تهاوي الريال في عدن يرفع عمولة الحوالات إلى 40%

توسع فجوة الانقسام المالي والمصرفي في اليمن
وافي الجرادي
November 22, 2020

تهاوي الريال في عدن يرفع عمولة الحوالات إلى 40%

توسع فجوة الانقسام المالي والمصرفي في اليمن
وافي الجرادي
November 22, 2020

    تستمر الأزمة النقدية والمصرفية التي تشهدها اليمن بالتفاقم بصورة كبيرة، تفرض صعوبات وتعقيدات واسعة على حلها، مع توسع هوة الانقسام الحاصل بين طرفي الحرب؛ الحكومة المعترف بها دوليًّا وسلطة أنصار الله (الحوثيين)، وهو ما أصبح يتركز بشكل كبير في الجانب الاقتصادي والمالي والمصرفي.

    منذ قرار الحكومة المعترف بها دوليًّا بنقل البنك المركزي اليمني إلى عدن التي اتخذتها عاصمتها المؤقتة، والاقتصاد والعملة الوطنية يدفعان كلفة باهظة بجانب التداعيات الإنسانية الخطيرة جراء توقف مرتبات قرابة 1.2 مليون موظف حكومي، وما رافق ذلك من تبعات وتردٍّ معيشي كبير.

    وعلى الرغم من إعادة حكومة عدن صرف رواتب نحو سبع مؤسسات عامة إلى جانب الموظفين النازحين والموظفين في المناطق الخاضعة لسيطرتها، إلا أن قرار البنك المركزي في صنعاء الخاضع لسيطرة سلطة أنصار الله (الحوثيين) في ديسمبر/ كانون الأول 2019، والقاضي بحظر التعامل وحيازة الأوراق النقدية الجديدة المطبوعة، وبعد أن تم تحديد مدة شهر لإخلاء الأفراد والمصارف والتجار ما بحوزتهم من فئات نقدية جديدة وتبديلها بنقد إلكتروني أو أوراق نقدية قديمة، فجر هذا القرار أزمة واسعة تعيش البلاد تبعاتها الكارثية حتى الآن، مع تفاقم متواصل لهوة الانقسام المالي والمصرفي بين طرفي الصراع.

خلال خمسة أشهر فقط، فقدَ الريال اليمني 12% من قيمته لتخسر العملة اليمنية 176% من قيمتها، خلال 5 سنوات من الحرب

    ونتيجة لتدفقات العملة المطبوعة في مناطق سيطرة حكومة عدن، زادت كميات السيولة من العملة المحلية في السوق، الأمر الذي أدى إلى انخفاض قيمة الريال في تلك المناطق، بينما حافظ الريال على قيمته في مناطق سيطرة أنصار الله (الحوثيين)، وعلى غرار ذلك انتهجت البنوك والمصارف رفع العمولات على الحوالات الصادرة من مناطق سيطرة حكومة عدن، لترتفع بصورة متواصلة لم تتوقف حتى الآن.

    ويشكو موظفون، تصرف الحكومة المعترف بها دوليًّا رواتبهم، ومواطنون يعملون في المناطق والمحافظات الواقعة تحت سيطرتها، من الارتفاع المتواصل في رسوم الحوالات، والتي تلتهم أكثر من ثلث رواتبهم ودخلهم الشهري في حال أرادوا إرساله لذويهم وأسرهم في مناطق سيطرة أنصار الله (الحوثيين).

     ومع تحول عمولة الحوالات المالية إلى أزمة نظرًا لاستمرار ارتفاعها بالتوازي مع انخفاض العملة الوطنية في عدن ومناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دوليًّا، مع وصول الريال إلى نحو 852 للدولار الواحد، ارتفعت عمولة التحويل إلى نحو 40% لدى أغلب شبكات التحويل، الأمر الذي دفع بوزارة المالية التابعة لحكومة عدن، لحصر صرف راتب شهري سبتمبر/ أيلول، وأكتوبر/ تشرين الثاني 2020، للموظفين في المؤسسات العامة في صنعاء ومناطق سيطرة سلطة أنصار الله (الحوثيين)، وكذا الموظفون النازحون والذين تصرف الحكومة المعترف بها رواتبهم على عدن والمناطق الواقعة في نطاقها الجغرافي.

    في حديث لـ"خيوط"، يقول عبدالسلام عبدالله، وهو مختص في الإدارة الرقابية في مصرف الكريمي، إن المصرف "ضحى من أجل خدمة المواطن البسيط ووضع سقوفًا لأصحاب المبالغ الصغيرة من غير فارق بسعر الحوالة"- حسب تعبيره.

    وأضاف عبدالله أنه مع ازدياد الفارق وعدم القدرة على مواجهة الأزمة، اتجه مصرف الكريمي للتعامل بالسعر السائد في السوق، مؤكدًا أن ارتفاع عمولات الحوالات ناجم أساسًا عن قرار منع تداول وحيازة الأوراق النقدية الجديدة، وأن  ما يأخذه المصرف من رسوم تذهب لشراء المزيد من العملات الصعبة، مثل الدولار والريال السعودي للوفاء بالتزاماته تجاه العملاء وتغطية الفارق في سعر الصرف في المناطق الأخرى الخاضعة لنفوذ أنصار الله (الحوثيين).

تحييد الاقتصاد

    خلال خمسة أشهر فقط، فقدَ الريال اليمني 12% من قيمته لتخسر العملة اليمنية 176% من قيمتها، خلال 5 سنوات من الحرب، وفقًا لتقرير صادر عن "مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي".

    تأثير هذا الانهيار لا يتوقف عند حدود منطقة محددة، بل يطال اليمنيين كافة نتيجة ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية والأدوية، بصورة أصبحت تفوق قدرات كثير من المواطنين.

    ومع استمرار تهاوي الريال تزيد كلفة العمولات للحوالات المالية بين مناطق الصراع، ولذلك تزداد معاناة المواطنين بصورة واسعة في كافة المحافظات اليمنية.

    في هذا الصدد يشير خبراء اقتصاد إلى أن تحييد الاقتصاد هو الحل لهذه الأزمة المالية والمصرفية المعقدة، إذ يجب على طرفي النزاع العمل بجدية صوب تحقيق ذلك، لما له من تأثير بالغ على الواقع الاقتصادي والاجتماعي.

    ويرى مصطفى نصر، في حديثه لـ"خيوط"، إمكانية تجاوز الرسوم المرتفعة للحوالات في حال ألغت سلطة أنصار الله (الحوثيين) قرار حظر التداول للعملة أو يصل طرفَا الصراع إلى تسوية اقتصادية تراعي مصالح الناس. 

    ويضيف أن قطاع البنوك تلقى ما يمكن وصفه بـ"ضربة قاضية" نتيجة وجود بنكين مركزيين في البلاد، ولكل منهما سياسات وتدخلات، ما جعل من البنوك تواجه عديدًا من التحديات، منها أزمة السيولة وتدهور أسعار الصرف واهتزاز الثقة إلى جانب خروج الدورة المالية من المصارف الرسمية إلى أسواق وشبكات الأموال غير الرسمية، ليتنامى نشاط السوق السوداء بشكل كبير.

توحيد المؤسسات المالية

    في السياق، سجل الريال اليمني انهيارًا تاريخيًّا في منتصف سبتمبر/ أيلول 2020، ليساوي الدولار الواحد 850 ريال للمرة الأولى في تاريخه. على إثر ذلك تعالت الأصوات المنددة بهذا الانخفاض المتواصل، وعدم اتخاذ أي إجراءات فاعلة لإيقاف هذا التدهور في العملة.

الحل الأنسب لمعالجة التداعيات الاقتصادية والمتمثلة في انهيار أسعار الصرف وارتفاع العمولات، هو العمل على إنهاء الانقسام المصرفي والاتفاق على مصرف مركزي موحد، تورد إليه كل إيرادات الدولة شمالاً وجنوبًا

    يقول مصطفى نصر، إن البنكين المركزيين في صنعاء وعدن حاضران وبقوة في المشهد السياسي، والطرفان يحشرانهما في الحرب، ومهما اتُّخِذت إجراءات من أي طرف إلا أن العمل على توحيد جهود كل الأطراف وإيجاد صيغة توافقية على مصرف واحد هو السبيل الوحيد للخروج من حرب العملة والوفاء بكل الالتزامات المالية والاقتصادية لكل اليمنيين، بل وسيوفر ذلك الفرصة لكل اليمنيين لتجاوز الكثير من الظروف والتداعيات الإنسانية الصعبة، مضيفًا أن هناك أخطاء تمثلت في القرارات التي تبناها الطرفان، منها الطباعة للعملة المحلية وقرار منع التداول للعملة الجديدة من قبل سلطة أنصار الله (الحوثيين).

    وكان البنك المركزي في عدن، الخاضع لسيطرة الحكومة المعترف بها دوليًّا، اتخذ قراراً في أكتوبر/ تشرين الأول 2020، يقضي بوقف كافة التعاملات المصرفية، مع وكلاء شبكات التحويلات المصرفية غير المرخص لهم، من قبل البنك المركزي في عدن، والتي تتضمن شركات ومؤسسات ومحال الصرافة أو نقاط الحوالات أو الأفراد وغيرهم.

    القرار يقضي كذلك بعدم تجاوز الأسقف المحددة من قبل البنك المركزي، فيما يتعلق بالحوالات، إلى جانب تصفية الحسابات والأرصدة المكشوفة بصورة كاملة، وعدم الكشف عن الحسابات.

    فيما أبدت جمعية الصرافين اليمنيين في صنعاء، وَفق بلاغ صادر عن متحدثها الإعلامي، اطلعت عليه "خيوط"، استغرابها من الادعاءات التي اعتبرتها منافية للواقع، والتي تضمنها القرار الصادر عن البنك المركزي بعدن. وأكدت الجمعية التزامها بالحياد والمهنية في كل تعاملها مع القضايا والتطورات ذات العلاقة بنشاط القطاع المالي والمصرفي، ومع أي ضغوط أو تهديدات تستهدف التأثير على قراراتهم ومواقفهم الرامية إلى الدفاع عن مصالح القطاع وحق مؤسساته في ممارسة نشاطها في إطار من المهنية وبعيدًا عن أي تدخلات أو تجاذبات سياسية.

    الخبير الاقتصادي الدكتور حمود النجار، وهو أستاذ في قسم الاقتصاد والمالية بجامعة صنعاء، يؤكد لـ"خيوط"، أن الحل الأنسب لمعالجة التداعيات الاقتصادية والمتمثلة في انهيار أسعار الصرف وارتفاع العمولات هو العمل على إنهاء الانقسام المصرفي والاتفاق على مصرف مركزي موحد تورد إليه كل إيرادات الدولة شمالًا وجنوبًا. ويوضح الدكتور النجار أن هذا هو الحل الوحيد للحفاظ على ما تبقى من أنشطة اقتصادية ودفع استحقاقات موظفي وموظفات الدولة، والحيلولة دون حصول المزيد من الإخفاقات الاقتصادية والإنسانية.

تحرير: خيوط

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English