الحرب اليمنية.. أسئلة حارقة

هل ننتظر المساعي متعسرة الولادة للمبعوث الأممي؟
عبدالباري طاهر
December 15, 2021

الحرب اليمنية.. أسئلة حارقة

هل ننتظر المساعي متعسرة الولادة للمبعوث الأممي؟
عبدالباري طاهر
December 15, 2021

تقترب الحرب في اليمن وعليها من ختام عامها السابع، وكلما اشتدت وطأتها، وازدادت كوارثها، قلّ الاهتمام بها. رصد كوارث الحرب المزلزلة ضعيف جدًّا، فقتلى المعارك بالآلاف، وقتلى الأوبئة الفتاكة والمجاعة بالآلاف أيضًا، والمعوقون مئات الآلاف، والمشردون داخل وطنهم أكثر من ثلاثة ملايين.

لأول مرة في التاريخ المعاصر تمتد الحرب، وتتسع آثارها إلى مختلف مناطق اليمن؛ فقد طال الدمارُ البنيةَ التحتية الهشة والضعيفة، ودُمّرت عشرات القرى والأحياء السكنية، والمدارس، والمستشفيات، والأسواق الشعبية، ودور العبادة، والمعالم الأثرية والحضارية والمؤسسات، أما جرائم الحرب والانتهاكات، ومآسي الحصار الداخلي والخارجي، فلا حدّ لها.

السنوات السبع المدمرة تطرح الأسئلة الحارقة والمحروقة. كل الأطراف عاجزة عن تحقيق انتصار حاسم، فلماذا إذن الإصرار على استمرارها؟ لم تعد المبررات والأسباب التي رفعت لإشعال الحرب ذات جدوى، فماذا يعني استمرار تدمير اليمن؟

الأهداف والغايات الكريهة والإجرامية أصبحت مفضوحة للجميع، فلماذا يستمر أبناء اليمن في القتال فيما بينهم في حرب بالوكالة، ويحولون وطنهم إلى ميدان قتال، ويتحولون إلى أدوات؟ 

أليس انكشاف نوايا ومطامع كل أطراف الحرب في الداخل والخارج يدفع بنا كيمنيين لنفض أيدينا من الحرب ورفضها، وفضح أهداف كل المتورطين فيها؟ 

كل أطراف الحرب الداخلية لا هدف لها غير امتلاك السلطة، والمال، والانفراد بالحكم، وهو المستحيل. أما "التحالف العربي" الذي تقوده السعودية والإمارات، فعينه على الموانئ والجزر، وبعض المحافظات في الشرق، والثروة، وهو المستحيل عينه. وفي الحد الأدنى يُراد لليمن التفكيك، كما تريد إيران بسط نفوذها في المنطقة، وتسوية خلافاتها مع السعودية والخليج، وفك الحصار عنها، وحماية برنامجها النووي. وللصراع الدولي، وتجارة السلاح، وتنفيذ مخطط صفقة القرن، النصيب الأوفر في استمرار الحرب على اليمن.

انكشف زيف دعاوى المتحاربين، ولا تزال جرائم حربهم تدمر اليمن أرضًا وبشرًا ومعالم حضارة وحياة. ليس ثمة رصد دقيق لجرائم الحرب، ولا إدانات حقيقية للانتهاكات، ولا تضميد لجراح، وبؤس وتشريد وتقتيل وتجويع الملايين. التقارير الأممية ووكالات الأنباء تصف الحالة اليمنية بـ"أسوأ كارثة عرفها العصر".

أي حلّ يتم بين زبانية الحرب وصُنّاعها وتجارها، لن يكون في مصلحة اليمن واليمنيين. هؤلاء هم كل المأساة وسببها، وهم بالتأكيد جزء من الحل، ولكن لا يجوز أن يكونوا كل الكارثة، وكل الحل.

كعرب ويمنيين، لا بد أن نطرح على أنفسنا الأسئلة الفاجعة والموجعة: هل علينا أن ننتظر مساعي المبعوث الأممي المكرورة شخوصًا ومهامًا، وهي المتعسرة منذ الولادة؟ وهل من بصيص أمل في موقف دولي؟ هل ننتظر حلًّا من التفاوض في فيينا من حول النووي الإيراني، أو اللقاءات المعلنة والسرية بين إيران والسعودية والإمارات؟ كل هذه الأطراف ستسوي خلافاتها، والضحية والخاسر على كل حال، هو اليمن.

وهل يرجى خير من الاجتماع القادم لمجلس التعاون الخليجي في الرياض، وبعضهم جزء أساس في صنع الكارثة؟

منذ البداية كانت الحرب في اليمن وعليها، جريمة وأمّ الكبائر كلها، والرهان على حل يأتي من خارج اليمن لن يكون في صالح اليمنيين، ثم إن أي حل يتم بين زبانية الحرب وصناعتها وتجارها، لن يكون أيضًا في مصلحة اليمن واليمنيين. هؤلاء هم كل المأساة وسببها، وهم بالتأكيد جزء من الحل، ولكن لا يجوز أن يكونوا كل الكارثة، وكل الحل.

لا مخرج لنا غير الحل اليمني اليمني، وهو ما يتطلب الوقف الفوري للحرب وفي كل الجبهات، والتخلي كلية عن أوهام الحسم العسكري. حتى لو استولى طرف واحد على اليمن كلها بقوة السلاح، فلن يستطيع حكم اليمن؛ فقد تمكن علي عبدالله صالح من إسقاط الجنوب كله في حرب 1994، وأعتقد حينها أنه قد ملك اليمن وإلى الأبد، ولم تمضِ إلا بضعة أشهر حتى اندلعت هبة حضرموت 1995، وبعدها بعامين كانت الاحتجاجات السلمية في عدن ولحج لتتواصل حتى الإطاحة بجبروته العسكري في انتفاضة الربيع العربي عام 2011.

الأمور اليوم أكثر تعقيدًا، وأشد صعوبةً من أن يتمكن طرف واحد بمفرده من حكم اليمن. فلا تستطيع قبيلة أو طائفة، ومن باب أولى لا تستطيع أسرة أو حزب أو جهة أو منطقة، أن تحكم اليمن كله. اليمن بلد شديد التنوع والتعدد حد الغنى، وقامت حضارته وكياناته الحضارية عبر التاريخ على تشارك وتعاون كل قبائله ومناطقه وجهاته وشرائحه وفئاته في بناء كيانه الوطني.

مأزق المتحاربين اليوم -على كثرتهم- أنهم لا يعبرون عن الحياة والإرادة العامة للشعب اليمني، كما أن طموحهم الكسيح في التفرد بحكم اليمن أو حتى مناطقهم، صعب إن لم يكن مستحيلًا؛ فاليمن الذي فجر ثورة الـ26 سبتمبر والـ14 أكتوبر، وأسس الوحدة سلميًّا في الـ22 من مايو 1990، يستحيل أن يقبل حكم طائفة أو قبيلة أو جهة أو أسرة. الارتهان للصراع الإقليمي مصدر الخلل وسبب الكارثة، وعائق حقيقي أمام الحل السياسي، ولا مخرج إلا بالعودة للحوار، والتخلي عن وهم القوة والارتهان للخارج، والتوافق على حل سياسي يستجيب ويعبر عن الإرادة العامة والشاملة لكل أبناء اليمن.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English