أطفال اليمن يكبرون قبل الأوان

عندما يكون على الطفل أن يضحي لأجل والديه
عصام القدسي
November 20, 2020

أطفال اليمن يكبرون قبل الأوان

عندما يكون على الطفل أن يضحي لأجل والديه
عصام القدسي
November 20, 2020

على بعد أمتار من ميدان السبعين في العاصمة صنعاء، اتخذ أربعة أطفال من الرصيف مكانًا صغيرًا لتنظيف المركبات. ثلاثة إخوة ورابعهم جارهم، اعتزموا منذ ما يقارب أربعة أشهر على العمل لإعالة أسرهم في هذا المكان الذي أطلقوا عليه اسم "سرويس السنافر".   

    بدأ محمد (14 سنة)، وهو صاحب الفكرة، رحلةَ العمل عندما وجدت أسرته نفسها محاصرة بظروف بالغة الصعوبة؛ من ارتفاع الأسعار، وازدياد احتياجات المعيشة، إلى تهديدات مالك المنزل، الذي يأويه مع أشقائه وأبيه المقعد، بالطرد. لم يكن ليخوض هذه المشقة لو أن له أبًا قادرًا على أن يوفر له الخبز والماء في بلد تسببت فيها الحرب بأسوأ أزمة إنسانية في العالم، وجعلت نحو 80% من الشعب بحاجة إلى المساعدات الإنسانية، للبقاء على قيد الحياة وفق تقديرات أممية. 

    وبحسب دراسة نشرتها الغارديان، فإن الأسر في اليمن تضطر إلى إرسال أطفالها للعمل والتسول مع تزايد المخاوف بشأن ارتفاع أسعار الغذاء والمياه والبنزين.

    وخلصت الدراسة التي أجرتها لجنة الإنقاذ الدولية (IRC) أن 62% من الذين شملهم المسح غير قادرين على شراء الطعام ومياه الشرب، في الوقت الذي ارتفعت فيه أسعار الغذاء والماء والمحروقات. ووجدت البيانات، أن 150 عائلة يمنية في ثلاث مدن جنوبية، قلقة من الجوع أكثر من قلقها من الإصابة بفيروس كورونا.

    انتهت طفولة محمد بتوقف والده عن العمل وقعوده في المنزل بعد أن تعرضت شاحنة نقل الماء التي كان يمتلكها ويعمل بها، للعطب في الاشتباكات التي اندلعت في أغسطس/ آب 2017، بالقرب من جولة المصباحي، بين حراسة الرئيس السابق علي عبدالله صالح ونقطة أمنية تابعة لسلطة أنصار الله (الحوثيين). 

كبروا قبل الأوان

    وفقًا لتفاصيل الرواية، كان والد محمد يعمل في نقل الماء، إلى جانب "سرويس" لتنظيف السيارات. كان قادرًا على إعالة أسرته، لكن الوضع اليوم تغير لدى محمد وأشقائه ولدى الأسرة بأكملها. فالطفل وأشقاؤه يقومون بمهام أكبر من طفولتهم. صباحًا، ومع بَدء العام الدراسي الجديد، يرتدون زيهم المدرسي للذهاب إلى المدرسة، ثم يعودون في المساء لمزاولة عملهم في تنظيف السيارات، من أجل ضمان بقاء أسرتهم على قيد الحياة. 

    بعيدًا عن مسرح الطفولة المعتاد، يقول محمد في حديث لـ"خيوط"، أنه بدأ العمل في هذه الفكرة من أجل تحسين الوضع المعيشي له ولأسرته، وتأمين مصاريف وإيجار المنزل. فالوضع المعيشي الصعب الذي تعيشه الأسرة نتيجة الحرب الدائرة رحاها منذ ست سنوات، أجبرت محمدًا على خوض تجربة لم تكن بمقاس طفولته الآمنة، كواحد من آلاف الأطفال اليمنيين، ممن كبروا خلال سنوات الحرب ووجدوا أنفسهم في الشوارع مجبرين على العمل في مهن متعددة لإعالة أسرهم المعدمة.

مسؤوليّة مبكرة 

    "عندما توقفت المدارس وأصبحنا جالسين في البيت، قلنا نفتح هذا المشروع أحسن من الفراغ"، يواصل محمد الذي يدرس في الصف الثامن الأساسي حديثه، وهو يقوم بمسح إحدى السيارات، لافتًا إلى أنه فكر كثيرًا بإيجاد أي عمل حتى استقر على فكرة اقتراض مبلغ مالي لشراء "ماطور" صغير (مولّد كهربائي)، وخزان مياه للبدء في المشروع. أحلامه بسيطة ولا تتعدى توفير مصروف اليوم للأسرة. ويضيف بلهجة تدرك من خلالها أنه لم يعد طفلًا  بل رجلًا متحملًا لمسؤولية الكبار: "أنا أكبر إخواني وهم مسؤوليتي، خاصة أن والدي مقعد بلا عمل"، متسائلًا في حديثه: "يعني أجلس أتفرج لأمي وإخواني وهم يموتوا جوع؟". هنا فقط يمكنك أن تدرك أن محمدًا لم يعد طفلًا، فقد اضطر لارتداء عمر أكبر من طفولته البريئة.  

من ضمن الأسباب التي فاقمت من ظاهرة عمالة الأطفال في اليمن، والتي يصفها القرشي بالمخيفة والمقلقة في آن، انعدام دور المؤسسات الحكومية والمنظمات غير الحكومية المعنية بحماية الأطفال، بسبب توقف دعم برامج الحماية

    إلى جوار محمد يعمل شقيقاه الصغيران وأحد أبناء جيرانهم. كل واحد منهم يعرف مهمته وما يقوم به، في مسح السيارات وتنظيفها، بعيدًا عن الراحة، واللعب، أو المشاركة في الحياة العامة كما تنص المادة (32) من اتفاقية حقوق الطفل المقرة من الأمم المتحدة في نوفمبر/ تشرين الثاني 1989، والتي صادق عليها اليمن. وبالرغم من المعاناة التي يعيشها هؤلاءِ الأطفال، فإن لديهم أحلامًا كبيرة للمستقبل، من خلال استكمال دراستهم، إلى جانب طموحهم أن يكونوا أطباء ومهندسين في المستقبل، رغم ما تواجههم من صعوبات وتحديات. 

ارتفاع مخيف 

   ظاهرة عمالة الأطفال في اليمن ليست وليدة اللحظة، وعلى الرغم من عدم وجود إحصائيات رسمية، إلا أن الواقع يشي بمعدلات مخيفة، خاصة منذ دخلت اليمن دوامة الحرب في العام 2014. ارتفعت معدلات عمالة الأطفال إلى أكثر من ثلاثة أضعاف مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، بحسب تقديرات منظمة سياج لحماية الطفولة في اليمن، التي اعتبر رئيس المنظمة أحمد القرشي هذه الظاهرة أنها تمثل تهديدًا مباشرًا لحالة السلم والأمن في الراهن اللحظي، ومستقبلًا بعد انتهاء الحرب.  

     ويرى القرشي في حديث لـ"خيوط" أن "توقف صرف مرتبات موظفي الدولة وفقدان مئات الآلاف من الأسر اليمنية مصادر دخلها، إضافة إلى حالة النزوح الكبيرة، وعدم قيام الدولة بمسؤولياتها، إلى جانب انهيار منظومة التعليم، تسببت جميعها في انخراط الأطفال في أسوا أشكال العمالة"، ويذهب القرشي إلى أن ذلك أدى لتعرض الأطفال للكثير من المخاطر والاستغلال، بما في ذلك الاستغلال الجنسي، وأفقدهم الحق في الأمان والتعليم وغيرها من الحقوق الأساسية والفضلى للطفل.

    قصور منظومة العدالة فيما يتعلق بالأطفال في اليمن وازدياد معدلات الفقر والبطالة في صفوف العائلين، إضافة إلى الفساد والتلاعب الذي يهدر الكثير من المساعدات الإنسانية الطارئة ولم يمكن مستحقيها من الحصول عليها، اعتبرها رئيس المنظمة المعنية بحماية الأطفال من أهم أسباب الانخراط في أسوا أشكال عمالة الأطفال، الذي يرى أن أسوأها تكمن في "تجنيد وإشراك الأطفال في النزاع المسلح، والعمل في المهن والأعمال الخطرة"، إلى جانب أنها "تمثل تهديدًا على صحة وسلامة الطفل"، حد قوله.

    ومن ضمن الأسباب التي فاقمت من ظاهرة عمالة الأطفال في اليمن، والتي يصفها القرشي بالمخيفة والمقلقة في آن، انعدام دور المؤسسات الحكومية والمنظمات غير الحكومية المعنية بحماية الأطفال، بسبب توقف دعم برامج الحماية. 

    ويُعتبر اليمن وفقًا لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) ضمن أسوأ البلدان للأطفال في العالم، وتقدر أن أكثر من مليوني طفل أضحوا خارج المدرسة، وأن هناك 3.7 مليون آخرين معرضون لخطر التسرب من التعليم.


•••
عصام القدسي

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English