المرأة اليمنية.. نضال مغلّف بالعار

257 سنة متوسط الزمن اللازم لسد الفجوة بين الجنسين
صهيب الأغبري
March 8, 2021

المرأة اليمنية.. نضال مغلّف بالعار

257 سنة متوسط الزمن اللازم لسد الفجوة بين الجنسين
صهيب الأغبري
March 8, 2021

تاريخ اضطهاد الإنسان على أساس النوع، بدأ منذ بداية خروج الإنسان العاقل إلى الحياة، فتمكّن الذكر من المهام المسيطرة والتي تحتاج إلى قوّة بدنية من الصيد والقتال، مكنته من السيطرة وفرض قواعده على الأنثى، التي اقتصرت مهامها على مهام الضعف، كالعناية بالأطفال أو تحضير الطعام.

تجعل هذه البداية المحزنة، التي بدأت قبل مئات آلاف السنين، من قصة اضطهاد المرأة عنوانًا إنسانيًّا شاملًا، مثلت القوانين الذكورية فيها الدور الأبرز على مرّ العصور في التاريخ. من تلك البداية لم يلفت بشكل حماسي أو جدّي إلى قضية المرأة ورفع التمييز عنها إلّا برمي فُتات رفع الكبائر ورش حبّات "الصبر" عليها.

وتمر قصص "استثنائية" عن دور المرأة في التاريخ، كانت رذاذ أمل على مشاركة هذا النوع للحياة في التاريخ الممتد شرقًا وغربًا، من العالم اليوناني القديم إلى مصر الفرعونية والهلنستية؛ فتيات أرتميس المستقلّات، وأسماء تتناثر هنا وهنا، من كليوبترا إلى هيباتيا، لعبت من خلال هذه الشخصيات المرأة دورًا كبيرًا، لكنه ظلّ دورًا تابعًا أو ميثولوجيًّا أو انتهى بشكل مأساوي.

جاءت حركات الدفع بقضايا المرأة بشكل حقيقي بعد الثورة العلمية التي شهدتها أوروبا بعد عصر النهضة، فكانت بوادر حرّكتها المعرفة لإخضاع التمييز النوعي الاجتماعي أمام العلم.

وفي اليمن التي تبتلع أقراص التمييز الاجتماعي منذ مئات السنين، ظلّت تحتفظ بملكة سبأ كرمزيّة مهمة على دور المرأة في التاريخ اليمني القديم، وما زالت تحتفظ بلقب آخِر بلد عربي حكمته امرأة، إبان حكم الدولة الصليحية في اليمن، من فترة حكم الملكة أروى الصليحية. هي هذه البلاد نفسها التي زينت معابدها وقصورها نقوش وتحف لا محدودة لنساء سلطويات وفنانات ومزارعات قبل آلاف السنوات. تخضع المرأة اليوم لجميع أشكال التمييز النوعي ضدها، فما زالت هي الحرمة ذاتها، والعار الذي يخجل الذكر من التفوّه حتى باسمها!

تاريخيًّا لم تخضع المرأة تمامًا في اليمن، فكانت تبدي بعض صور الرفض من فترة لأخرى في بعض أحداث شحيحة. للعودة إلى التاريخ الحديث، يذكر البردّوني قصصًا مثيرة عن شكل هذا الرفض، فيذكر في كتابه "الثقافة والثورة في اليمن" قصة هروب سبع فتيات من صنعاء في الأربعينيات كنّ متوجهات إلى عدن ضبطن في حملة تفتيش حازمة على الطريق. وأعاد البردّوني سبب هروبهن لبغية تسجيلهن الأغاني حيث كانت ممنوعة في صنعاء. وفي عدن ثارت المرأة حينها على وضعها في المجتمع، وقامت العديد منهن في مواقف مختلفة، بإحراق "الشيذر" (العباءة) كرمزية لرفض الخضوع.

دفعت هذه الأحداث الصغيرة، والكبيرة، في وجهة نظر مجتمع ذاك العصر، إلى التفكير بتوجيه المرأة ثقافيًّا من جديد، وكان للذكر، كما العادة، نصيب هذا "التثقيف". إثر ذلك أُلِّف كتابان بدفع ذاتي أو سلطوي، أحدهما للواسعي في صنعاء بعنوان "البرهان والحجة في وجوب طاعة الزوجة"، والآخر في عدن للبيحاني بعنوان "أستاذ المرأة".

تعتبر اليمن مثالًا مروّعًا على المدى الفلكي للفجوة بين الجنسين؛ فعلى سبيل المثال تمثّل مشاركة المرأة في البرلمان نحو ٠٫٣٪؜ في المقاعد البرلمانية، ونحو ٦٫٥٪؜ نصيبها في الحقائب الوزارية

اختلف الوضع بعد الثورتين (سبتمبر 1962 وأكتوبر 1963)، فكان وضع المرأة يمشي بثبات إلى الأحسن، فظهرت مشاركة المرأة بشكل أوسع في جميع المناحي، منها الإعلام والتعليم بشكل أبرز، وكان أكثرها وضوحًا في جنوب اليمن. ومع ذلك لم تصل إلى التكافؤ الحقيقي ولو بصورة ضئيلة، فكفاحها ظلّ مريضًا بكل أنواع الأبوية السلطوية الذكورية من حولها، حال ذلك دون تحقيق المرأة لدورها بشكل مثالي.

وإلى اليوم في ظل النزاعات المستمرة في اليمن، باتت قضايا المرأة مهملة، تنكشها بعض الحركات النسوية المواجهة بالرفض المجتمعي بشكل كبير، في انتظار مستمر لتحقيق جزء حقيقي من دور المرأة اللازم في المشاركة في مناحي الحياة في اليمن. تأتي اليوم اليمن في المرتبة الأخيرة بين دول العالم في تقرير المؤشر العالمي للفجوة بين الجنسين لعام ٢٠٢٠، للمرة الـ١٤ على التوالي.

يلعب الذكر في المجتمعات الذكورية -منها اليمن- دور المالك للأنثى بشكل أو بآخر، ويأتي كل هذا من تكتل ثقافي عمره الأزل، تحاول المجتمعات العالمية التخلّص منه اليوم بقتال مستميت مع مخلفات الزمن منذ زمن ظهور الإنسان العاقل. 

بحسب تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي في جنيف، فإن سد الفجوة بين الجنسين في المتوسّط للدول المصنّفة كـ"عالم أول"، تحتاج لما يقارب ١٠٠ سنة من العمل المتواصل. أما في الشرق الأوسط فالرقم أكثر من ضعف هذه المدة، إذ يفيد تقرير المؤشر أن المجتمع الشرق أوسطي قد يحتاج إلى ٢٥٧ سنة، كمتوسط لسد الفجوة نفسها، هذا إن عمل على ذلك من الأساس. وتمثّل اليمن مثالًا مروّعًا على المدى الفلكي لهذه الفجوة بين الجنسين، فعلى سبيل المثال تمثّل مشاركة المرأة في البرلمان نحو ٠٫٣٪؜ في المقاعد البرلمانية، ونحو ٦٫٥٪؜ نصيبها في الحقائب الوزارية.

يأتي هذا على المستوى العام الرسمي الذي يفترض أن يكون أكثر حرصًا في هذا الجانب، ويمكن أن نتخيّل من خلاله كيف سيكون وضعها مجتمعيًّا وعلى المستوى غير الرسمي. عملت الحكومات المتتابعة والمختلفة إلى اليوم، بضغط من المجتمع الدولي، على معالجة أكثر الجرائم بشاعة ضد المرأة من تعنيف وتزويج من دون اختيار دون السن القانونية وغيرها، كان آخرها قضايا تعنيف اشتهرت على المستوى العام. لكن المعالجات اقتصرت بآليات رسمية، وفق ضوابط لا تشمل عملية التثقيف المجتمعي الشامل والجذري لأهمية سد الفجوة بين الجنسين. تظلّ المرأة إلى اليوم قضية إنسانية مؤرقة، من معالجة ما ورثه الإنسان عبر آلاف السنين من تمييز مخجل ضد المرأة، والفرق اليوم بين المجتمعات الدول فقط يتمثّل في وضع هذه القضية ضمن الأولويات أو في الهامش.


مصادر:

  • تقرير مؤشر الفجوة العالمية بين الجنسين 2020، المنتدى الاقتصادي العالمي، جينيف، سويسرا، 2020:

https://docs.euromedwomen.foundation/files/ermwf-documents/9063_6.2.globalgendergapreport2020(eng).pdf?fbclid=IwAR1Ger6lt4rDdlmOFguiXiTGQNjuJnK9wMjjdA50uG4CtQbwncpllvI6Xw0

  • الثقافة والثورة في اليمن، عبد الله البردّوني، 1991 – كتابان عن المرأة، ص 153.
  • العاقل: تاريخ مختصر للنوع البشري، يوفال نوح هراري.
  • تقرير منظمة العفو الدولية: اليمن: أسوأ البلدان في العالم للنساء.

https://www.amnesty.org/ar/latest/campaigns/2019/12/yemen-one-of-the-worst-places-in-the-world-to-be-a-woman/?fbclid=IwAR07FaJXuxiVPWGDJzLY5ghBlK-Lqu57u6XIJ4M6GNeVopY1kp6gpFuF1AU


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English