"اللعنة" التي تطارد اليمن

من قبل الحرب إلى القصف بالمسيرات
د. مطهر العباسي
March 11, 2023

"اللعنة" التي تطارد اليمن

من قبل الحرب إلى القصف بالمسيرات
د. مطهر العباسي
March 11, 2023
Photo by: Shohdi Alsofi - © Khuyut

توضّح العديد من الدراسات، أنّ مصطلح "لعنة الموارد" يشير إلى إخفاق النظام الاقتصادي لبعض الدول ذات الوفرة من الثروات الطبيعية، (النفط، الغاز، الذهب، الألماس، وغيرها)، في تحقيق الاستغلال الأمثل لتلك الثروات، وفي إدارتها بما يحقّق الكفاءة الاقتصادية، وينتج عن ذلك تدهورٌ مستمرّ في مستوى الدخل والمعيشة للسكان، وتصبح الأنظمة السياسية في تلك الدول أكثر سلطوية وأقل ديمقراطية.

وقد تتسم اتفاقيات وعقود استخراج تلك الثروات مع الشركات الدولية، بعدم الشفافية والمساءلة، ممّا يجعل عوائد تلك الثروات مجالًا للفساد والإهدار، وقد تعاني تلك الدول من نزاعات وحروب داخلية، مما يؤدّي إلى عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، والدلائل على ذلك كثيرة في عددٍ من الدول ذات الوفرة ببعض الثروات الطبيعية، مثل: العراق وليبيا وفنزويلا والكونغو الديمقراطية وأنغولا وغيرها.

الحالة اليمنية

لا شكّ أنّ موارد قطاع النفط في اليمن، كان لها تأثيرٌ كبيرٌ على هيكل الاقتصاد اليمنيّ خلال الثلاثة العقود السابقة للحرب، فقد لعب قطاع النفط دورًا بارزًا في تركيب الناتج المحلي الإجمالي وفي تمويل الميزانية العامة للدولة وفي حجم الصادرات اليمنية إلى الخارج، وخلال الفترة من 2000 إلى 2014، ساهم القطاع النفطي بنسبة 20 إلى 30% من الناتج المحلي الإجمالي، كما شكّلت عوائد تصدير النفط حوالي 70% إلى 75% من الإيرادات العامة، وقرابة 90% إلى 95% من الصادرات إلى الخارج. ورغم تواضع العوائد من صادرات النفط والغاز، مقارنة بدول الجوار في منطقة الخليج العربي، فإنّ "لعنة الموارد" أصابت اليمنَ منذ اكتشاف النفط والغاز وحتى الوقت الحاضر، وقد تستمر إلى المستقبل، كما هو حاصل في عددٍ من الدول النامية التي تعيش حروبًا وصراعات داخلية بسبب النزاع على الموارد والثروات السيادية، والتي اشتعلت فيها حروبٌ أهلية بسبب رغبة مجموعةٍ مُعينة في السيطرةِ على الثروات الطبيعية، والحصولِ على عوائدها أو استخدامها لتمويلِ القتالِ الداخليّ.

استنزاف النفط

وبالنسبة لليمن، فقد شابت عقودَ الشراكة والتشغيل مع الشركات الأجنبية لإنتاج وتصدير النفط والغاز، أوجهُ فسادٍ عدّة، بَدْءًا من التفاوض، ومرورًا بالاستكشاف والتشغيل، وانتهاءً بالتصدير وتوريد العوائد إلى حسابات الحكومة، وخير مثال على ذلك: عقود إنتاج وتصدير الغاز المسال. 

وللأسف، فقد تم استنزاف النفط في معظم الحقول المكتشَفة دون أن يكون لها عوائد ملموسة في التنمية، فالبيانات تشير إلى تراجعٍ حادٍّ في الإنتاج النفطيّ وعوائده خلال السنوات العشر السابقة للحرب، فقد وصل الإنتاج من النفط إلى أعلى مستوى له عام 2005، حيث بلغ قرابة 500 ألف برميل يوميًّا، ومنذ ذلك الحين تراجع الإنتاج إلى أكثر من النصف تقريبًا. وكان قبل الحرب، في عام 2014، يتراوح بين 150 إلى 200 ألف برميل يوميًّا، بحسب البيانات الرسمية، وهذا أدّى إلى تراجع العوائد المالية أيضًا.

وخلال فترة الحرب، ظلّت حكومة عدن تسيطر على المحافظات المنتجة للنفط والغاز (مأرب، شبوة، حضرموت)، إلّا أنّ إنتاج النفط تراجعَ إلى النصف، ليتراوح بين 60 إلى 80 ألف برميل يوميًّا، وأصبح يدرّ عائدًا بحدود 800 مليون دولار إلى 1 مليار دولار سنويًّا.

حسب التصريحات الرسمية، ومنذ أواخر عام 2022، لم تتمكن حكومة عدن من تصدير النفط بسبب الطائرات المسيرة لحكومة صنعاء وتهديدها لموانئ وسفن التصدير في حضرموت وشبوة. وبالمقابل، حُرمت حكومة صنعاء من عوائد النفط والخام، ولكنها استعاضت عن ذلك بتوسيع وزيادة الضرائب والجمارك والزكاة إلى أكثر من عشرة أضعاف ما كانت عليه قبل الحرب.

عوائد النفط والتنمية

ومن المفارقات، أنّ عوائد النفط منذ النصف الثاني من عقد الثمانينيات من القرن الماضي، لم تساهم في بناء مشاريع تنموية واستراتيجية، بل إنّ معظم المشاريع الحيوية والمهمة تم تنفيذها بتمويلات من القروض والمنح الخارجية، سواء في مجال بناء المحطات الكهربائية في الحُديدة والمخا ومأرب أو في الطرق الرئيسية أو في المطارات والموانئ أو في المياه والصرف الصحي في المدن الرئيسية والثانوية، وحتى الجسور والأنفاق في العاصمة، فضلًا عن مشاريع التعليم والصحة والطرق الريفية وغيرها.

تمثّل عوائد إنتاج وتصدير النفط والغاز أهمَّ موردٍ سياديّ لليمن، كما تمثّل أهمَّ بؤر الصراع والقتال بين حكومتي صنعاء وعدن، وفي ظلّ سيناريو الهدنة، لا بُدّ من اعتماد معايير لتقاسم عوائد الموارد النفطية والغازية.

وللإنصاف، فقد ساهمت عوائد النفط في تغطية النفقات الجارية، مثل المرتبات وما في حكمها، في الميزانية العامة، وفي تمويل الإنفاق العسكري والأمني، وفي تسديد أقساط القروض الخارجية وفوائدها، ويبقى التعويل على عوائد صادرات الغاز إذا تم معالجة الاختلالات القائمة في الاتفاقيات والعقود المبرمة مع الشركات الأجنبية المشغلة. 

ويمكن القول إنّ ثروة النفط تم إهدارها خلال العقود الماضية، وتراجع حجم الاحتياطي من النفط إلى مستويات متدنية، دون أن يلمس الناس الخيرات التنموية لهذا المورد. 

الصراع على تقاسم الموارد

برزت قضية تقاسم الموارد النفطية بين المحافظات، أثناء نقاشات الأطراف والمكونات السياسية والمدنية في مؤتمر الحوار الوطني، وألقت بظلالها على مخرجات الحوار خلال عام 2013، والتي تضمّنت اقتراح نظام الفيدرالية وتقسيم اليمن إلى ستة أقاليم (آزال، والجند، وعدن، وتهامة، وسبأ، وحضرموت)، على أن تظلّ مدينة صنعاء العاصمةَ الاتحادية، ولا تخضع لأيّ إقليم.

ووَفقًا لهذا التقسيم، فقد حظي إقليمَا حضرموت وسبأ، بكل حقول النفط والغاز، ممّا ألهب شرارة النزاعات بين أطراف الحوار الوطني، وخاصة الأطراف المسلحة المنتمية إلى إقليم آزال، بحجّة أنّ الإقليم فقيرٌ بالثروات، وليس له منفذ إلى البحر، وعبّروا عن رفضهم لذلك المقترح في نهاية 2014، ومن ثَمّ الدخول في صراع مع مؤسسات الدولة وأطراف الحوار الآخرين، الذين استنجدوا بدول الجوار "دول التحالف" لتشتعل الحرب وتمتد على ربوع اليمن كافة، وخلّفت مئات الآلاف من الضحايا والجرحى والمشرَّدين، وسبّبت دمارًا هائلًا في المنشآت العامة والخاصة، وفي مرافق البنية التحتية في معظم المحافظات. لقد جاءت الحرب لتصيب قطاع النفط بالشلل، وفرضت دُوَل التحالف حصارًا مطبقًا على التوسع بالإنتاج والتصدير، وإذا تمّت شحنات تصدير محدودة فيستولي على عائداتها سلطاتُ المحافظات المنتجة (مأرب، شبوة، حضرموت) وتُحرم منها خزينة الدولة، وتُمنع منافعها عن عموم السكان.

ومن جانب آخر، فإنّ قضية تقاسم الموارد تمثّل قضيةً رئيسية في المفاوضات والحوارات الجارية حاليًّا بين حكومة صنعاء وقائدة التحالف (السعودية)، وإذا انهارت المفاوضات فإنّ سيناريو العودة إلى الحرب يظلّ قائمًا، وسيكون لذلك مخاطر كبيرة ليس على إدارة وتقاسم الموارد فحسب، وإنّما على ضياعها وإهدارها أيضًا، إذ إنّ الحرب تعني المزيد من القتال وتركُّزه حول المحافظات المنتجة للنفط والغاز، وتحديدًا مأرب وشبوة؛ فالقتال هناك مستمرّ منذ بداية الحرب، وازداد ضراوة في السنوات الأربع الأخيرة، في ظلّ وضعٍ شبه جامد للمواجهات المسلحة في مناطق التماس الأخرى الممتدّة من ميدي على ساحل تهامة الغربي، مرورًا بتعز وإب، وحتى محافظات الضالع والبيضاء، فكلُّ تلك المناطق غير منتجة للنفط والغاز، وبالتالي دوافع الصراع والقتال فيها محدودة وغير محفزة، ومن المؤكّد أنّ "لعنة الموارد" تطارد اليمن في أوقات السلم، وفي زمان ومكان الحرب.

الأسس الناظمة 

تمثّل عوائد إنتاج وتصدير النفط والغاز أهمَّ موردٍ سياديّ لليمن، كما تمثّل أهمّ بؤر الصراع والقتال بين حكومتَي صنعاء وعدن، وفي ظلّ سيناريو الهدنة، لا بُدّ من اعتماد معايير لتقاسم عوائد الموارد النفطية والغازية بين الحكومتين من جانب، وبين المحافظات المنتجة للنفط والغاز والحكومتين من جانب آخر، ويمكن إبراز الأسس الناظمة لتقاسم الموارد بين الحكومتين، كما يلي:

1. الشفافية في عوائد النفط والغاز.

تواجه الدول النامية، ومنها اليمن، مخاطر وتحديات كبيرة نتيجة سوء إدارة الموارد من ثروة النفط والغاز، وتكون سببًا لاستمرار الصراع بين الأطراف المتنازعة، ولذلك لا بُدّ من رفع مستوى الشفافية في المعلومات والبيانات عن كل مراحل سلسلة القيمة للنفط والغاز، من نقطة الاستخراج والتصدير إلى كيفية وصول الإيرادات إلى حسابات الحكومة في البنك المركزي. وهذا يساهم في تعزيز المصداقية واستمراريتها فيما يتعلق بتحصيل إيرادات الموارد وتوزيعها، كما أنّ تعزيز الشفافية في الموارد النفطية سيؤكِّد التزامَ اليمن بمبادئ المبادرة العالمية للشفافية في الصناعات الاستخراجية، التي انضمّت إليها الحكومة اليمنية في عام 2007، وأعدّت تقاريرَ سنوية حسب متطلبات المبادرة وبدعمٍ من البنك الدولي، قبل أن يتم تعليق عضويتها في المبادرة بسبب إشعال الحرب.

2. الإنصاف في توزيع الموارد.

لنزع فتيل التوتر والصراع بين حكومتَي صنعاء وعدن، يتطلب الأمر التوزيع المنصف للإيرادات من النفط والغاز بين المحافظات اليمنية عامة، وَفقًا لعدّة معايير، منها: 

- الكثافة السكانية في المحافظات الخاضعة لسيطرة كلِّ حكومة، مع ملاحظة أنّ ثلثي السكان يعيشون في المناطق التي تسيطر عليها حكومة صنعاء.

- الموظفون العموميون في نطاق كل حكومة، مع معالجة قضية الرواتب غير المدفوعة لأكثر من خمس سنوات للموظفين في مناطق حكومة صنعاء.

- المرافق والمنشآت العامة من طرق وكهرباء ومياه وصرف صحي ومرافق التعليم والصحة وغيرها من القطاعات، والتي تقع في نطاق سيطرة كل حكومة، وهذا له علاقة بنفقات إعادة الإعمار والصيانة والتشغيل.

- إيرادات الضرائب والجمارك في مناطق الحكومتين، والمرتبطة بحجم النشاط الاقتصاديّ، مع الأخذ بالاعتبار أنّ ثلثَي الأنشطة الاقتصادية والتجارية موجودة في مناطق حكومة صنعاء.

3. مراعاة احتياجات المحافظات المنتجة للنفط والغاز.

تتكون خارطة اليمن الموحد من 22 محافظة، ويُستخرج النفط والغاز من ثلاث محافظات؛ مأرب وشبوة وحضرموت، والتي تشكّل مساحةً واسعة من جغرافية اليمن، إلّا أنّها أقل كثافة سكانية، وبالتأكيد فإنّ لتلك المحافظات احتياجات تنموية لسكانها، ولا بُدّ أن تحصل على جزءٍ من موارد الثروات المنتجة فيها، ولمعالجة ذلك يمكن اعتماد ما تم التوافق عليه في مؤتمر الحوار الوطنيّ، حول إمكانية تخصيص نسبة 20 إلى 25% من عوائد النفط والغاز للمحافظات المنتجة، وتوجيه تلك الموارد لتمويل مشاريع التنمية في تلك المحافظات.

وختامًا، فإنّ المجتمع اليمنيّ يتطلّع إلى وقف الحرب من خلال الاتفاق بين أطراف الصراع على هدنة متوسطة الأجل، لتمثّل مرحلةً انتقالية في بناء الثقة والمصداقية بين حكومتَي صنعاء وعدن، تمهيدًا للوصول إلى حوارٍ سياسيّ شامل يؤسّس لإنهاء الاقتتال، والدخول في مرحلة السلام والاستقرار.

وفي ظلّ هذا السيناريو، فإنّ أمام الأطراف السياسية جدول أعمال واسع وعميق يتعلّق بالتوافق على الأسس السليمة لبناء الدولة وطبيعتها، وما تتطلّبه من دستور وقوانين وتشريعات لتنظيم سلطات الدولة التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتضع الأسس والمعايير الناظمة لتوزيع الموارد السياديّة بين مستويات الحكم المركزيّ والمحليّ، ولتعظيم الاستفادة المثلى من الثروات السياديّة في مجال النفط والغاز والمعادن أو في مجال الزراعة والأسماك أو في الموارد البشرية والموقع الجغرافي لليمن الموحد، والخروج من قائمة الدول الموصومة بظاهرة "لعنة الموارد".

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English