حتى اللحظة".

    وفي محصلة استطلاع الآراء هذا، يتفق الجميع حول أن 30 نوفمبر حدث تاريخي غير منسي في عدن، وأن الجميع مرتبطون بتاريخ البلد بطريقة أو بأخرى، إذ لا تغيب عنهم ملامح الثورة والاستقلال في كثير من المحافل. وعلى المستوى الشخصي، يعي غالبية من الشباب مقاصد الثورة، ويستحضرون تاريخها ومساراتها الوطنية، وحتى الذين لا يرون جدوى من الأثر الذي تمثله الثورة أو لم يعيروها اهتمامًا، يكتفون بمعرفة هذا الحدث معرفة أصيلة، وبشكل توجزه هذه العبارة: "إنه عيد الاستقلال الوطني، وذكرى خروج آخر جندي بريطاني من عدن". بهذا تبقى الثورة حاضرة بتاريخ يتوارثه أهالي المدينة جيلًا بعد جيل. 

   أما ما يجدر أخذه بعين الاعتبار فعلاً، فهي آمال وأحلام الشباب، التي إما ستعزز ارتباطهم الوجداني بأحداث التاريخ الوطني لليمن في حال تحققت، أو ستبقى غصة في تكوينهم الفردي وعائقًا أمام أي نهضة يمكن أن يسهموا فيها لأجل اليمن. إنها أمور ترتبط بشكل وثيق، بتحقق شروط المواطنة والحياة الكريمة.


•••
صلاح الحقب

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English