أطفال تحت تأثير صدمات الانفجارات

ارتفاع مهول في مشاعر الخوف
مبارك اليوسفي
March 2, 2021

أطفال تحت تأثير صدمات الانفجارات

ارتفاع مهول في مشاعر الخوف
مبارك اليوسفي
March 2, 2021
©Photo by: Hamza Mustafa

في صباح يوم الأحد السابع من أبريل/ نيسان من العام 2019، اشتعلت نيران كثيفة مصحوبة بأصوات تفجيرات كبيرة، يعتقد أنها مواد متفجرة في منطقة سعوان شمال شرقي صنعاء، في حي مكتظ بالسكان ومدارس أطفال، تسببت الانفجارات بمقتل 15 طفلًا، إضافة إلى جرح أكثر من 100 طفل آخرين، حسب منظمات يمنية ودولية.

كانت الطفلة توكل (9 سنوات)، في مدرسة الراعي بجانب المخازن لحظة وقوع الانفجارات، التي تسببت بسقوط شظايا على طالبات المدرسة، أدت لسقوط الكثير منهن بين قتيل وجريح، فيما فرت توكل وأخريات هاربات إلى الشارع، في لحظة ذعر غير مسبوقة.

في الطرف الآخر من مكان الانفجار، كان يدرس عزام (16 سنة)، شقيق توكل، في مدرسة الأحقاف لم يستطع أن يتحمل الموقف وسقط على الأرض في غيبوبة، أخرجته من مناظر الأشلاء المتناثرة.

في الوقت ذاته، نفى التحالف مسؤوليته عن الانفجار، وحمل أنصار الله (الحوثيين) المسؤولية، فيما اتهم الأخير الأول بهذه الكارثة، وبصرف النظر عمن تسبب بتلك الانفجارات، فقد اعتبرتها منظمات دولية جريمة حرب ضد المدنيين، إضافة إلى أنها واحدة من أبشع الجرائم التي استهدفت الأطفال بشكل مباشر، خلفت هذه الجريمة خرابًا ماديًّا كبيرًا، لكنه قد يعاد ترميمه بسهولة، إلا أن الخراب النفسي الذي تعرضت له توكل وشقيقها ومئات الطلاب الآخرين، لن تستطيع القوى المتصارعة إعادة ترميمه بسهولة.

حال عودة الطفلين من المدرسة إلى منزلهما الكائن أمام موقع الانفجار، كان قد تعرض المنزل إلى خراب واسع على إثره أصيبت والدتهم وإخوانهم وتم نقلهم إلى المستشفى، لم يتحمل الطفلان منظر المنزل المدمر وبقع الدم في أرجاء المنزل، سقط عزام فورًا على الأرض مغمى عليه مرةً أخرى، فيما كانت توكل تصرخ بصوت عالٍ وتبكي بحرقة شديدة، وفشل الجميع هناك في مواساتهم ودخل الطفلان في صدمة جديدة.

تظهر دراسة لمنظمة متخصصة، أن هناك أطفالًا يعانون من ارتفاع مهول في مشاعر الخوف وانعدام الأمن والقلق والغضب السريع، حيث يعاني 31% من أعراض جسدية، بما في ذلك الصداع وألم الصدر والبطن والإرهاق، والتي اعتبرها الباحثون مؤشرًا على وجود ضائقة نفسية

آمنة والدة الطفلين، تقول في حديثها لـ"خيوط"، إن الصدمة التي تعرض لها الأطفال لم تكن بسيطة تجعلهم يجتازونها بسهولة، لا سيما أن أولادها لم يتعرضوا لمواقف مشابهة لهذه الحادثة، وأنه لم يكن قد مرت أشهر على عودتهم إلى اليمن من إحدى دول الخليج، ولم يكن قد سبق لهم زيارة اليمن من قبل.

تضيف آمنة، أن عزام لا يزال حتى الآن يعاني من حالات إغماء متكررة وتبول غير إرادي، خاصةً عندما يكون في المدرسة، فيما ظلت توكل لفترة طويلة تخاف الخروج من البيت والذهاب إلى المدرسة مرة أخرى، إذ إن حالة الأطفال النفسية لم تعد بخير حتى الآن، رغم مرور وقت على الحادثة.

إحصائيات مخيفة

ليست توكل وشقيقها من يعانون نفسيًّا بسبب الحرب فحسب؛ فهناك حوالي 5.5 مليون شخص من المتضررين نفسيًّا في اليمن، بحسب دراسة أجرتها مؤسسة التنمية والإرشاد الأسري في اليمن، 40% منهم أعمارهم ما بين 16 إلى 23 عامًا، فيما تشير منظمات أخرى إلى أن العدد يتضاعف يومًا بعد آخر، وهناك ملايين الأشخاص، لا سيما الأطفال بحاجة ماسة إلى رعاية نفسية عاجلة. وتتنوع حالات الإصابة بين الاكتئاب الحاد والاضطرابات الشخصية ونوبات القلق المخيفة، حسب الدراسة ذاتها.

من جانب آخر أظهرت دراسة لمنظمة يمن لإغاثة الأطفال (YCR) أن هناك أطفالًا يعانون من ارتفاع مهول في مشاعر الخوف وانعدام الأمن والقلق والغضب السريع، حيث يعاني 31% من الأطفال من أعراض جسدية، بما في ذلك الصداع وألم الصدر والبطن والإرهاق، والتي اعتبرها الباحثون مؤشرًا على وجود ضائقة نفسية، فيما لاحظت دراسة المنظمة تميزًا واضحًا في شدة الأعراض النفسية بين المحافظات يعادل تقريبًا كثافة النزاع في مختلف المناطق، وتختلف الآثار النفسية من طفلٍ لآخر، حيث إن 5% من الأطفال يعانون من التبول اللاإرادي و2% عادوا إلى التأتأة و47% يعانون من اضطرابات نفسية و24% لديهم صعوبة في التركيز، و17% يعانون من نوبات هلع.

ندرة المختصين

ومع تزايد هذه الأرقام يومًا بعد آخر بشكل ملحوظ ومخيف أيضًا، يعاني اليمن من ندرة في وجود أخصائيين نفسيين لمعالجة هذه المشاكل، والتي قد يترتب عليها مضاعفات خطيرة مستقبلًا، وتشير الأمم المتحدة إلى أن هناك ما بين 50 إلى 70 طبيبًا نفسيًّا في اليمن، فيما تقول إحصائيات غير رسمية إن إجمالي عدد الأطباء في اليمن 44 طبيبًا نفسيًّا أي ما يعادل طبيبًا لكل نصف مليون شخص تقريبًا، والأهم من ذلك أن مختصي الطب النفسي للأطفال قليلون جدًّا.

يرجع خبير في علم النفس، سبب زيادة المشاكل النفسية عند الأطفال في اليمن إلى تعرضهم لأحداث العنف وأصوات المدافع والطيران والقذائف، بالإضافة إلى حرمانهم من مساكنهم والنزوح وتردي الوضع المعيشي للأسر

يقول الدكتور محمد حزام المقرمي، أستاذ الطب النفسي في جامعة صنعاء، ومختص في الطب النفسي للأطفال والمراهقين، إن الطب النفسي في اليمن يكاد يكون منعدمًا، لعدم الاهتمام به من قبل الجهات المعنية منذ سنوات وعدم تقبل المجتمع للطب نفسه.

وفي حديثه لـ"خيوط"، يؤكد المقرمي أن الطب الخاص بالأطفال يتطلب كوادر مؤهلة لإعادة تأهيل الأطفال ومعالجة الصدمات النفسية الخطيرة التي تعرضوا لها خلال فترة الحرب وما قبلها، مشددًا على أن معظم الأطفال في اليمن بحاجة إلى تأهيل نفسي حتى الذين لم يتعرضوا لأحداث الحرب أو العنف، فالضرر النفسي قد لحق بالكثير من الأطفال، وإذا لم تعالج هذه الإشكالية بسرعة فإنها ستؤدي إلى مضاعفات خطيرة، قد تسبب لهم العديد من المشاكل مستقبلًا.

ويرجع المقرمي سبب زيادة المشاكل النفسية عند الأطفال إلى تعرضهم لأحداث العنف وأصوات المدافع والطيران والقذائف، بالإضافة إلى حرمانهم من مساكنهم والنزوح وتردي الوضع المعيشي للأسر.

كل هذه الأحداث وغيرها، خلقت عند الأطفال حالات خوف وفزع شديد، بالإضافة إلى اكتئاب حاد وعدم القدرة على التعايش مع الوضع الراهن، وحالات إغماء متواصلة والتبول اللاإرادي، ويشير المقرمي إلى إعادة تأهيل هؤلاء الأطفال بشكل سريع من خلال جلسات الدعم النفسي، وتوفير بيئة هادئة مناسبة بعيدة عن الحرب والفوضى.

الصدمة النفسية أعراض وحلول 

تقول سحر شرف، وهي مختصة وعامل في مجال الدعم النفسي للأطفال في إحدى المنظمات المحلية في حديثها لـ"خيوط"، إن أعراض الإصابات النفسية التي تظهر عند الأطفال نوعان؛ الأولى الكرب الحاد، وعادةً تظهر بعد الصدمة مباشرةً، وأعراضها: القلق والتوتر والحزن والتبول اللاإرادي والكوابيس الليلية. إضافة إلى فقدان الشهية والانسحاب والاستسلام والعزلة، وعدم القدرة على التصرف واليأس.

أما النوع الآخر، فهو اضطرابات ما بعد الصدمة، وعادةً ما تظهر هذه الاضطرابات بعد شهر من الصدمة وتظهر كردة فعل على التغيرات الكيميائية في الدماغ بعد التعرض للأحداث المؤلمة والمؤثرة، وتبدأ عندما يبدأ الطفل باسترجاع ذكريات الأحداث، حيث تُولّد هذه الأحداث حالات عنف وسلوك عدواني عند الطفل، ثم اكتئاب حاد ويأس وإحباط، فيصبح الطفل يعاني من فقدان الأمان والخوف الشديد من المجهول وعدم التركيز واللامبالاة.

وتنصح سحر الآباء في حالة لاحظوا هذه الأعراض على أطفالهم، أن يقدموا المساعدة لهم من خلال السماح لهم بالتحدث عما حدث أو أن يستخدموا الرسومات أو الصور للتعبير عما بداخلهم، وألا يظل الطفل وحيدًا بدون أي مساعدة منهم، فذلك لا يصب في مصلحتهم النفسية، وتضيف على أنه إذا فشل الوالدان في الحديث مع أبنائهم وإخراجهم من الصدمات التي يعانون منها، فهنا يكون الطفل بحاجة ماسة إلى تدخل نفسي من قبل المختصين بأسرع وقت.

يبقى الطفل اليمني هو الخاسر الأكبر في هذه الحرب، فقد أصبح يعاني من صدمات نفسية متلاحقة وكادر طبي منعدم، وبلد مدمر، وغير آمن ولا صالح لحياة الطفولة؛ إذ تعتبر منظمات دولية، اليمن أسوأ البلدان للأطفال في العالم، فما الذي ينتظر هؤلاء الأطفال في المستقبل القريب.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English