مصوِّرو الحرب في اليمن

شهادات أبناء مهنةٍ لم يختاروها
صفا ناصر
August 29, 2021

مصوِّرو الحرب في اليمن

شهادات أبناء مهنةٍ لم يختاروها
صفا ناصر
August 29, 2021

في العام 2014، نشر المصوّر الألماني "كريستوف بانغرت" كتابه "war porn"، عن الصور التي التقطها خلال عمله في تغطية الحروب والنزاعات، في أفغانستان والعراق ودار فور. الكتاب حوى الصور التي رفضت وسائل الإعلام نشرها لفظاعتها؛ أجساد تبدو عليها علامات التعذيب، جثث مقطّعة نهشتها الكلاب، والكثير من الدماء. غير أن كريستوف دافع عن صوره؛ "نعم، يجب أن تكون صور الحرب عنيفة ووحشية، مثل الحرب نفسها".
يرى كريستوف أن من الضروري أن نشاهد الرعب في الصور؛ أولًا لأنها أحداث وقعت بالفعل، ثم لكيلا ننسى أنها وقعت. ربما يكون هذا صحيحًا، فقد خلّدت الصور المآسي الإنسانية، وجعلت استحضار ذكراها أكثر قوة. مثلًا، حين يأتي ذكر المجاعة في السودان، نتذكر الطفلة المنكفِئة على الأرض من الجوع، ونسرٌ يقف خلفها في انتظار موتها ليأكلها، صورة التقطها "كيفن كارتر" في العام 1993، وانتحر في العام الذي يليه.
ليس من المؤكد أن طبيعة عمله هي السبب الأول أو الوحيد لانتحاره، كان الرجل يعاني مشاكل أخرى كثيرة، لكن الأكيد أنه عانى نفسيًّا جرّاء المشاهد المروّعة التي عاشها خلال عمله، ترك رسالة ذكر فيها الكثير من أسباب ألمه، منها أن منظر الجثث، والمجاعات، ظلّت تطارده لوقت طويل. فإذا كان هذا هو حال المصوّر الأجنبي الذي اختار مهنته بقرار منه، فما هو حال المصوّر المحلّي الذي لم يكن يملك هذا القرار.

في المخيّم
"عبدالله المفلحي" مصوّر في عدن، قبل سبع سنوات بدأ عمله في صنع الأفلام القصيرة، ومع اندلاع الصراع اتجه إلى توثيق أوضاع النازحين في المناطق المجاورة لعدن، مثل لحج والعند؛ "كثيرًا ما تسمع عن قصص النزوح، لكن أن تعيش في مخيّم ليوم واحد فذلك شيء آخر". زار عبدالله مخيّم السويداء في محافظة مأرب، كان يزوره للمرة الأولى، أخبروه أن قذيفة سقطت قبل ساعات من وصوله، وأنها قتلت الكثير من الأطفال؛ "يقع المخيّم على الجبال قرب حدود التماس، تجوّلت برعب في المكان، وسط الرمال البركانية الهشّة، والجو المشبّع بالأتربة الخانقة، اشتكى لي السكان أن أغلبهم يعاني الأمراض الصدرية".

في المخيّم الكل يعمل، ولكل واحد عملٌ محدد. "شاهدت النساء يجلبن الماء والحطب، والرجال يحفرون في صخور الجبل الصلبة حفرة للصرف الصحي، في حين يحمل الأطفال الأحجار والمطارق لترميم الخيم التي لحقها الضرر". وحتى الخيمة المهترئة لا تكون دومًا متاحة للجميع. "رأيت امرأة تجلس في العراء، سألتها: لماذا لا تنصبين خيمتك؟ ردت: لا أقدر؛ أولادي قُتلوا وزوجي أسير، هذه هي المرة الخامسة التي أنزح فيها، بتّ أتمنى الموت. صمتت، ثم بكت بقوة".

تحاول أمة الرحمن على طريقتها التكيّف مع الضغوط النفسية؛ "أداوي حزني بالصلاة". أما ماجد فيبدو الأسى جليًّا في صوته؛ "تصيبني حالات كآبة، فكّرت كثيرًا في ترك التصوير واحتراف مهنة أخرى". في حين يقرر عبدالله أن يحتفظ برؤية متفائلة؛ "إحساسي أنني أنقل معاناة الناس".

في المخيّم تأخذ الحياة شكلًا آخر، كأن تتحوّل طفلة في الحادية عشرة، إلى أمٍّ، ترعى إخوتها الصغار ووالدها المريض؛ "أصبحت الطفلة أمًّا لثلاثة إخوة، أكبرهم لا يجاوز الخامسة، تقوم بكل الأعباء، تجلب الماء والحطب، تطبخ وتغسل، تُعنى بوالدها المريض". تعمل الصغيرة على مدار اليوم، وأعظم أحلامها أن تعود للدراسة؛ "أريد أن أدرس. قالتها بعَبرة ظّلت عالقة في ذهني إلى اليوم".
لم تكن مشاهد مخيّم مأرب هي الأسوأ التي عاشها عبدالله، في الحرب تقابلك دائمًا مآسٍ جديدة؛ "بعد عام ذهبت إلى المخا والتحيتا، هناك رأيت أطفالًا تقتلهم المجاعة، يُدفنون أحياء تحت الرمال".
على الرغم من كل ذلك، تبقى تجربة المخيّمات، على فظاعتها، أقل رعبًا من أن تجد نفسك، دون تخطيط منك، وسط ساحة المعركة…

داخل خطوط النار.. فجأة
"ماجد عبدالله"، عمل بعد تخرجه في العام 2017، في نقل صور وأخبار المعارك، كان يمارس عمله بحذر، بعيدًا عن مواقع الاشتباكات، إلى أن وقع الحادث الأول. "في السادس عشر من رمضان من العام 2018، توغّلنا داخل مواقع تابعة لجماعة أنصار الله (الحوثيين) عن طريق الخطأ، صادفنا عبوة أصابت المركبة التي تقِلّنا، فقد السائق السيطرة عليها فانقلبت، فجأة شعرنا بالرصاص ينهمر علينا، ركضنا وسط الأشجار، كنت أسمع صوت أزيز الرصاص يمر بجانب رأسي، ركضنا بلا أحذية، فوق الزجاج والأشواك، وسط أرض مزروعة بالألغام". تحت النار، مرّت حياة ماجد أمام عينيه؛ "كنت أركض وأفكر، كل ما عملت من أجله قد ضاع، الدراسة والعمل والأحلام، وأن رصاصة واحدة ستخترق رأسي في أي لحظة، وينتهي كل شيء، أو ربما قد يحدث الأسوأ؛ أن أصبح أسيرًا. شعرت حينها باليأس". نجح ماجد أخيرًا في التواصل مع قيادة القوات المشتركة، وحددوا مكانه. "ركضت مسافة ستة كيلو مترات إلى أن وصلت أول نقطة من نقاط القوات المشتركة، عند وصولي أُغمي عليّ، ثم قضيت أيامًا في المستشفى، تعافيت جسديًّا، أما نفسيًّا فلا، بقيت مدة من الزمن أصحو من نومي مذعورًا على صوت الرصاص والقذائف".
بعد الحادث الأول بأيام، في الثامن والعشرين من الشهر نفسه، وقع الحادث الثاني؛ "توغّلنا للمرة الثانية داخل خطوط النار، وأيضًا عن طريق الخطأ، استوقفنا ثمانية من أفراد القوات المشتركة، سألونا عن الجهة التي نتبعها، قبل أن أجيب، سقطت أول قذيفة، ثم الثانية بعدها بثوانٍ، ثم الثالثة التي أصابت خزان الوقود في المركبة التي كانت تقلّنا، ما أدّى إلى اشتعالها، واحترقت معها حقيبتي التي كانت تحوي وثائقي الشخصية والأجهزة الخاصة بالعمل، لا أذكر بوضوح كيف خرجت من المركبة، ما أذكره أن القميص الذي أرتديه كان يشتعل، وأنني شاهدت أفراد القوات المشتركة الثمانية، ملقَون جميعهم على الأرض، قتلى". لم تنتهِ الأحداث عند هذا الحد، اصطدمت المركبة المشتعلة بسيارة عسكرية تحمل القذائف، هنا كانت الكارثة الأكبر. "توالت الانفجارات وتناثرت الجثث في كل مكان، أشلاءً وأجسادًا مقطّعة بلا رؤوس، كنا نحتمي بالجثث من الشظايا المتطايرة، كنت أركض حافي القدمين، والقليل من الملابس تستر جسدي، وصلت مديرية الخوخة في حالة من الذهول، تتلاحق مشاهد الجثث والنيران أمامي، أُدخلت إلى المستشفى، أخضعوني للعلاج من الصدمات النفسية، غير أن آثار الحادث الثاني لازمتني طويلًا".
انقطع ماجد عن العمل حتى يستعيد عافيته، ثم اشترى أجهزة جديدة، وقرر العودة إلى التصوير؛ "حاليًّا يقتصر عملي على توثيق الحالات الإنسانية. عن أولئك الذين يعيشون نزوحًا مستمرًا، كلّما نزحوا إلى مكان، وشيّدوا كوخًا، دمّرته القذائف لينزحوا من جديد. عن سكّان القرى، خاصة في حيس، الذين تقتلهم الشظايا، وتقتل مواشيهم، أحاول قدر المستطاع نقل معاناة هؤلاء، وأن أبقى بعيدًا عن جبهات القتال".
في غمرة صور الموت المروّع التي رواها كلٌّ من عبدالله وماجد، كان لا بد من البحث عن شيء من البهجة.

صورة للفرح
"أمة الرحمن العفوري"، ما تزال طالبة في قسم الإذاعة والتلفزيون، بدأت قبل أربع سنوات في التقاط الصور ونشرها على صفحتها على الفيسبوك، لم تخرج الصور التي التقطتها أمة الرحمن عن تلك المعتادة في بلد الحرب، عائلات نازحة، وأطفال مشرّدة، جوع وبؤس. لكنها كانت في انتظار حدث مختلف، دعوة للفرح، تطمئنها أن ثمة حياة جميلة وسط هذا الكم من الوجع، حتى كان العام الفائت حين سمعت عن عرض أزياء للأطفال سينظّم في عدن، كان أول حدث من هذا النوع في اليمن، ذهبت أمة الرحمن لتغطيته بإحساس آخر، إحساس السعادة والرغبة في أن تنسى، ولو لبعض الوقت، الشمس الحارقة التي كانت تلهب رأسها وهي تتجوّل وسط أناس يسكنون بيوتًا من القش، لا يملكون أدنى أساسيات الحياة. أن تنسى منظر النازحين في العراء بلا خيام، وطفل الحديدة وجسده المغطّى بالطفح من شدة الحر، وأن تبعد عن مخيّلتها وجه طفلة المسيمير التي زارتها في المستشفى، والتي خرجت كي تجلب الماء، فاخترقت رصاصة القناص رقبتها لتخرج من عينها. أرادت أن تنسى كل هذا وتغرق تركيزها في الملابس الملونة، والوجوه الباسمة، والأضواء. ليست وحدها من أراد النسيان، فالناس اشتاقت للفرح؛ "نشرت الصور على صفحتي، لمست تعطّش الناس للأخبار السعيدة من خلال تفاعلهم وتعليقاتهم". يعاودها إحساس الوجع حين ترى صورة عارضة الأزياء الصغيرة بجانب صورة طفل نازح شبه عارٍ بثياب بالية، لكن لا بأس، هذه هي الحياة، وللحياة وجوه كثيرة.
تحاول أمة الرحمن على طريقتها التكيّف مع الضغوط النفسية؛ "أداوي حزني بالصلاة". أما ماجد فيبدو الأسى جليًّا في صوته؛ "تصيبني حالات كآبة، فكرت كثيرًا في ترك التصوير واحتراف مهنة أخرى". في حين يقرر عبدالله أن يحتفظ برؤية متفائلة؛ "إحساسي أنني أنقل معاناة الناس، وأن لصوري تأثيرًا قد يفضي إلى تغيير حياة إنسان إلى الأفضل، كل ذلك يشعرني بالراحة، ويمدّني بالقوة لمواصلة عملي".
عادة ما يختار المصوّر الحربي مهنته، يقرر السفر إلى جبهات المعارك، يدرك جيّدًا ماذا ينتظره هناك. في اليمن لا تملك دائمًا هذا الخيار، في غالب الأحيان يفرض عليك واقع الحال مهنة لم تقرر اختيارها، ولست مستعدًا لها، كأن تنتقل من قاعة محاضراتك إلى جبهات القتال، وأن تتحول من هاوٍ للتصوير إلى مصور حرب. المصورون في اليمن، أولئك الذين يعملون على توثيق فظائع الحرب، لا تنقصهم الشجاعة، ولكن ينقصهم شيء من التدريب والتأهيل، والكثير من التقدير لعملهم، هم من يحفظون لنا ذاكرة الحرب حين تفنى ذاكرة الشهود، تبقى صورهم الشاهد الأكيد على المأساة التي حدثت.

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English