من "العامل" إلى "العمال"

الجاوي والصحافة النقابية في عدن
خيوط
December 23, 2022

من "العامل" إلى "العمال"

الجاوي والصحافة النقابية في عدن
خيوط
December 23, 2022

"الصحافة النقابية في عدن 1957- 1967"هو في الأصل رسالة الماجستير (دبلوم الصحافة) التي تقدم بها الطالب عمر الجاوي لكلية الصحافة في جامعة موسكو في مطلع العام 1967م، وهو تتبع دقيق لحال الصحافة النقابية في المستعمرة الإنجليزية وخطابها في مرحلة شديدة الثراء لجهة النشاط النقابي والسياسي، الذي زاولته الأحزاب السياسية الوليدة، والنقابات العمالية ضد الاحتلال البريطاني لعدن ووصاياه على المحميات.

تبدأ استكشافات الكتاب من الوضع السياسي لحالة الاحتلال البريطاني للمدينة ومبررات هذا الاحتلال عن المؤرخين البريطانيين، والمتمثلة بدرجة أساسية بالحاجة الماسة لتمويل البواخر المارة إلى الهند عن طريق عدن، أما الاستيلاء على المناطق المجاورة لعدن بين 1839- 1939م بواسطة المعاهدات المزيفة مع السلاطين والعقال والمشايخ والأمراء بأنها ضرورية من أجل الدفاع عن ميناء عدن من القبائل اليمنية المحيطة. غير أن السلطات الاحتلال لم تستخدم الميناء من أجل تمويل بواخرها فقط، حيث صنعت منه أيضًا مركزًا تجاريًا هامًا لتجارة الاستيراد والتصدير، عبر الشركات الاحتكارية البريطانية التي سيطرت فعلًا على كل تجارة جنوب الجزيرة العربية.

بعد الحرب العالمية الثانية استعادت مدينة عدن مركزها التجاري العالمي فشهدت زيادة هائلة في عدد أفراد الطبقة العاملة [بسبب الهجرة الداخلية] نتيجة الظلم البشع الذي تعرض له الشعب اليمني من قبل الحكم الإمامي الإقطاعي الرجعي في شمال الوطن، والسلاطيني في المحميات.

 حتى عام 1948م لم تكن النقابات منظمة تنظيمًا جيدًا، بالرغم من وجودها الفعلي، وهناك مجموعة وثائق تثبت ذلك، رغم أن الأمين العام "لمؤتمر عدن للنقابات" عبد الله الأصنج يؤكد أن أول نقابة ظهرت في عدن كانت في عام 1951م. وأبكر الأشكال النقابية تقريبًا تلك التي تأسست في فبراير 1947 تحت مسمى "جمعية مالكي السيارات وسائقيها".

في عام 1948م خاض عمال ميناء عدن معركة شرسة ضد المستعمرين الإنجليز كاحتجاج على السياسة الإنجليزية التي مارستها في فلسطين، وضد مساعدتها للصهيونية في طرد الشعب العربي الفلسطيني من أرضه الأصلية وتأسيس دولة عنصرية غير شرعية لإسرائيل. وما تلا من إضرابات لبعض عمال الشركات وتقديمهم لمطالب اقتصادية (إضراب عمال الشركة الأنجلو- إيرانية في سبتمبر 1948) 

 في سبتمبر 1949م تقدمت السلطات الاستعمارية بقانون إلى المجلس التشريعي يحرم دخول العمال من المملكة المتوكلية اليمنية والمحميات إلى عدن على خلفية انتفاضة العمال في الميناء. وحينما تطلب عمل الشركات الاحتكارية في مزارع القطن في سلطنات يافع والفضلي ولحج، وكذلك إنشاء شركة "بي بي" لمصافي عدن إلى قوى عاملة، استجلبت عمالًا من الصومال البريطاني. وقد أدى هذا الإجراء إلى احتجاج عاصف في البلاد ضد عمل الشركة كان نتيجته صراعًا دمويًا بين العمال اليمنيين والصومال. وفي نفس الفترة صدر قانون "حقوق المواطنة في عدن" الذي اعتبر اليمنيين من أبناء المملكة المتوكلية والمحميات مهاجرين لا يملكون حقوق المواطنة، في الوقت الذي اعتبر فيه كل أبناء الكومنولث البريطاني مواطنين في عدن. 

مع مطلع الخمسينات وفي خضم التحولات السياسية في المنطقة العربية بعيد ثورة يوليو 1952م -يسميها الجاوي انقلاب 1952م في مصر- وضع الخطاب السياسي الجديد النقابات في العالم العربي أمام مهام وطنية جديدة، فالنقابات في عدن، رغم غياب صحافتها، استطاعت التعرف على هذه المهام الجديدة للحركة النقابية عن طريق "صوت العرب" التي استطاعت توجيه العمال في عدن نحو النضال السياسي ضد الاستعمار الإنجليزي.

في العام 1955 ولأول مرة ظهر في مجموعة من الصحف العدنية الاهتمام بالحركة النقابية، وأصبحت صفحة العمال جزءًا من الصحافة العدنية، كما كانت الأحزاب السياسية في حاجة ماسة إلى استخدام النقابات من أجل تحقيق أهدافها، مثل حزب الرابطة الذي حاول السيطرة على نقابة المصافي، واعتبرت جريدته "الجنوب العربي" طليعة الحركة النقابية في عدن، وحاولت من خلالها قيادة بقية النقابات. غير أن رفض النقابات قرار السلطة الاستعمارية بإجراء انتخابات جزئية للمجلس التشريعي مع استبعاد غير العدنيين (من أبناء الممكلة المتوكلية والمحميات)، وتعيين البقية من قبل السلطة الاستعمارية، وقرارها بمقاطعة الانتخابات؛ أحدث هزة عنيفة في المجتمع، واعتبر ذلك أول موقف سياسي واضح ليس فقط ضد الاستعمار، وإنما ضد الأحزاب السياسية الرجعية التي شاركت في الانتخابات "حزب الرابطة والجمعية العدنية".

وبسبب مشاركة الرابطة في الانتخابات، فقد انشق كثير من قادة الرابطة وأنشأوا حزبًا جديدًا "الجبهة الوطنية المتحدة"، وكان على رأس الحزب الجديد رؤساء نقابات المعلمين محمد عبده نعمان، شركة طيران عدن عبدالله الأصنج، شركة لوك توماس عبد القادر الفروي، وعمال الميناء عبده خليل سليمان، ونتيجة لمقاطعة الجبهة الوطنية والنقابات قاطع أغلب سكان مستعمرة انتخابات المجلس التشريعي في عدن؛ ولهذا السبب سقط مرشح الرابطة عبد الرحمن جرجرة، وزير إعلام حكومة الاتحاد لاحقًا.

لقد تبينت الطبقة العاملة بوضوح أنه بدون وحدة النضال ضد الحكم الاقطاعي في شمال البلاد والاستعمار في جنوبها، لا يمكن أن يحقق الشعب اليمني أهدافه الوطنية والاجتماعية، ولقد اضطر قادة النقابات إلى رفع شعار الوحدة اليمنية نتيجة التركيب الديمغرافي لسكان عدن الذي بلغ في 1955، 138 ألف نسمة كان فيهم السكان الأصليين27 ألف، والوافدين من المتوكلية 48 ألفًا ومن المحميات 19 ألفًا، والبقية من جنسيات أخرى أوروبية وأسيوية وأفريقية. هذا الشعار حدد اتجاهات الكتل والتجمعات السياسية وحتى الأفراد، وأوجد حوارًا ونقاشًا في صفوف كل المنظمات الأخرى.

كان للنهوض الجبار للطبقة العاملة العربية وازدياد واتساع تأثيرها في الحياة النضالية للجماهير، فقد ظهر في الحياة السياسة مؤتمر عدن للنقابات في مارس 1956 ممثلًا لاثنتي عشر نقابة، وصدرت عنه صحيفة "العامل" التي شكلت امتدادًا طبيعيًا لصحيفة "البعث" التي تأسست في العام 1955 ورأس تحريرها محمد سالم علي، رئيس نقابة عمال النقل، ولعبت دورًا مهمًا في الحياة السياسية وقتها.

 صدرت جريدة "العامل" أول مرة في اكتوبر 1957، وعبرت عن آراء قادة كل النقابات الذين تتوزع اتجاهاتهم السياسية على التيارات المؤثرة مثل التيار الناصري، وحزب البعث، وحزب الرابطة، واستوعبت كتابات للماركسيين الذين كانوا مقاطعين للانتخابات بعد أن تركوا الرابطة، لكنها مع العداء القومي للشيوعية بخلافات عبد الناصر وعبد الكريم قاسم بعد أحداث الموصل في 1958 بدأت تستوعب كتابات ضد الاتحاد السوفيتي، ضمن ما يسميه الجاوي الدعاية المضادة للشيوعية والمفتعلة على النسق القومي الناصري البعثي.

صدرت جريدة "العمال" في أبريل 1965 ورأس تحريرها علي حسن قاضي، رئيس مؤتمر عدن للنقابات، وعالجت القضايا السياسية بالدرجة الأولى من وجهة نظر بعثية صرفة، واتخذت موقف البعث بتفاصيله الذي يعادي القوات العربية في اليمن، ولم تستطع "العمال" أن تستوعب في تلك الفترة على الأقل قضية أن الوطنيين اليمنيين والقوات المصرية يقفون في جبهة واحدة ضد الإمبريالية والرجعية السعودية والمحلية، ولم تتفهم أن معاداتها للقوات المصرية يعني تسهيل مهمات السعودية والملكيين وحتى الاستعماريين الإنجليز.

في منتصف العام 1965م أعلن قادة مؤتمر عدن للنقابات وحزب الشعب الاشتراكي عن حل الحزب وكونوا منظمة تحرير الجنوب المحتل، ودخل في هذه المنظمة رابطة أبناء الجنوب العربي وعدد من السلاطين والمشايخ، وكان هدف المنظمة هو تحطيم الجبهة القومية وإنهائها.

هذان النموذجان اللذان اتخذهما عمر الجاوي أساسًا لدراسته هذه، وبإحاطتها التاريخية لوضع مستعمرة عدن في تلك الفترة، صارا مادة تحليلية متكاملة لاتجاهات الصحيفتين النقابيتين وتفاعلهما السياسي مع الأحداث المحلية والعربية، وأفرد جزءًا مهما لمعاينة الحالة السياسية في عدن وشمال البلاد. 

__________________________ 

(*) الكتاب طبع بمؤسسة "14 أكتوبر" بـ 124 صفحة من القطع الصغير، دون تحديد تاريخ النشر.

•••
خيوط

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English