عن المُحِبّة يارا خواجة ورفاقها..

وعن اليمن الذي يودعك بالقذائف
خيوط
January 10, 2021

عن المُحِبّة يارا خواجة ورفاقها..

وعن اليمن الذي يودعك بالقذائف
خيوط
January 10, 2021

لطالما صادفتنا مرارًا -نحن الذين نعمل في مجال الإعلام- أسئلة من قبيل: من الذي يدير صفحات مواقع التواصل الاجتماعي للصليب الأحمر في اليمن بكل ذلك الحب؟ ولطالما حرنا في الإجابة، إلا أننا مؤخرًا علمنا أن شخصيةً تحمل جنسية عربية تقوم بذلك العمل، وبقدر من الحب والتعلق والإخلاص.

يارا خواجة، لبنانية الجنسية، ليست عاملة في المجال الإنساني في اليمن وحسب، بل إنها قصة أخرى عن شعورنا نحن -اليمنيين- الدائم والمتجدد بالخزي والعار، من أن امرأة محبة ومتفانية إلى ذاك الحد، يمكن أن تقع ضحية لأبناء بلد شغفت به حدّ الجنون.

من هنا تبدأ القصة، حيث إذا مكّنتك الصدفة من أن تزور صفحة يارا في تويتر، يمكنك أن ترى التغريدة المفضلة التي حرصت على تثبيتها على واجهتها: "يومًا ما سأزور اليمن كسائحة"، كتبتها في 22 من نوفمبر من السنة المنصرمة.

وفي صفحات الصليب الأحمر اليمني على مواقع التواصل، كسرت يارا الملل الذي يصيب عادة متلقيًّا يمنيًّا ضَجِرٌ وعجول وأصابته الحرب بعدميتها، رأيناها كيف تتفاعل بحساسية وتفانٍ منقطع النظير، مع النشاطات المدنية للناس، وترسل رسائل التضامن بين وقت وآخر. 

في الـ11 من سبتمبر/ أيلول من السنة الماضية، تذكرت يارا اليمنيين على النحو التالي: "خسر اليمنيون الكثير في هذا النزاع، فقدوا أحبة لهم، ومصادر رزق يعيلون بها أبناءهم، فقدوا الأمان والاستقرار، فقدوا الوطن، بلغ صبر اليمنيين حده، ومع ذلك لا يزالون يأملون بغد أفضل. نقف مع اليمنيين في تطلعاتهم، ونقف معهم في محنتهم؛ لأنهم يستحقون ما هو أفضل".

وفي يوم الثالث من مارس/ آذار 2020، وهو اليوم المحلي للعودة لزراعة البن، كتبت يارا قصيدة:
يُشْبِهُ اليمنيون قهوتَهُمْ

روحُهم خضراءُ كأغصانِها، تميلُ ولا تنكسر مع الزمنْ

جريئون كحمرةِ الثمرةِ، لا تسقطْ

يَعرِفون مرَّ المذاقِ في الحياةِ ويقتحمون الحلوَ فيها 

يختلفُ اليمنيون ربما على الكثيرِ،

 لكنهم يستيقظون كل يومٍ على رائحةٍ واحدةٍ توصلُ بيوتَهم بخيوطٍ من شتلٍ تنتمي لأرضٍ واحدة.

ومع كل هذا اللطف تشعر بالصدمة، حين تجد أن آخر تغريدة، كتبتها يارا على صفحتها، وكانت في الثامن من يناير الجاري (2020)، تقول فيها: "أكتب هذه الكلمات وقد استعدت قدرتي بشكل أكبر على التركيز. نعم، على التركيز".

أصيبت خواجة، في 30 من ديسمبر/ كانون الأول الماضي، في الهجمة التي استهدفت مطار عدن الدولي لحظة عودة حكومة المنفى إلى المدينة التي أعلنها الرئيس هادي عاصمة مؤقتة له. كانت العاملة الإنسانية الاستثنائية قد أنهت عملها، وتتهيَّأ مع مجموعة آخرين من زملائها على كراسي الانتظار بصالة المغادرة للعودة إلى بلدها لبنان، عندما باغتتهم انفجارات، تذهب التحليلات الإعلامية الأولية لاعتبارها صواريخ.

وقع الهجوم، بينما كانت وسائل الإعلام في موقع استعداد لترجل عناصر الحكومة من على سلم الطائرة، وظهرت الصور الأولى لتروي فصلًا مأساويًّا جديدًا من لحظات اللامبالاة للأطراف المتحاربة بدماء المدنيين.

كيف أن الشابة الجميلة المبتسمة التي تعلق على صدرها شارة الصليب الأحمر ليتم تمييزها عن الأهداف العسكرية، صارت هدفًا لطيشِ قاتل لا مسؤول وعبثيته. تمشي خارجًا بصعوبة، يسندها جندي شاب، وعلى وجهها أمارات الذهول، ويتطاير شعرها ملطخًا بالدماء على الأصداغ. قتل في الهجمة 27 شخصًا في آخر إحصائية حكومية، وأصيب 108 آخرين. من بين القتلى ثلاثة من موظفي الصليب الأحمر، إلى جانب ثلاثة مصابين، بينهم يارا.

حميد القدمي، طبيب يمني من محافظة حجة، قال الصليب الأحمر، إنه كان يحاول السفر إلى خارج البلد لمناقشة رسالة الدكتوراه، ليعود ويعين على تقديم خدمة ورعاية صحية أفضل لمرضاه في أحد المشافي التي يدعمها الصليب الأحمر.

وبحسب زملائه، كان القدمي متوجهًا إلى الهند، وقام بطباعة رسالة تخرج الدكتوراه، وسلمها لمشرفه، ودفع رسوم المناقشة، قبل أن يقضي في صالة الانتظار.

نعاه الصليب الأحمر بالقول: "لم يكن يعلم بأن الموت يتربص به، وبأن مرضاه وعائلته لن يروه مرة أخرى. برحيله، فقدت اليمن واللجنة الدولية أحد أبنائها المخلصين".

الضحية الآخر، أحمد، وهو مهندس، يمنيّ أيضًا. يصفه زملاؤه بأنه "كان بشوش الوجه، حسن الخُلق"، يحرص من خلال عمله اليومي على تيسير تنقل الموظفين، وتدفق المساعدات للمتضررين من النزاع في اليمن عبر مطار عدن. 

شارك أحمد "في عملية تيسير إطلاق سراح ونقل أكثر من 1000 محتجز سابق إلى ذويهم في أكتوبر الماضي". 

يقول الصليب الأحمر، عنه: "لم يكن يعلم بأن الفرحة التي شارك بإدخالها على قلوب الآلاف من عائلات وأحباء المحتجزين السابقين والكثير من اليمنيين في أكتوبر الماضي، سيُحرَم منها عائلتُه وأحباؤه بعد أقل من ثلاثة أشهر فقط".  

أما الطبيب القتيل كايرانجا، فهو موظف روندي الجنسية "قطع آلاف الكيلومترات من بلده ليصل اليمن لمساعدة المنكوبين بعمله كاختصاصي أشعة سينية. خلال فترة عمله في اليمن، والتي كانت قد انتهت قبل الهجمة بيوم، ساعد في تقديم الرعاية الصحية للعديد من المرضى "بكل حبّ وتفانٍ". 

لم يكن هذا الهجوم الأول من نوعه الذي يستهدف منشأة مدنية، كما أنه ليس الأول الذي يذهب ضحيته إلى جانب المدنيين، موظفون إنسانيون في الصليب الأحمر. فاللجنة الدولية تعمل في اليمن منذ العام 1962، في محاولة منها للتخفيف من المعاناة التي تفرضها الحرب على البلد.

وفقدت اللجنة الدولية وجمعية الهلال الأحمر اليمني ١٧ موظفًا منذ العام ٢٠١١؛ (٧ موظفين من اللجنة الدولية، و١٠ من متطوعي جمعية الهلال الأحمر اليمني)، أثناء تأدية عملهم في مختلف المحافظات اليمنية.

وسبق أن فقد الصليب الأحمر في 21 أبريل/ نيسان 2018، موظفه اللبناني حنا لحود، المسؤول عن برنامج الاحتجاز في اليمن أثناء ممارسته لعمله. وكان لحود في طريقه لزيارة أحد السجون عندما هاجم مسلحون مجهولون سيارة اللجنة الدولية، التي كان يستقلها على أطراف مدينة تعز. هُرِع بالموظف إلى المستشفى حيث توفي فيها من جرّاء إصابته. 

بعد 10 أيام من نقلها إلى المستشفى، على ما يبدو في بلدها لبنان، أطلت يارا في الثامن من يناير/ كانون الثاني، على أصدقائها وصديقاتها في موقع فيسبوك، وقالت إنها على وشك إجراء عملية جراحية رابعة في غضون الأيام القليلة التي دخلت فيها المستشفى.

وكشفت يارا أنها كانت قد وجدت شظيتين في وقت سابق من وجودها في اليمن، أثناء تواجدها في سطح بيتها، وبما عرف عنها من الدعابة، قالت: "شظيتان قديمتان صدِئتان، قلت لنفسي ربما آخذهما كذكرى لي من هنا".

واعتبرت يارا، أن تجربتها مع الهجوم هي الأصعب على الإطلاق "أن تتحول دقائقي الأخيرة في اليمن إلى رحلة علاج صعبة"، وواصلت بالقول: "لا أذكر ما حصل لأنسى، لكني أسامح. قدّم اليمنيون لي حبًّا كافيًّا ليعوض ما جرى".

واليوم، العاشر من يناير/ كانون الثاني، استيقظت يارا "من ليلة أقل أرقاً من سابقاتها"،تحسست عرقها فعرفت أن السموم تخرجمن جسدها، فتسائلت: أيخرج الحزن والألم معها أيضاً؟ ثم ردت على نفسها: أتمنى! لا مكان لهم عندي".

نحن أيضاً نتمنى لها ذلك.


•••
خيوط

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English