اضطراب ملامح العمارة الحديثة في اليمن

كيف أدى فقدان الثقة بجمال المعمار إلى انخفاض تقدير الذات
صهيب الأغبري
March 4, 2021

اضطراب ملامح العمارة الحديثة في اليمن

كيف أدى فقدان الثقة بجمال المعمار إلى انخفاض تقدير الذات
صهيب الأغبري
March 4, 2021
©Photo by: Mohammed Al-Mekhlafi

في بلد معمّر يُعرف احتراف رص الحجر وابتداع الفراغات منذ أكثر من خمسة آلاف سنة، تخضّبت عماراته بالزخرفات كما توجت بالخرافات والأساطير لعناصره المنمنمة التي أضفت ملامح مميزة ومتنوعة للمعمار في اليمن الكبير.

بين الثقافة والعمر، مهدت عمارة اليمن لنفسها مكانة لا يمكن اقتلاعها من أسس التراث في العالم؛ مدن بكاملها تضاف عمارتها إلى قائمة التراث العالمي التابعة لليونيسكو دون استثناء لشبر واقع بين أسوارها، من شبام حضرموت إلى زبيد وصنعاء القديمة، مدن يمنية خلدتها العمارة.

لكننا اليوم في مأزق ضيّق، بين كثيب التنظير المعماري العالمي الذي ابتلع التراث، لتظلّ على إثره اليمن المعمارية تسأل كثيرًا عن مستقبلها، وهي التي تمسك بالعمارة بصفة التراث الوحيدة!

مشكلات كثيرة تواجهها العمارة في اليمن بين مرورها بخروج مضطرب من قائمة التراث وتناولها العشوائي اليوم في أرض الواقع، وتلقيها في التعليم أساسًا بشكل ضعيف، لا يصل بها إلى أرض الواقع بسلام.

وعند تتبع سير العمارة الحديثة في اليمن، يجد المتتبع أنها قامت منذ ستينيات القرن العشرين، مبتدئةً بتأثر خجول، وبحداثة كادت أن تموت، وعودة مشوهة إلى الماضي، وتأثر وتأثير بطرز عمارة محلية توازي بعضها بعضًا.

في هذا الصدد يقول أ.د.محمد سلّام المذحجي، أستاذ العمارة والتخطيط العمراني في جامعة صنعاء لـ"خيوط": "بعد سنة 1969، ومع انتقال عدد كبير من السكان من المناطق الجنوبية إلى الشمالية، انتقل طابع العمارة في المحافظات الجنوبية إلى المناطق الشمالية، خصوصًا في المدن الكبرى مثل صنعاء وتعز والحديدة، وأكبر مثال على هذا، هو الطابع الموجود في مباني شارع علي عبدالمغني في صنعاء".

فقدان الثقة بالمعمار اليمني سبّب مشكلات ثقافية واجتماعية واقتصادية، منها "فرض نمط سكني منفرد؛ ما انعكس على أسلوب حياة اليمني، إذ فرضت عليه نوعًا من العزلة وحدّت علاقته بجيرانه

 يعد شارع علي عبدالمغني مثالًا جيّدًا للحديث عن عمارة صنعاء "الجمهورية"، أو ما بعد ثورة 26 سبتمبر، ممثّلًا نواة التحديث في اليمن الجمهوري الخارج عن نمط التراث الأول. ويضيف المذحجي: "جاءت عمارة شارع علي عبدالمغني بعد الثورة، متأثرة بالتواجد المصري في اليمن، إذ لمسنا وجود نمط معماريّ قريبًا من النمط المصري السائد آنذاك". إضافةً لذلك جلبت رؤوس الأموال اليمنية التي عادت إلى البلاد في تلك الفترة من الحبشة وبلدان أخرى، تأثيرات نمط البناء في تلك البلدان، وبالمثل تأثرت المدن اليمنية المختلفة شمالًا وجنوبًا ببعضها بعد الوحدة سنة 1990. 

بهذا التداخل الغريب تبدّل شكل النمط السائد إلى الأنماط المتداخلة في العمارة بفعل التأثر والتأثير بين المناطق من الخارج والداخل؛ فتتشكل الثقافات بناء على هذا التأثير والتداخل، متأثرة ومتداخلة ببعضها.

من جهته يشير المهندس المعماري، جلال المقالح، أن سبب هذا التشتت هو عدم الالتزام بالنمط المعماري اليمني، وذلك عائد إلى عدة أسباب، يسردها المقالح لـ"خيوط"، مبتدئًا بـ"عدم الثقة بالنمط المعماري اليمني"، الذي قال إنه يعتبر نمطًا ناضجًا ومتكاملًا ومنقّحًا من العيوب والمشاكل على مدار مئات السنين. غير أن اكتماله هذا نتج عنه "فقدان الإنسان اليمني للثقة في نفسه كقوة بشرية قادرة على التطور والتأثير وتغيير الذات قبل المحيط؛ لهذا عمل اليمني على رفض الطابع المعماري اليمني، واستقبال كل ما جاءه من المحيط، وتقبله وتكراره دون تدارك مشاكله وعيوبه".

على صعيد متصل يؤكد المعماري المقالح، أن هذا كلّه سبّب مشكلات ثقافية واجتماعية واقتصادية، منها "فرض نمط سكني منفرد؛ ما انعكس على أسلوب حياة اليمني، إذ فرضت عليه نوعًا من العزلة وحدت علاقته بجيرانه وقضايا حيه، حيث أصبحت هذه العلاقة أقل تماسكًا وتفاعلًا، وتقلّصت علاقته أيضًا بالجامع والمتنزهات، والسوق لتغدو سطحية وأشبه بالعلاقة الأسبوعية".

ويضيف المقالح: "وهناك تأثير اقتصادي، إذ ظهرت أحياء تعكس الطبقية المجتمعية والمستوى المعيشي لعامة الناس، ونحن نعرف كيف تؤثر هذه النقطة على المجتمع سلبًا".

يوجد لدينا قوانين وتشريعات منظمة للبناء من المفترض اتباعها، وهي قانون التخطيط العمراني الذي أقر في مجلس النواب سنة 1995، وقانون البناء الذي أقر في سنة 2002، وللأسف الشديد هذه القوانين اليوم هي حبر على ورق

في مدن اليمن الحديثة تحتضر العمارة اليمنية تحت وطأة التصميم العشوائي غير التابع للقوانين الموضوعة، رغم وجودها، إلّا أنها لا تطبق عند التنفيذ الفعلي. فبحسب أ.د.المذحجي في حديثه لـ"خيوط"، فإنه "إلى جانب المعايير يوجد لدينا قوانين وتشريعات منظمة للبناء من المفترض اتباعها، وهي قانون التخطيط العمراني الذي أقر في مجلس النواب سنة 1995، وقانون البناء الذي أقر في سنة 2002". ويأسف المذحجي لكون هذه القوانين اليوم "حبر على ورق، يغفلها الناس، وأصبحت العملية الآن شبه مزاجية، ولا يطبق القانون إلا في حالات نادرة".

ويرجع المذحجي عدم اتباع هذه القوانين من قبل المواطنين إلى عدم وجود رقابة تعمل بشكل سليم، مردفًا أن سبب مخالفة الواقع للقوانين والأنظمة "يعود إلى عدم وجود جهة تقوم بعملية الرقابة بشكل جيد، فلا يوجد ردع؛ ولذلك تشاهد كل هذه المخالفات الموجودة في الشوارع وأطراف المدن والنمو العشوائي".

كل هذا التعامي وعدم اتباع القوانين، أنتج عمرانًا يمنيًّا مشوّهًا، فكما أصبح تجاهل القانون أمرًا اعتياديًّا، أصبحت العمارة في اليمن مجهولة الهوية، عشوائية ومزاجية، ليس لها معالم تبيّن شكلها، أو توجه يسير في اتجاه أو اتجاهات واضحة.

كما تعاني العمارة من ركود ملحوظ تبرز أسبابه، في عدم وجود نهج واضح للتعليم في مجال العمارة، إذ يبدو ضبابيًّا ومفتقرًا لأبسط الحاجات والمعايير الأكاديمية لتسيير العملية التعليمية، ما أنتج كل هذا التخبط. فبحسب الدكتور سمير السرّي، رئيس قسم العمارة في جامعة صنعاء، في حديثه لـ"خيوط"، فإن "من أهم المعايير التي لا تراعي أكاديميًّا هي أعداد الطلّاب المفترض قبولهم في البرنامج الدراسي، الذي على إثره تتحدد بقية المعايير مثل الأعداد اللازمة من أعضاء هيئة التدريس وقاعات ومراسم ومعامل ومكتبات وخدمات أخرى"، ويستطرد السريّ قائلًا: "نرى أن هناك أعدادًا كبيرة من الطلاب في ظل قصور كبير في توفير الإمكانيات المادية والبشرية".

كل هذا يؤثر تأثيرًا كبيرًا في سير عملية التعليم، وبالتالي يؤثر في نتائجه، وينوه السرّي، لوجود أسباب أخرى تؤثر في تعليم العمارة، منها: "غياب الدولة والمؤسسات التي تهتم بالتعليم وتوفير الاحتياجات والمتطلبات التي تساعد في تحقيق الأهداف وتطوير التعليم الجامعي وتدريس العمارة على وجه الخصوص".

ومع هذه المشكلات التي يواجهها التعليم في اليمن بشكل عام، وتدريس العمارة بشكل خاص، نجد أيضًا أنه، وبخلاف الكثير من البلدان، لا يوجد في اليمن إلى اليوم -بعد أكثر من خمسين عامًا منذ تأسيس جامعة صنعاء- كلية عمارة مستقلة، إذ ما تزال قسمًا تابعًا لكلية الهندسة، ويشير د.السرّي في لقائه مع "خيوط" أن: "إنشاء كلية عمارة يتطلّب توفير بنية متكاملة، منها إنشاء عدد من الأقسام فيها، مثل: قسم عمارة، وقسم تخطيط، وتصميم داخلي، وتنسيق مواقع، وتصميم حضري، وتكنولوجيا بناء؛ ونظرًا إلى الإمكانيات غير المتوفرة حاليًّا من مبانٍ وأساتذة وموارد مالية، فإنه يتعذر معها إنشاء كلية عمارة مستقلة، خاصة مع إنشاء أقسام معمارية في جميع كليات الهندسة، ما ساهم في تشتت القدرات والإمكانيات المتاحة بين تلك الأقسام في الجامعات المختلفة".

في المحصلة ظهرت عمارة اليمن الحديثة ظهورًا مضطربًا من بين أطلال التراث، ووقفت حائرة أمام شكلها اليوم المطعم بعشوائية تنفيذها.

عمارة المزاج والخبرة، من دون دور أكاديمي حقيقي يوضح مجراها ويرسم لها خارطة فعلية، وعليه ستبقى العمارة في اليمن تسأل عن غدها البعيد، بين التمسّك بالتراث الذي بعثرت حرب اليوم به، وبين خروج حقيقي متمرد يحتك بالعالم الكبير.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English