امرأة تقاوم لتربية أطفالها تحت عجلة الحرب

شرّد القصف أسرتها وأصاب زوجها بالجنون
سكينة محمد
September 9, 2021

امرأة تقاوم لتربية أطفالها تحت عجلة الحرب

شرّد القصف أسرتها وأصاب زوجها بالجنون
سكينة محمد
September 9, 2021

فقد زوجها عقله، انقطع مصدر الدخل، وساد الفقر حياة الأسرة. سلسلة من المعاناة دفعت "ندى علي" (28 سنة) للتحطيب وحمل المياه لمسافات بعيدة، أو إبعاد الحجارة من الطرقات نظير مبلغ زهيد يكفيها ذلّ التسول.
بملامح شابة وهموم عجوز، تقول ندى لـ"خيوط"، إنها أتت إلى مديرية "شرعب السلام" شمال محافظة تعز، ومعها ثلاثة أطفال، أكبرهم 9 سنوات، وحاملًا بالطفل الرابع، فيما حالة زوجها النفسية والذهنية تقترب من الجنون. لذلك وجدت نفسها وجهًا لوجه أمام أعباء ومتطلبات الحياة، ما اضطرها لامتهان أعمال شاقة لم تعتد عليها من أجل إطعام أطفالها.
تستيقظ ندى قبل الفجر؛ تذهب لجلب المياه من بئر القرية سريعًا وهي تُسابق الوقت ركضًا من مهمة لأخرى، ثم تعود لإشعال موقدها بالوقود الذي ستذهب بعد الفطور لجلب المزيد منه، فالغاز رفاهية لا تملكها ندى. تكمل فطورها وتتأهب للذهاب لجمع الحطب.
من يتحدث مع ندى يشعر كأنها تحمل حزن مئة عام، مصابة بشرود ذهني متواصل، سريعة في الحركة والكلام، وخفيفة في القيام بالمهام، كأنها تنتمي لسلالة من النساء الخالدات اللواتي اعتدن عمل الحقل والمحجر؛ لا وقت لديها لتضيعه.
تبعات القصف وانقطاع الرواتب
بعد أكثر من سنة على بدء القصف الجوي والبري على مدينة تعز، نزلت على ندى مصيبتان؛ الأولى انقطاع راتب زوجها وتدهور حالته النفسية والذهنية، والثانية مرض ابنتها.
تشكو ندى من عدم صرف رواتب موظفي الدولة المتوقفة منذ سبتمبر/ أيلول 2016، معتبرة انقطاعها أهم أسباب تدهور وضعها وجنون زوجها، واضطرارها لترك الشقة التي كانت الأسرة تستأجرها في مدينة تعز، بسبب عجزه عن سداد الإيجار.

بدأت تلاحظ تصرفات غريبة على زوجها (محمد)، مثل دخوله في نوبة بكاء متواصل، وتوهّمه أن رقم حوالة بالمرتب الشهري وصل لهاتفه، ومع ذهابه لمراكز الصرافة بشكل متكرر أدركت ندى أن "الراتب أخذ عقله".


تقول ندى إنها كانت تملك قليلًا من الذهب، أخذه زوجها في منتصف العام 2017، وباعه، ثم توجه بالنقود إلى رجل لم يخبرها حتى باسمه، لكنه قال إن ذلك الرجل وعده بنقل عمله إلى عدن، وأنه سيمنحه مرتبًا شهريًّا من الحكومة المعترف بها دوليًّا.
غير أن ذلك المال ذهب بلا جدوى، وبدأت تلاحظ تصرفات غريبة على زوجها (محمد)، مثل دخوله في نوبة بكاء متواصل، وتوهّمه أن رقم حوالة بالمرتب الشهري وصل لهاتفه، ومع ذهابه لمراكز الصرافة بشكل متكرر أدركت ندى أن "الراتب أخذ عقله".
"لم أكن أملك المال حينها حتى آخذه لطبيب نفساني، بل كنت في مواجهة يومية مع التشرد، بسبب القصف المتواصل على المدينة". تقول ندى مضيفة بحسرة: "ضاق بنا الحال، وازداد وضعنا الاقتصادي سوءًا، وازدادت حالة زوجي تعقيدًا".
بعدها تحكي ندى قصة نزوحها لمحافظة إب، مثل أغلب سكان مدينة تعز آنذاك؛ "استأجرنا غرفة، وحاولت إقناع زوجي بالبحث عن عمل، لكن حالته النفسية كانت تزداد سوءًا، فيما كنت عاجزة عن عمل شيء بسبب أطفالي الثلاثة، علاوةً على أني لا أعرف أحدًا في المدينة، ولا أستطيع الخروج لكوني غريبة وأخاف الاختلاط بالغرباء".
وتضيف ندى: "خلال تلك الفترة التي قضيتها في مدينة إب، نصحتني إحدى جاراتي بالسفر إلى صنعاء لعلي أجد منظمة تسجلنا كنازحين، وتعيننا على تدبر أمورنا، لكن الخوف استوطن قلبي، وعرفت وقتها أني حامل بابنتي "أنهار"! مرت بي أيام وليالٍ، قاسيت فيها من الجوع ومذلة الحاجة ومطالب الأطفال، ومن رجل يغادر المنزل صباحًا ولا يعود، فأخرج، مجبرة وخائفة، للبحث عنه".
اضطرت ندى حينها لبيع كل الأثاث الذي جاءت به من تعز، "بثمن بخس"، وقررت النزوح مجددًا إلى مسقط رأسها في مديرية "شرعب السلام". كان ذلك في نهاية العام ٢٠١٨، وهكذا رحلت عن مدينة إب "بثلاثة أطفال ورابعهم في بطني ونصف رجل".
تقول ندى في حديثها لـ"خيوط"، إنها سمعت أحدهم، في إحدى ليالي العوز والتشرد التي مرت بها، يقول: "عِزّ القبيلي بلاده ولو تِجَرَّع غَثَاها"، فتذكرت أن لها منزلًا صغيرًا في إحدى قرى مديرية "شرعب السلام"، حتى وإن كان عبارة عن غرفة واحدة في حوش جامع كان أبوها يعمل مقيمًا وإمامًا فيه.
من هنا بدأت رحلة أسرة معظمها أطفال، مع المعاناة وحياة التشرد والبؤس والعوز، ومواجهة تبعات الحرب والقصف. عادت إلى القرية، حيث قررت أن تعيش وترعاهم.
ولادة تحت الماء
عادت ندى قبل ثلاث سنوات للعيش في منزل شعبي متهالك، عبارة عن غرفة واحدة، لكنها قررت الإقامة فيه مضطرة ما دام لا يزال هناك سطح يغطيه وباب يقفل ليلًا. هناك وضعت مولودها الرابع، والتي اختارت لها اسم أنهار ، طبقًا لما كان أطفالها يرددونه عند هطول المطر وتسربه إلى داخل المنزل: "معانا أنهار في البيت".
تصف هذه الأم بشموخ، المتاعب التي تعرضت لها بعد نزوحها من المدينة إلى الريف الذي وُلدت فيه، وبعد أيام قليلة من ولادتها، حيث جاء إليها إخوتها لأبيها يطلبون منها ومن زوجها "المجنون" -كما يصفونه- مغادرة البيت. تقول ندى إنها شعرت حينذاك بغيظ السنين كلها، وخرجت وهي لا تقوى على الحركة، وتكلمت بأعلى صوتها أمام شيخ المنطقة والوجهاء صارخةً: "هل يمكن إخراج امرأة أنجبت لتوها، من هذه الغرفة الأشبه بزريبة؟"، وتستطرد: "وقتها فقط، أحسست بأن المسؤولية كبرت على عاتقي، ولم أعد تلك الشابة الضعيفة. شعرت بأني كبرت ثلاثة أضعاف عمري، وحينها وقف بجانبي أهل المنطقة وتعاطف معي شيوخها، وتمكنت من الظفر بالمنزل، وتم إلزام إخوتي بتوقيع تعهد خطي، بعدم التعرض لي".
في سرد لا يخلو من الوجع، تضيف ندى أن كل تلك المتاعب ذكّرتها بشريط حياتها الماضية، حيث كانت طفلة مدللة لأب مُسنّ وأم تغمرها بالعطف والحنان، وأخت واحدة فقط، كانت قد تزوجت في سن مبكرة. انتقلت بعد ذلك ندى للعيش في مدينة تعز، وكانت حياتها شبه هادئة، إلا من حزن عائلي لموت والدها، وزواج أمها بعده.
وتتابع: "تزوجت وأصبحت أم لطفلة وأنا ما زلت طفلة، لم أكمل تعليمي، لكني أستطيع القراءة والكتابة، وهذا ما ساعدني على تعليم أبنائي حروف الهجاء والعد والقراءة".
كان زوجها يعمل في صنعاء، "عسكري لم ينخرط في القتال مع أطراف الصراع، وفضّل البقاء في البيت منذ بداية الحرب الدائرة في اليمن قبل ما يزيد عن ست سنوات"؛ يذهب لأشهر ويعود محمّلًا بالحلوى والهدايا، وكان يعدها في حال تحسن وضعه المادي، نقلها معه للعيش في العاصمة صنعاء. كان حلمًا بددته انعطافة الحرب الكبرى في مارس/ آذار 2015، ومعها تغيرت حياتها وبدأت تواجه سلسلة متواصلة من الأزمات والانتكاسات.
العودة
بعد عودتها إلى قريتها في مديرية "شرعب السلام"، ترك زوجها المنزل، حيث كان يقول لها في كل مرة إنه ذاهب "لاستلام فلوس والعودة"، لكنه في المرة الأخيرة، ذهب بلا عودة. تؤكد ندى أن أحدهم أخبرها بمشاهدته مصادفة يتسول في منطقة الحوبان، شرق مدينة تعز، وآخر أخبرها بأنه صار مجنونًا يمشي بلا ملابس، فيما تكافح ندى من أجل إطعام أطفالها وتربيتهم.
في رحلة كفاحها تصف ندى كيف التحقت بإحدى المنظمات التي تدعم النساء العاملات في مديرية شرعب السلام، حيث تعلمت الخياطة، وحصلت على ماكينة خياطة؛ بدأت العمل على الماكينة بأجر بسيط، لكنه كان يغطي بعض متطلباتها المعيشية، إضافة إلى عملها في جمع الحطب وحمل الحجارة من الطرقات، ومساعدة مزارعي نبتة "القات" في المنطقة بقطفه (التبْزِيغ) مقابل كمية منه، كانت ترسلها إلى السوق لبيعها؛ حيث استطاعت بمردود هذه الأعمال بناء حمّام جوار الغرفة التي تسكنها.
تربية الماشية
تمّنت ندى لو تحظى بدعم لمشروع تربية المواشي. تقول: "أنا في منطقة ريفية وعندي القدرة على تربية الماشية، لكني لا أستطيع شراءها بسبب الأسعار المرتفعة جدًّا. لو أمتلك مجموعة لا بأس بها من الماشية سأتمكن من التربية والبيع لاحقًا وتوفير بعض المال لي ولأولادي".
هذه قصة نزوح ندى، وهي قصة واحدة من مئات القصص لنازحين توجهوا إلى مديرية "شرعب السلام"، حيث لا تزال تعتبر منطقة آمنة إلى الآن، ولم تطلها نيران الحرب بشكل مباشر.

•••
سكينة محمد

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English