نوفمبر.. أحداث كبرى في اليمن

عن الاستقلال والثورة في مسيرة بناء الدولة
عبدالباري طاهر
November 30, 2020

نوفمبر.. أحداث كبرى في اليمن

عن الاستقلال والثورة في مسيرة بناء الدولة
عبدالباري طاهر
November 30, 2020
© الارشيف البريطاني

 - الحدث الأول: انقلاب الـ5 من نوفمبر 1967؛

 - الثاني: الثلاثون  من نوفمبر 1967، يوم الاستقلال؛

 - أما الثالث: فبيان الثلاثين من نوفمبر 1989.


    نستعيد الذكرى الثالثة والخمسين من انقلاب 5 نوفمبر، بقدر من الدرس والعظة والاعتبار، ونقرأ ذكرى الاستقلال بنوع من الفرح والإحياء، شأن البيان المؤسس للوحدة في ذكراه الواحدة والثلاثين.

    لم يكن انقلاب الـ5 من نوفمبر 1967، ثمرة كريهة من ثمار هزيمة 67، ضد الثورة العربية القومية فحسب، وإنما هو أيضًا تعبيرٌ عميق ومكثف عن الأخطاء والانحرافات في مسيرة الثورة اليمنية في الـ 26 من سبتمبر 1962، والانحرافات الأخطر والأكبر في الثورة العربية في مصر 1952، وصراعات الثورة القومية.

    الضباط الصغار الذين فجروا ثورة 26 سبتمبر في صنعاء، كانوا شديدي الإخلاص والحماس وصدق الولاء للوطن وللقومية العربية، وتنقصهم الخبرة والتجربة والمعرفة والإدراك لطبيعة الأوضاع اليمنية وتعقيداتها، والصراع الاجتماعي والسياسي في بعديه القومي والدولي.

    عندما قامت الثورة كان الوطن منقسمًا بين سلطة آل حميد الدين، وبين الاستعمار البريطاني في الجنوب، وإذا ما فككنا القوى السياسية في الشمال، والفاعلين الأساسيين؛ فإن سلطة آل حميد الدين ذات الطبيعة السلالية والانتماء الطائفي، منقسمة على نفسها، وتعتمد في نفوذها على جيش تقليدي شديد الأمية والتخلف والبؤس، وتقوم سلطتها في الريف والمناطق النائية على مشايخ الضمان (كبار المشايخ)، وعلى العقّال في أحياء المدن، وبين فئات كبار المشايخ معارضة شديدة لآل حميد الدين (السلطة السياسية)، لاحتكارها الحكم في البطنين شأن فئة القضاة.

    تفجرت الثورة، وبرز دور الضباط الصغار، وعزز الوجود المصري الداعم للثورة موقف شيوخ القبائل المجمهرين، وبرزت القوى التقليدية المعارضة لحكم بيت حميد الدين من كبار المشايخ، ومن كبار الأسر النافذة، وبقايا حزب الأحرار، والسياسيين الموالين لمصر.

    تدخُّل السعودية والأردن وإيران وبريطانيا في الجنوب، وحرب السبع سنوات، والممارسة الخاطئة لما سُمي فيما بعد "مراكز القوى": عامر، السادات، وسّع نطاق الحرب، وعزز مراكز القوى التقليدية التي كانت جزءًا من الحكم، وطرفًا في المعارضة، وفتحت خطوطًا مع القوى الملكية والسعودية؛ الأمر الذي مكّنها من وراثة الأوضاع بدون قتال في انقلاب 5 نوفمبر 1967.

    هزيمة مصر في 5 حزيران 1967، مثّل انتصارًا للقوى الرجعية والاستعمارية في المنطقة العربية كلها، وتحديدًا في اليمن، حيث يدور قتال في الشمال على أكثر من جبهة ضد الوجود العسكري المصري، وينخرط فيه مئات المرتزقة مدعومةً من السعودية، وتشارك فيه إسرائيل عبر إمداد السلاح للقبائل المتمردة، وإنزال مرتزقة في بعض المناطق، ويقود ثوار ردفان المواجهة ضد المستعمر البريطاني.

    خطيئة الضباط الثوريين الصغار أنهم توزعوا على جبهات القتال، وتركوا السلطة السياسية لكبار الضباط، والمشايخ، وبقايا حزب الأحرار، وقوى تقليدية مختلفة، واهتموا بالصراع أكثر من اهتمامهم بقضايا البناء والتنمية والتحديث، أو بالحريات والخبز والعدالة.

    قاتل الجندي المصري ببسالة منقطعة النظير، إلى جانب أخيه اليمني، دفاعًا عن الثورة والجمهورية، في حين انشغل كبار الضباط بالغنائم، وإذكاء الصراعات، وقمع المعارضة السياسية، ونقل الصراعات العربية والدولية إلى الساحة اليمنية البعيدة عن هذه الصراعات، وكانت المفارقة الراعبة أن عددًا كبيرًا من الزعامات اليمنية والضباط ومعارضين سياسيين، معتقلون في السجون المصرية؛ لاختلافهم مع حكم بلادهم، واعتراضهم على النهج السياسي المصري في اليمن، وتحفظهم على سير المعارك، وهؤلاء السياسيون يُفرج عنهم عقب الهزيمة، ليصحبوا سلطة الـ5 من نوفمبر.

    انتصار الجنوب في دحر الاستعمار البريطاني كان بمثابة الرد القومي على الهزيمة، وتعبيرًا عن الإرادة الوطنية، وكاشفًا عن طبيعة الصراع بين القوى التقليدية، التي قامت بانقلاب 5 نوفمبر، وبين قوى ثورة سبتمبر وأكتوبر.

لم تكن قرارات التأميم الجائرة وحدها الخطأ، وإنما الخطيئة كانت في التعويل المطلق على الشرعية الثورية، وإدارة الظهر للحريات العامة والديمقراطية، وحرية الرأي والتعبير (اللبنة الأساس) لكفاح الجبهة القومية

الاستقلال المجيد- استقلال الشطر الجنوبي من الوطن

    ترافق الثلاثون من نوفمبر 1967، بانسحاب آخر جندي مصري من الحديدة، مع انسحاب آخر جندي بريطاني من عدن؛ ولهذا التزامن دلالته ومغزاه. الجندي المصري الذي انسحب من اليمن أدى معركة قومية في اليمن، توّجت بخروج المستعمر البريطاني من جنوب اليمن، وبقاء الجمهورية في صنعاء.

    خاض الشعب اليمني في الجنوب حرب تحرير شعبية، بدأت في الـ14 من أكتوبر، من جبال ردفان، مدعومًا بثورة سبتمبر في الشمال، ومسنودًا بالوجود العسكري المصري، وتأييد العراق وسوريا والجزائر، وحركات التحرر، والمعسكر الاشتراكي حينها، لكن الاستقلال بمقدار ما عبر عن انتصار حركة التحرر الوطني، حمل مشاكل التخلف، ومعضلات قضايا الثورة الوطنية الديمقراطية.

    حوصرت الثورة منذ الأيام الأولى، وفرضت السعودية وبريطانيا الحصار والحرب على الثورة، ولم تفِ بريطانيا بتعهداتها بدفع مبلغ ستين مليون جنيه للجنوب.

    كانت مفاوضات الاستقلال وإعلان الاستقلال تحصيل حاصل؛ فقد كانت الجبهة القومية مسيطرة على الأوضاع في جل مناطق عدن منذ 10/ 11.

    غادرت بريطانيا الجنوب بعد أن تركت الخزينة خاوية، في حين هَرَّبَ أصحاب رؤوس الأموال أموالهم، ورغم الأخطاء الفاحشة في التأميمات اللاحقة، إلا أن الضغط الاستعماري والرجعي كان أقوى وأكبر من كل الأخطاء، وكان استبعاد جبهة التحرير إحدى المشاكل.

    كان انقلاب 5 نوفمبر في الشمال، ضربة استباقية لقطع الطريق، أو بالأحرى، لمواجهة الوضع الثوري القادم من الجنوب، ولمواجهة القوى الجديدة في صنعاء، وهي في الجيش والأمن والأحزاب السياسية القومية واليسارية. ولم تكن قرارات التأميم الجائرة وحدها الخطأ، وإنما الخطيئة كانت في التعويل المطلق على الشرعية الثورية، وإدارة الظهر للحريات العامة والديمقراطية، وحرية الرأي والتعبير (اللبنة الأساس) لكفاح الجبهة القومية، وسندها الرئيسي في مواجهة الاستعمار وأزلامه في الجنوب. ثم -وهذا هو الأخطر- الاغترار بالسلاح، واعتباره الوسيلة الوحيدة للانتصار على الاستعمار، والارتكان عليه في حل معضلات الثورة الوطنية الديمقراطية، ومواجهة الخصوم السياسيين أو الرأي المختلف حتى داخل الجبهة القومية؛ وهو ما أدى إلى استمرار الصراع وتصاعده، وصولًا إلى كارثة الـ13 من يناير 86، ولم يكن الاستعمار والرجعية ومكائدهما بعيدتين عن تأزيم الأوضاع، والإسهام في دفعها للانفجار.

    إننا الآن وبعد ما يزيد على ثلثي القرن، لا بد من القراءة وإعادة القراءة، والدراسة الناقدة لتجربة الاستقلال باعتبارها أحد أمجاد شعبنا اليمني والعربي في الجنوب.

    الحدث الثالث بيان الثلاثين من نوفمبر 1989، وهو البيان الذي أقرت فيه قيادة الشطرين إنزال دستور دولة الوحدة والاستفتاء عليه، وهو الدستور الديمقراطي الذي أقر -ولأول مرة في التاريخ اليمني، وتحديدًا في المادة (39)- حق المواطنين في تنظيم أنفسهم سياسيًّا ومهنيًّا ونقابيًّا، وتكفل الدولة هذا الحق؛ فكان البيان اللبنة الأساس في البناء الوحدوي في الـ22 من مايو 1990.  


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English