الأطفال.. الحلقة الأضعف في الحرب القاسية

أطراف مبتورة ومستقبل مجهول
بشرى بشير
October 20, 2021

الأطفال.. الحلقة الأضعف في الحرب القاسية

أطراف مبتورة ومستقبل مجهول
بشرى بشير
October 20, 2021
Photo by: Hamza Mustafa - © Khuyut

لا يزال النزاع مستمرًا في اليمن، ويلقي بتبعاته على الأطفال بصورة تضاعف القلق على نموهم ومستقبلهم، إذ يعيشون في وسط بيئة حياة مليئة بالعنف وسوء التغذية والأمراض المتعددة، ناهيك عن مشاعر الخوف والحزن التي انطبعت في قلوبهم جراء مشاهد الحرب التي عاشوها منذ أكثر من ست سنوات، خاصة الأطفال الذين تعرضوا لإصابات جسدية.

يعاني غالبية الأطفال المصابين جراء الحرب، من الإهمال، الذي حرمهم الشفاء الكامل من الإصابات التي تعرضوا لها، وبعضهم تفاقمت حالاتهم الصحية إلى الأسوأ.

في زيارة قامت بها "خيوط" لعائلة أحد الأطفال المُصابين في تعز، روت الأسرة قصة إصابة طفلها ومعاناتها اللاحقة؛ الأمر الذي قلب حياتها رأسًا على عقب.

لم يكن رهيب سوى رقم إحصائي آخر مهمل وعابر، ولم يسبق أن تناولت وسائل الإعلام قصته منذ إصابته، فبقيت آلامه، وأمثاله من الأطفال، حبيسة جدران المنازل والمشافي وقلوب ذويهم.

تروي أم رهيب لـ"خيوط"، قصة إصابته في العام 2016، في الوقت الذي كانت فيه مدينة تعز تعاني من حصار مطبق فرضته قوات جماعة أنصار الله (الحوثيين). تقول الأم الحزينة: "كان عمره تسع سنوات عندما أصابته رصاصة قناص في منفذ "الدَّحي" (غرب مدينة تعز). اخترقت الرصاصة عموده الفقري وخرجت من الجهةِ الأخرى، مُسببةً له ضررًا في العمود الفقري أدى لإصابته بشلل نصفي". فور إصابته، تم إسعاف رهيب إلى مستشفى أهليّ في حي شارع الستين، فاستقبله أطباء من منظمة "أطباء بلا حدود" كان يستضيفهم المستشفى، وأجروا له عملية جراحية، لكن الإصابة كانت مباشرة في العمود الفقري.

في تقريرها للعام 2020، قالت اللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات حقوق الإنسان، أنها وثقت سقوط 277 طفلًا ضحايا للحرب؛ منهم 83 قتلى، و194 آخرين جرحى، بالإضافة إلى سقوط 44 طفلًا ضحايا انفجارات ألغام وعبوات ناسفة، وحمّلت اللجنة كافة الأطراف مسؤوليتها، في حين يحتاج أكثر من 11 مليون طفل آخر إلى المساعدة الإنسانية من أجل البقاء على قيد الحياة.

إمكانيات هزيلة

رغم قِدم الإصابة، لا تزال المعاناة والحزن مصير عائلة رهيب، في حين يمضي وقته طريح الفراش مجبرًا لا مخيرًا. تواجه والدة رهيب صعوبات أخرى، تتمثل في البحث عن المساعدات المخصصة للجرحى من منظمات الإغاثة الخيرية، إلا أن جهودها تبوء بالفشل أحيانًا كثيرة. وتشرح ذلك قائلة: "تعقيدات كثيرة تواجهنا، خاصة أن الكثير منهم (موظفي المنظمات الإغاثية) يطلبون أن يأتي الطفل للكشف عليه والتأكد إذا كان يستحق المساعدة، بعض الجهات رفضت مساعدتنا حتى بقيمة كرسي متحرك لابني، بحجة أنه لم يُصب في الجبهة وهو يحمل البندقية!".

يفيد تقرير لمنظمة اليونيسف، أن حوالي 1.2 مليون طفل في اليمن، يعيشون في 31 منطقة مشتعلة بالنزاع، بما في ذلك محافظة تعز، في أماكن تشهد عنفًا شديدًا بسبب الحرب.

ومنذ اتفاق ستوكهولم في كانون الأول/ ديسمبر 2018، لم يحدث تغيير كافٍ بالنسبة للأطفال في اليمن. فمنذ ذلك الحين، يُقتل أو يُصاب ثمانية أطفال يوميًّا. قُتل معظم هؤلاء الأطفال أثناء اللعب مع أصدقائهم خارج منازلهم، أو في طريقهم من وإلى المدرسة.

جعلت الصراعات السكان المدنيين في حالة من الاستضعاف، لكنها تشكل ضغطًا متزايدًا وخطرًا مضاعفًا على الأطفال؛ نظرًا لصغر أعمارهم وضعف بنيتهم الجسدية. ومن بين أبرز المخاطر التي تواجه الأطفال في الحروب، الموت واليُتم والإصابة بالجروح والنزوح والانفصال عن الأسرة، كل هذا علاوة على صعوبة الحصول على الرعاية الصحية، ما قد يؤدي إلى الموت أو ربما يترك آثارًا طويلة المدى.

خلال سنتين فقط، استقبل مركز الأطراف الصناعية بتعز 89 طفلًا؛ منهم من يعانون من بتر الأطراف السفلية والعلوية معًا.

"أنا مُميزة.. ولستُ مختلفة"

تتعدد صور معاناة الأطفال وأوجاعهم؛ يفقد طفل أحد أطرافه، بينما يفقد الآخر كليهما. قد يكون البعض منهم محظوظًا باستبدال أطرافه المبتورة بأطرافٍ صناعية لتكمل معه مسيرة الحياة، أما البعض ممن لا حول لهم ولا قوة، فيبقى على كرسي متحرك أو بثلاثةِ أطرافٍ وعكازين، يسير بهما نحو مستقبل مجهول مليء بالخيبات والأسى. 

شيماء علي، إحدى هؤلاء الأطفال الذين تعرضوا لبتر أحد أطرافها. وفي حديث أجرته "خيوط" مع والدها، يقول: "أصيبت شيماء في 2017، وكانت في الخامسة من عمرها آنذاك. كانت تلعب في الشارع مع أصدقائها، حين سقطت قذيفة لتأخذ معها روح صديق شيماء الصغير وتصيب آخر، وتبتر ساق شيماء اليمنى، مع أضرارٍ في ساقها اليُسرى، وندوبٍ في يدها اليمنى لم تلتئم بعد".

بعد خضوعها لعملية جراحية في مستشفى الثورة، تم نقل شيماء إلى مصر، بمساعدة من مؤسسة "تمكين المرأة اليمنية"، لإعطائها جُرع الدواء ودعمها نفسيًّا ضمن برنامج "أنا مميزة ولستُ مختلفة". ويضيف والدها: "تلقينا المساعدات لعلاج شيماء من مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، حيث قاموا بدعوتنا لنسافر إلى المملكة العربية السعودية لتركيب طرف صناعي لها ثم عدنا إلى اليمن، أما بعض الأدوية فكانت على نفقتنا، ولم نتلقَّ أي مساعدة من السلطات الحكومية [الحكومة المعترف بها دوليًّا]". ويختم حديثه بإبداء الأسف: "نحن هنا في تعز -أطفالنا بشكل عام، والجرحى منهم بشكلٍ خاص- لا توجد جهة تهتم بهم، وبرعايتهم، سواء من ناحية العلاجات أو الدعم النفسي أو متابعة حالة المصاب".

كحال الكثير من المراكز الصحية المهملة في تعز، يعد مركز الأطراف الصناعية في مستشفى الثورة على رأس هذه القائمة، حيث إن غياب اهتمام الحكومة المعترف بها دوليًّا عنها، بات واضحًا للعيان. يواجه هذا المركز الكثير من الصعوبات لكي يتمكن من إبقاء خدماته متاحة للمرضى، وكما هنالك آمال للكبار معلقة عليه، تأمل أيضًا قلوب الأطفال الغضة أن يهبها المركز حياةً أفضل. 

الدكتور منصور الوادعي، مدير مركز الأطراف الصناعية والتأهيل الطبيعي، يتحدث لـ"خيوط" عن الصعوبات التي تواجه عمل المركز. يقول: "أبرز الصعوبات التي واجهناها خلال الفترة الماضية، تمثلت بعدم توفر المواد الخام بشكل كافٍ، بالإضافة إلى عدم توفر المفاصل الهيدروليكية والإلكترونية، وهذه المفاصل مهمة، خاصة أن معظم مبتوري محافظة تعز من فئة الشباب والأطفال الذين هم في مرحلة نموٍّ مستمر، وتحتاج أطرافهم للتغيير كل ستة أشهر إلى سنة".

لم تكن شيماء الطفلة الوحيدة التي تعرضت لحالة بترٍ في تعز، فهناك العشرات مثلها. وفي إحصائيةٍ لمركز الأطراف الصناعية أفاد الوادعي بأنه استقبل 89 طفلًا خلال سنتين فقط، منهم من يعانون من بتر الأطراف السفلية والعلوية معًا. ثلثي الحالات تمت معالجتهم بجلسات العلاج الطبيعي وتوفير دعم نفسي لهم، بمساعدة من اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومركز الملك سلمان، بيد أن الحكومة لا تحرك ساكنًا رغم استمرار النزاع وازدياد حالات الجرحى، خصوصًا من الأطفال.

تأهيل الأطفال نفسيًّا، وعلاجيًّا، وتقديم المساندة لهم ولأُسرهم، وتوعية المجتمع بكيفية التعامل مع هؤلاء الأطفال الجرحى، لكيلا تتفاقم مشاعر النبذ والخجل لديهم، وتفاديًا لأي عدوانية تنشأ لديهم تجاه المجتمع الذي لم يساندهم.

براءةٌ منتهكة وندوبٌ باقية

في الوقت الذي يمكن فيه إحصاء الجروح الجسدية، فإنّ هناك جروحًا نفسية وتأثيرات يصعب قياسها بالأرقام المجردة. لم يسلم الأطفال من هذه الجروح الغائرة في نفوسهم الغضة. وفي هذا السياق، يقول مدير مركز الإرشاد والبحوث النفسية بجامعة تعز، الدكتور جمهور الحميدي لـ"خيوط": "الطفولة بشكلٍ عام تحتاج إلى نمو سليم ومتكامل، حيث إن الكثير من الدراسات والبحوث النفسية تؤكد أن مرحلة الطفولة تعتبر البذرة الأولى لشخصية الفرد، بل لشخصية المجتمع عمومًا، وبالتالي أيّ أحداثٍ أو مشاكل مؤلمة، تكون غائرة وتظل محفورة في الذاكرة، وتؤثر على كافة جوانب شخصية الطفل ونموه بشكلٍ سليم". 

ويضيف الحميدي أن الحرب ووقائعها الكثيرة التي حدثت في اليمن، جعلت الطفولة من أكثر الشرائح تضررًا، وحرمتها من الكثير من احتياجاتها، ومتطلباتها في هذه المرحلة، كحقهم في التعليم واللعب والمساحات الآمنة التي من المفترض أن يعيشوا فيها. وإضافة إلى ذلك، يتأثر النمو السليم -بحسب الحميدي- بالأحداث المؤلمة ومشاهدة الجرائم والعنف، وأصوات الرصاص والقذائف والصواريخ، والأحداث المروِّعة التي لا تزال مستمرة، ما يؤدي إلى صدى مؤلم، يظل أثره عميقًا في ذاكرة الطفل ونفسه.

ويبدي الحميدي أسفه لتعرض الأطفال للإصابة جراء الحرب، لافتًا إلى أن الكثير من الأطفال حدثت لهم إصابات في أجزاء معينة من أجسامهم، أفقدتهم القدرة على ممارستهم الحياة بشكلٍ طبيعي. ويؤكد أستاذ علم النفس بجامعة تعز، أن هذه الإصابات تنعكس سلبًا على الطفل وتؤثر في نموه السوي، وقد يصبح شخصًا عدوانيًّا بسبب الشعور بالنبذ والألم. كما يؤكد أن مثل هذه المشاعر تجعل الطفل انطوائيًّا ومنسحبًا من المجتمع، إضافةً إلى بعض المشاعر العدوانية التي قد تتولد لدى بعض الأطفال انتقامًا لما حدث لهم، فهذه الآثار ترافق الطفل مدةً طويلة. 

كما يشير إلى أن "الأسوأ من ذلك هو استمرار هذه الأحداث والنزاعات، حيث إن أثرها لا يقتصر على الطفل فقط، وإنما يتعداه إلى الأسرة التي يصاب طفل فيها، حيث لا يمكن أن تعيش بشكلٍ طبيعي، ويغلب على حياتها الاستنفار المستمر، خاصة أُسر الأطفال الذين أصيبوا بإصابات حرجة". ويربط الحميدي اضطراب حياة الأسرة باضطراب حياة المجتمع، الذي يصبح مجتمعًا يعاني الكثير من المشكلات، مثل عدم الاستقرار، وانتشار ظاهرة التسول، وانتشار مظاهر العدوان في مختلف الجوانب. 

ويتابع: "هذه المشاكل بحاجة إلى جهدٍ كبير، وعلى مدى طويل، فهؤلاء الأطفال بحاجة إلى دعمٍ نفسي، وإن كانت هذه الجهود لا يمكنها أن تقضي على مثل هذه الآفة، ولكنها ضرورية لكي تخفف من الآثار والانتكاسات التي من الممكن أن تودي بحياة الطفل وتؤثر بعمق في حياة الأسرة والمجتمع على حدٍّ سواء". ويشدد الحميدي على وجوب "تأهيل الأطفال نفسيًّا، وعلاجيًّا، وتقديم المساندة لهم ولأُسرهم، وتوعية المجتمع بكيفية التعامل مع هؤلاء الأطفال الجرحى، لكيلا تتفاقم مشاعر النبذ والخجل لديهم، وتفاديًا لأي عدوانية تنشأ لديهم تجاه المجتمع الذي لم يساندهم". ويقترح أستاذ علم النفس والإرشاد الأسري أن تكون هذه المساندة عبر مجموعة من البرامج، والجلسات النفسية المقدمة للطفل نفسه، وللأسرة والمجتمع، والأهم من ذلك، للقائمين بالعملية التعليمية.


•••
بشرى بشير

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English