موجة التطبيع الراهنة مع إسرائيل

قراءة في الدوافع والعوائق والآثار
د. عبدالكريم غانم
November 16, 2020

موجة التطبيع الراهنة مع إسرائيل

قراءة في الدوافع والعوائق والآثار
د. عبدالكريم غانم
November 16, 2020

  كان التطبيع يحمل قيمة رمزية كبيرة بعد حرب 1967، حين اجتمعت الدول العربية في العاصمة السودانية الخرطوم، فيما سمي بقمة "اللاءات الثلاث": "لا سلام مع إسرائيل، لا اعتراف بإسرائيل، ولا مفاوضات مع إسرائيل". وعلى مدى الـ53 سنة الماضية، لم يتم اختراق هذا الإجماع العربي على النحو الذي حدث خلال الشهور الماضية، إذ على الرغم من إبرام إسرائيل في السابق اتفاقيتي سلام مع مصر والأردن، وهما دولتان عربيتان مجاورتان، كانتا في حالة حرب معها، إلا أن ذلك لم يسهم في كسر عزلة إسرائيل، ولم ينل التأييد ولم يُقابَل بالصمت العربي على غرار ما حدث في الوقت الحاضر. فجدار الممانعة العربية ضد التطبيع يبدو أنه تعرض للتصدع، بدءًا بإعلان الإمارات العربية المتحدة والبحرين إقامة علاقات رسمية مع إسرائيل - برعاية أمريكية - في 15 أيلول/ سبتمبر الماضي، وصولًا لتوقيع السودان في 22 تشرين الأول/ أكتوبر اتفاقية مبادئ أنهت مقاطعة دامت عقودًا من الزمن. وقد جاء في بيان مشترك للسودان وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، أن "القادة اتفقوا على تطبيع العلاقات بين السودان وإسرائيل، وإنهاء حالة العداء بين بلديهما". ومع ذلك، لم يتضح ما إذا كانت الحكومة الانتقالية في السودان لديها سلطة إبرام مثل هذا الاتفاق، إذ لا تزال البلد من دون برلمان، ومن المقرر إجراء الانتخابات في عام 2022(1).

مبررات التطبيع مع إسرائيل

    تُعد موجة التطبيع السائدة نتاجًا لعوامل سياسية وأمنية مرتبطة بتغير موازين القوى في المنطقة، إلى جانب كونها نتاجًا لجهود دبلوماسية للإدارة الأمريكية التي استفادت من تغير موازين القوى وتغير الأولويات في الشرق الأوسط. فمخاوف الأنظمة الاستبدادية من ثورات "الربيع العربي" بالتزامن مع توسع النفوذ الإيراني في المنطقة، دفع بعضها إلى البدء بتطوير علاقات سرية مع إسرائيل خلال السنوات الماضية، وهو ما شكل في نظر الإدارة الأمريكية فرصة للإعلان عن انتهاء العزلة التي كانت تعاني منها إسرائيل. يأتي ذلك بعد انهيار النظام القومي العربي الذي اتخذ من القضية الفلسطينية قضية مركزية، وما تلاه من انتكاسات منيت بها ثورات الشعوب العربية، فعلى إثر ذلك ازدادت حالة اللامبالاة تجاه القضية الفلسطينية لدى الحكومات العربية التي يغلب عليها الاستبداد(2)؛ علاقة السلطة الفلسطينية متوترة مع الإمارات منذ ما يقرب من عقد من الزمان(3)، كما أن السودان كان انتقل من المحور الإيراني (المقاوم) إلى المحور السعودي (المعتدل)، إبان حكم الرئيس المعزول. فقبل سقوط نظام البشير في 2019، تحول السودان من حليف فعلي لإيران إلى التقارب الوثيق مع السعودية، وبدا أن هناك اتصالات بين أجهزة المخابرات الإسرائيلية والسودانية خلال السنوات الأخيرة.

  ومما عزز التوجه نحو التطبيع في الوقت الراهن، حالة الضعف التي يمر بها السودان بعد ثورة أطاحت بالنظام الاستبدادي، الذي خلَّف وراءه تركة ثقيلة من التحديات، وأدى إلى تصنيف السودان كدولة راعية للإرهاب، حيث كانت محكمة أمريكية قررت أن نظام البشير قدم مساعدة هامة لأسامة بن لادن، وبالتالي كان مسؤولًا بشكلٍ غير مباشر عن الهجمات التي قام بها تنظيم القاعدة على سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا عام 1998، الأمر الذي ترتب عليه حرمان السودان من الإعفاء من الديون والتمويل الأجنبي. ونتيجة لما أصاب الاقتصاد السوداني من شلل جراء عقود من سوء الإدارة، واستمرار الصراع الداخلي، والاضطرابات السياسية الأخيرة، ووباء كوفيد-19، وارتفاع في أسعار الغذاء والوقود، واجه الملايين من السودانيين مصاعب جمّة، وكحلّ للخروج من هذا المأزق، يبدو أن حكومة الخرطوم الانتقالية الهشة لم تجد أمامها بدًّا من الاستجابة للضغوط الشديدة التي مارستها واشنطن إلى جانب ما قدمته من حوافز، منها الحصول على مليارات الدولارات من المساعدات المالية من منظمات دولية مختلفة، وإزالة اسم السودان من القائمة الأمريكية السوداء للإرهاب، وإن كان ذلك مقابل 335 مليون دولار كتعويض لضحايا السفارتين الأمريكيتين في كينيا وتنزانيا، وصولًا إلى استجابة الحكومة السودانية للتوقيع على اتفاقية مبادئ للتطبيع مع إسرائيل، برعاية أمريكية.

اتفاقات التطبيع التي وقعتها الإمارات والبحرين مع إسرائيل لا تعد اتفاقات سلام، بقدر ما هي إضفاء للطابع الرسمي على العلاقات الثنائية، بعكس السودان الذي شاركت قواته في الحرب ضد إسرائيل في 1948 وحرب الأيام الستة في 1967

    وتجدر الإشارة إلى أن اتفاقية المبادئ بين السودان وإسرائيل تكتسب أهمية خاصة، فعلى الرغم من كون الاتفاقيات الإسرائيلية الإمارتية ستؤسس لأعمال مفتوحة ورحلات جوية مباشرة وعلاقات دبلوماسية، إلا إنها لا تعدّ اتفاقات سلام، بقدر ما هي إضفاء للطابع الرسمي على العلاقات الثنائية، فالإمارات كانت قد قامت بالفعل بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل بشكل غير رسمي. وتربط الدولتين علاقات وثيقة، لا سيما منذ اندلاع الثورات العربية، فقد زار العديد من المسؤولين الإسرائيليين أبو ظبي ودبي في السنوات الماضية، ولم تكن في حالة حرب، خلافًا لما حاول ترامب تسويقه، لتبدو الاتفاقيات وكأنها معاهدات سلام بين دول "متحاربة"، في حين أن السودان البعيد كل البعد عن الالتزام الكامل بالاتفاق، سيُنظر إلى اتفاق المبادئ المبرم معه في إسرائيل على أنه خطوة رئيسية إلى الأمام، على عكس الإمارات والبحرين، اللتين لم تدخلا في حروب ضد إسرائيل، فقد أرسل السودان قوات للقتال في الحرب ضد إسرائيل عام 1948، وأثناء حرب الأيام الستة عام 1967، وفي السبعينيات، دعمت إسرائيل المتمردين السودانيين الذين يقاتلون حكومة الخرطوم"(4).

تطبيع السعودية مسألة وقت 

    للمملكة العربية السعودية موقفان تجاه التطبيع؛ أحدهما رسمي، جاء على لسان الملك سلمان في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي صرح فيه عن عدم استعداد بلاده إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل دون حل للقضية الفلسطينية، والآخر غير معلن، حيث تقوم السعودية بتطوير علاقات سرية مع إسرائيل. فالمملكة كما يبدو قلقة من أن مواطنيها-المتعاطفين مع القضية الفلسطينية- قد لا يكونون مستعدين لتقبل التطبيع الكامل، لذا فإنها تقوم بتهيئة مواطنيها، عبر تغيير التصورات العامة عن اليهود، من خلال المجازفة بخطاب متصالح معهم، بعد عقود من تشويه سمعة إسرائيل من قبل المؤسسة الدينية ووسائل الإعلام في السعودية، وهو ما يؤسس للاعتراف بإسرائيل في نهاية المطاف. وإلى ذلك، تخضع الكتب المدرسية، التي اشتهرت في السابق بتشويه سمعة اليهود، للمراجعة، كجزء من حملة الأمير محمد بن سلمان لمكافحة التطرف. وبحسب المحللة السعودية نجاح العتيبي، فإن "الحكومة السعودية قررت أيضًا منع الإساءة لليهود والمسيحيين في المساجد".

     لقد طرأ تعديل على خطبة صلاة الجمعة؛ ففي تحول مذهل، أثار عبدالرحمن السديس، إمام المسجد الحرام، موجة من الجدل عبر وسائل التواصل الاجتماعي عندما تحدث عن العلاقات الودية للنبي محمد مع اليهود، في سياق حديثه عن التسامح الديني. يأتي ذلك بعد تاريخ طويل من "الخطاب المعادي لليهود في صلاة الجمعة من قبل خطباء المساجد في جميع أنحاء العالم"(5)، إلا إن تغيير اتجاهات المجتمع ليس بهذه السهولة. لذا فإن سيناريو عدم التطبيع السعودي الرسمي على المدى القريب هو الأر جح: فالمملكة دولة قوية ومشكلاتها لا تستوجب التسرع بالتطبيع، على الرغم من حاجتها لإعادة تسويق ذاتها أمام المؤسسات السياسية والإعلامية الأمريكية. يدفعها إلى ذلك، المنحى الاستبدادي المتزايد لإدارة محمد بن سلمان، واستمرار الضغط الأمريكي، وفي هذا السياق قال وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو: نأمل أن تفكر السعودية في تطبيع علاقاتها هي أيضًا، ونشكرها على المساعدة التي قدمتها في نجاح (اتفاقيات إبراهيم) حتى الآن(6).

التطبيع بأسلوب حل الخلافات الحدودية 

    أعلنت حكومتا إسرائيل ولبنان في 1 أكتوبر/ تشرين الأول 2020، التوصل - بوساطة أميركية - إلى اتفاق إطار مشترك لمناقشات تهدف إلى إنهاء صراع بشأن الحدود البحرية بين البلدين. وأثار توقيت هذا الاختراق تكهنات، في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعانيها لبنان، والتي تفاقمت بعد انفجار المرفأ، وحاجته الماسة إلى مداخيل قد يوفرها استغلال الطاقة في المناطق المتنازع عليها. 

    سعى الأميركيون إلى التأكيد على أن "اتفاق الإطار" غير مرتبط بالتطبيع، وأن هذه المحادثات محصورة بترسيم حدود بحرية متفق عليها، ليتمكن الجانبان من الاستفادة من الموارد الطبيعية المشتركة. ومع ذلك، كان ثمة تنويه واضح إلى أنها خطوة إيجابية للبنان وإسرائيل أن يُجريا محادثات بشأن هذه المسألة المهمة. ولعل التطور الأهم يكمن في الموافقة الضمنية لـ"حزب الله" على "اتفاق الإطار" ومخرجات المحادثات اللاحقة، واحتمال استغلاله المحادثات لتخفيف الضغوط الأميركية عنه، كونه لاعبًا أساسيًّا في التركيبة اللبنانية.

    يقول مدير "المنتدى الإقليمي للدراسات والاستشارات"، خالد حمادة: "إنّ الأميركي هو ضابط الإيقاع في الاتفاقيات، ويختار التوقيت الذي يصبّ في مصالحه لعقد أي اتفاقية، يصفها بـ"التاريخية". وجاء ذلك الإعلان بالتزامن مع إشهار التحالف بين إسرائيل والإمارات(7) والبحرين، فاتفاق الإطار يندرج في سياق موجة الاتفاقات العربية الإسرائيلية التي أبرمت برعاية أمريكية، عقب سلسلة من الأزمات والجوائح الاقتصادية والسياسية والأمنية التي عصفت ببلدان المنطقة، وقبيل موعد الانتخابات الأمريكية التي جعلت الرئيس ترامب يرى في التطبيع طوق النجاة الذي يمكن أن يجنبه شبح الخسارة أمام منافسه الديمقراطي جو بايدن، وهو ما لم يحدث. إذ يبدو أن الملفات الداخلية كان لها الأولوية في توجيه ميول الناخب الأمريكي نحو ترجيح كفة المرشح الديمقراطي، بعد أن أخفق ترامب في التصدي لجائحة كورونا، إلا إن ذلك لا يقلل من تأثير اتفاقات التطبيع في تحسين شعبية ترامب، إذ على الرغم من عدم تمكنه من الفوز بولاية رئاسية ثانية، فقد حصل على أكثر من 70.5 مليون صوتٍ شعبيٍّ(8)، وهو ما يعني أن تغلب منافسه لم يكن بالأمر السهل.

     فالتطبيع مع إسرائيل منح كلًّا من نتنياهو ودونالد ترامب، مجالًا لتحسين شعبيتهما داخليًّا، وقد يسهم في تراجع العنف ضد الفلسطينيين، وتأجيل تنفيذ الحكومة الإسرائيلية لخطط الاستيطان المثيرة للجدل، ومنها إعلان السيادة على المناطق المحددة في رؤية الرئيس السابق ترامب للسلام. إلا أن التطبيع في المقابل، سيفرض المزيد من العزلة والحصار على قطاع غزة ومنظمة التحرير الفلسطينية، وسيحد من عزلة إسرائيل ويعمل على توسيع دائرة المطبعين في العالم العربي والإسلامي، لكن التطبيع سيظل -في معظمه- نخبويًّا، إذ يتعذر إحداث تطبيع شعبي بين إسرائيل والعالم العربي من دون التوصل لتسوية عادلة للصراع العربي الإسرائيلي، ومن دون تجفيف المنابع الأيديولوجية للكراهية بين الأديان.

..........

(1) https://www.theguardian.com/world/2020/oct/23/sudan-and-israel-agrees-us-brokered-deal-to-normalise-relations

(2) https://www.theguardian.com/world/2020/sep/15/uae-bahrain-and-israel-sign-historic-accords-at-white-house-event-formal-relations-trump-netanyahu

(3) https://www.usip.org/publications/2020/08/what-do-normalized-israel-uae-relations-mean-region

(4) https://www.theguardian.com/world/2020/oct/23/sudan-and-israel-agrees-us-brokered-deal-to-normalise-relations

(5) No deal with Israel, butSaudi pushes outreach to Jews, September 23, 2020     https://news.yahoo.com/no-deal-israel-saudi-pushes-043524547.html?guccounter=1

(6) Secretary Michael R.Pompeo and Saudi Foreign Minister Prince Faisal bin Farhan Al Saud After TheirMeeting, REMARKS TO THE PRESS, MICHAEL R. POMPEO, SECRETARY OF STATE, TREATYROOM, WASHINGTON, DC OCTOBER 14, 2020

(7) https://www.annaharar.com/arabic/news/arab-world/lebanon/011020206

(8) https://en.as.com/en/2020/11/07/latest_news/1604779064_791643.html

•••
د. عبدالكريم غانم

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English