الحرب التي كانت في آخر الحوار

كبدت اليمن 90 مليار دولار
محمد راجح
February 14, 2021

الحرب التي كانت في آخر الحوار

كبدت اليمن 90 مليار دولار
محمد راجح
February 14, 2021
© الصورة ل: شهدي الصوفي

قبل انعقاد مؤتمر الحوار الوطني كان هناك حراكًا محليًّا ودوليًّا واسعًا يدور في فلك الفترة الانتقالية التي أعقبت ثورة 11 فبراير، إذ كانت هناك عديد الأفكار المطروحة لرسم سيناريو جديد لليمن، يخلف 33 عامًا من حكم نظام صالح، الذي اختار البقاء بعد أن أتاحت له هذه المرحلة فرصة ثمينة لاستعادة ممارس هوايته في الرقص على رؤوس الثعابين، التي اعتاد التفاخر بقدراته الفائقة على ممارستها وإتقانها.

لاحقًا كان هو بنفسه آخر ضحايا هذه اللعبة، بعد تفوق الحوثيين عليه في لعبها، لكنه رحل وقد اطمئن على أن هدفه الذي حدده في خطاب له، وهو يخوض معترك "التحدي بالتحدي" مع شباب ثورة 11 فبراير "يرحل من يرحل، ستكون صومال أخرى"، قد تحقق ولو بصورة نسبية.

في خضم هذا الحراك، كان هناك وفد رفيع المستوى من البنك الدولي يزور اليمن للاطلاع على السيناريوهات التي رسمتها القوى الثورية، سنحت لي الفرصة لمقابلة رئيس الوفد الذي انشغل بمتابعة آخر الترتيبات الجارية لعقد مؤتمر الحوار الوطني.

قال هذا المسؤول، "اليمن تضع الخطوات الأولى لحرب أهلية لا أحد يعرف إلى أين ستمضي بها"، كان ردّي أن هذا المؤتمر سيجمع كل الأطراف اليمنية لرسم شكل الدولة القادمة، بعد ما حكمها رئيس واحد لمدة تزيد على ثلاثة عقود.

هنا كانت المشكلة حسب ما قال: "كيف يمكن أن تجمع كل هذه المتناقضات على طاولة واحدة لمناقشة مستقبل وطن مهدد بالانهيار"، لا يمكن أن تأتي بأطراف متناحرة من حوثيين إلى أحزاب يمينية دينية ويسارية وجنوبيين في خضم تشكل قضيتهم، إلى قوى ثورية بلا رؤية وبدون مشروع وما تبقى من نظام سابق منهار.

 كانت تجربة بلاده ماثلة أمامه، وهو يتحدث بألم وحسرة عما ستقدم عليه اليمن، وبالحرف الواحد قال عن هذا المؤتمر الذي سيتم عقده بدون التمهيد له بمصالحة شاملة مع جميع القوى المتناقضة، أنه سيكون بمثابة "قنبلة موقوتة ستفجر اليمن، ولن تقوم لها بعده قائمة".

خطت اليمن إلى نفس المنزلق الذي سارت عليه بنغلادش التي خاضت حربًا أهلية في تسعينيات القرن الماضي لم تتعافَ منها حتى الآن، "كنا بحاجة لمصالحة شاملة قبل الدخول في معمعة تقاسم مناصب الدولة"، قال "البنغالي" مسؤول البنك الدولي، الذي شاهد نحو 500 عضو يضعون حجر الأساس للقنبلة التي انفجرت وحوّلت اليمن إلى كومة ركام.

منذ ذلك التاريخ واليمن يواجه ظروفًا اقتصادية واجتماعية وإنسانية وسياسية وأمنية غير مسبوقة، خصوصًا منذ عام 2014، بعد انقلاب الحوثيين على مؤسسات الدولة واجتياحهم صنعاء بعد عمران، بما فيها ظروف الصراع والحرب، التي أدت مجتمعة إلى تفجير أكبر أزمة إنسانية على مستوى العالم وقتل وتشريد مئات الآلاف من اليمنيين، في ظل تدهور اقتصادي كبير ، وانسحاب أغلب المستثمرين الأجانب، وخروج رأس المال المحلي إلى الخارج بحثًا عن بيئة آمنة.

كما توقفت صادرات النفط والغاز الطبيعي، وتعليق التعهدات من المنح والقروض الخارجية، وانخفاض الإيرادات الحكومية غير النفطية، إضافة إلى تكرار الأزمات الحادة في السيولة النقدية وفي الوقود والكهرباء.

الأمر الذي يشير إلى أن اليمن يواجه وضعًا غير مسبوق في تدهور مؤشرات التنمية وتراجع أداء المؤسسات وتفاقم الأزمة الإنسانية فضلًا عن التدمير الذي لحق بأجزاء كبيرة من البنية التحتية والمنشآت العامة والخاصة، كما زاد الأمر سوءًا مع تعرض البلاد مؤخرًا لجائحة كورونا الذي مثل تهديدًا جديدًا يضاف إلى مجمل التهديدات التي تعرض ويتعرض لها.

تكلفة باهظة

ليس هنالك حتى الآن، تقديرات شاملة ودقيقة لحجم التكلفة الاقتصادية الكلية التي تكبدها الاقتصاد والمجتمع جراء الصراع والحرب حيث يتطلب ذلك إجراء تقيم شامل ومسح ميداني لتقدير تكلفة التدمير في رأس المال المادي "البنية التحتية"، بالإضافة إلى بيانات عن حجم الناتج المحلي الفعلي في ظل سيناريو الصراع والحرب، وإعادة احتساب الناتج المحلي في ظل افتراض سيناريو آخر، وهو استمرار النمو في ظل عدم الصراع والحرب بحيث يمكن احتساب الخسارة الضمنية التي تحملها الاقتصاد.

مع إطالة أمد الحرب والصراع الدائر وتوسع حجم الخسائر والأضرار الناجمة والتي تجاوزت قيمتها قدرات اليمن على التعافي لما بعد مشاريع إعادة الإعمار، أصبحت تكلفة انتشال البلاد من هذه الوضعية باهظة ومعقدة وتتطلب دعم وجهود دولية سخية لتطبيع الحياة في المناطق والمدن المدمرة والمتضررة

لكن تقرير صادر حديثًا عن قطاع الدراسات الاقتصادية في وزارة التخطيط والتعاون الدولي الذي يصدر تقاريره بالتعاون مع اليونيسف، حصلت "خيوط" على نسخة منه، يتوقع أن تصل الخسارة التراكمية في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى حوالي 181 مليار دولار بحلول عام 2022، إذا استمر الصراع والحرب في اليمن، إذ سجل قطاع النفط والغاز أعلى انكماش تراكمي بلغت نحو 80.1% خلال الفترة 2014-2019، نتيجة توقف صادراته، حيث يعتبر المورد الأساسي في تغطية نفقات الدولة ويغطي ما نسبته 50% إلى 60% من الإيرادات العامة للدولة.

على أنه من المهم، بحسب ما أشار إليه التقرير، ثمة ثلاثة مكونات رئيسة للتكلفة الكلية، الأولى تتعلق باحتساب كلفة التدمير في البنية التحتية التي تضررت جزئيًّا أو كليًّا، والثانية تكلفة إعادة إعمار (الفارق بين كلفة التدمير وتكلفة إعادة الإعمار)، وبناء ما دمر أو اندثر وتهالك نتيجة الصراع والحرب مأخوذًا في الاعتبار معدل التضخم وتغيرات سعر الصرف وغيرها (احتياجات التعافي)، والثالثة الخسارة الضمنية التي خسرها الاقتصاد والمجتمع، بالإضافة إلى التكلفة الاجتماعية.

وعلى الرغم من ذلك إلا أنه يمكن الإشارة إلى الجهود التي بُذلت في هذا الجانب من قبل البنك الدولي وبعض الشركاء، بالتعاون والشراكة مع وزارة التخطيط والتعاون الدولي، لتقييم الأضرار وتحديد الاحتياجات عبر بعض الأساليب المتاحة، ومنها جمع البيانات عن بعد، عبر صور الأقمار الصناعية.

ضعف التدخلات الدولية

مع إطالة أمد الحرب والصراع الدائر وتوسع حجم الخسائر والأضرار الناجمة، التي تجاوزت قيمتها قدرات اليمن على التعافي لما بعد مشاريع إعادة الإعمار، أصبحت تكلفة انتشال البلاد من هذه الوضعية باهظة ومعقدة، وتتطلب دعمًا وجهودًا دولية سخية لتطبيع الحياة في المناطق والمدن المدمرة والمتضررة.

وتقدر الحكومة المعترف بها دوليًّا خسائر الاقتصاد اليمني بنحو 90 مليار دولار، خلال الفترة من 2014 إلى 2020، لكن ضعف التدخلات المحلية والدولية لإنقاذ الاقتصاد اليمني، يفاقم تدهوره بشكل كبير، مع انهيار العملة وتفاقم قياسي للأوضاع المعيشية.

إذ يعاني اليمن بسبب انهيار الاقتصاد وضعف التدخلات الدولية لإنقاذه، مع فقدان مئات العاملين وظائفهم نتيجة تراجع الإنتاج والاهتزاز الذي حدث في بيئة الأعمال والأضرار البالغة في البنية التحتية والمرافق الخدمية.

ويرى البنك الدولي في هذا الصدد، أن اليمن ما زال يعاني من أزمة إنسانية غير مسبوقة ازدادت تفاقمًا في الوقت الحالي، بسبب تفشي فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، مما اضطر العديد من اليمنيين إلى الاعتماد على المساعدات والتحويلات المالية. وتشهد الأوضاع الاقتصادية حاليًّا تدهورًا سريعًا من جراء انخفاض صادرات النفط وتقلص حجم الدعم الإنساني، وهطول الأمطار الموسمية الغزيرة التي أدت إلى حدوث سيول شديدة. ويزيد تجزّؤ سياسات الاقتصاد الكلي من الضغوط على الظروف الاقتصادية الضعيفة أصلًا، مع ما يترتب على ذلك من عواقب إنسانية خطيرة.

قطاعات متضررة

دخل الصراع المسلح عامه السادس، ولا يزال اليمن يواجه أزمة إنسانية واجتماعية واقتصادية غير مسبوقة. فقد ازداد تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في عام 2020، متأثرة بانخفاض أسعار النفط العالمية، والتداعيات الاقتصادية لجائحة كورونا، وضعف البنية التحتية العامة والقدرة على التكيف للتعامل مع الظواهر المناخية بالغة الشدة/ الكوارث الطبيعية.

وفق تقرير "الآفاق الاقتصادية لليمن الصادر عن البنك الدولي أكتوبر/ تشرين الأول الماضي"، فقد أدت التشوهات الناجمة عن تجزئة القدرات المؤسسية (وخاصة البنك المركزي اليمني) وتضارب القرارات المتعلقة بالسياسات بين مناطق السيطرة، إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية والإنسانية، من الصراعات التي طال أمدها، وانقطاع الخدمات الأساسية، والنقص الحاد في مدخلات الإنتاج الأساسية، بما في ذلك الوقود.

وتتسم الآفاق الاقتصادية والاجتماعية للفترة المتبقية من عام 2020 وما بعده، بقدر كبير من عدم التيقن. فمن شأن حدوث تعافٍ تدريجي لأسعار النفط العالمية أن يساعد على تخفيف الضغط على الماليات العامة للحكومة المعترف بها دوليًّا مما قد يحد من اللجوء إلى تمويل البنك المركزي لتغطية عجز الموازنة العامة. ومع ذلك، ومع استمرار تدهور الأوضاع السياسية والأمنية، فإن الأحوال الاجتماعية والاقتصادية لا تزال بالغة الصعوبة.

ومن شأن تحقيق تقدم عاجل في معالجة القيود الحالية المفروضة على الاستيراد ووصول واردات الوقود عبر موانئ الحديدة، كما يرى البنك الدولي، أن يحسن من مستوى توفّر الخدمات العامة والبيئة التشغيلية للعمليات الإنسانية. ويشكل وقف الصراع المسلح والمصالحة السياسية في نهاية المطاف، بما في ذلك عودة تنفيذ سياسة الاقتصاد الكلي الموحدة، شرطين أساسيين لإعادة بناء الاقتصاد وإعادة بناء النسيج الاجتماعي.

وتسبب الصراع في اليمن بخسائر عديدة في الأرواح ونزوح الملايين داخليًّا وخارجيًّا، وتدمير الطرق والجسور، وتضررت خطوط الكهرباء، وتعطل إنتاج النفط والغاز. 

وأجرى البنك الدولي في عام 2018، تقييمًا للاحتياجات في اليمن، تم تحديث نتائجه في عام 2020، أظهر أن الأضرار بشكل أكبر على مستوى القطاعات تتركز في قطاع الإسكان، حيث تعرضت 40% من الوحدات، إما لأضرار جزئية (39%) أو تدمير كامل (1%).

كما تضررت قطاعات التعليم والصحة والنقل والمياه والصرف الصحي بشكل خطير، حيث تراوح إجمالي الأضرار بين 29% (النقل) إلى 39% (الصحة).

وتأتي مدينة صعدة في المرتبة الأولى بين المدن من حيث أعلى نسبة من الأضرار التي لحقت بالأصول المادية حيث تضررت 67% من منشآتها، وعلى وجه الخصوص تأثر قطاعي الإسكان والصحة في صعدة بشكل كبير.

مدن مدمرة

بصورة عامة، فإن مدى الأداء الوظيفي في العديد من القطاعات يمتد إلى ما هو أبعد من مستوى الأضرار المادية ويعتمد على عوامل إضافية، مثل توفر الموظفين ودفع المرتبات وتوفر الكهرباء. وفيما يتعلق بالوضع التشغيلي، يبدو أن قطاع الطاقة هو القطاع الأكثر تضررًا، حيث لم يعد هناك سوى 14% فقط من المرافق تعمل بشكل جزئي على الأقل، على الرغم من المستوى المحدود نسبيًّا للأضرار المادية التي لحقت بها.

وفقًا لتقديرات الأمم المتحدة، يعاني ثلثا اليمنيين (أكثر من 20 مليون شخص) من انعدام الأمن الغذائي، و10 ملايين مُعرَّضون لخطر المجاعة، ويحتاج مليونا طفل إلى العلاج من حالات سوء التغذية الحاد

حاليًّا هناك أكثر من 85% من منشآت الطاقة لا تعمل إطلاقًا، وهذا يُعزى إلى حد كبير إلى عدم توفر الوقود. أما المدينة الأكثر تضررًا من حيث الأداء الوظيفي، فهي صعدة؛ حيث لم يعد هناك في المتوسط سوى 31% فقط من منشآتها تعمل في جميع القطاعات التي تم تقييمها، تليها بشكل وثيق مدينة تعز بمستويات أداء متقاربة بلغت 39% فقط.

حتى شهر يناير/ كانون الثاني 2020، تراوح إجمالي الأضرار المقدرة التي لحقت بالمدن الست عشرة بين 6.8 مليار دولار (كتقدير منخفض) و8.3 مليار دولار. ويعتبر قطاع الإسكان دون منافس الأكثر تضررًا حيث تراوحت تكاليف الأضرار بين 5.1 و6.2 مليار دولار وهو ما يمثل نحو 74% من إجمالي تكلفة الأضرار، يليه القطاع الصحي (605–740 مليون دولار أمريكي) ثم قطاع الطاقة (516-422 مليون دولار أمريكي). كما أن الأضرار المقدرة في قطاعات المياه والصرف الصحي والنقل والتعليم تقدر أيضًا بمئات الملايين. أما في قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات وإدارة النفايات الصلبة، فتعتبر التقديرات منخفضة نسبيًّا، الأمر الذي يعكس العدد المحدود للأصول وعدم توفر بيانات شاملة؛ نظرًا لأن التقييم يستند بصورة أساسية إلى جمع البيانات عن بعد.

مواجهة الكوارث

تقدر الاحتياجات الخاصة بالتعافي وإعادة الإعمار للقطاعات التي تم تقييمها والمناطق الجغرافية التي تشملها هذه المرحلة الثالثة من التقييم المستمر للاحتياجات، ما بين 20 و25 مليار دولار على مدى خمس سنوات. لا يشمل هذا التقييم جميع المدن والمناطق في اليمن، وبالتالي فهو ليس مؤشرًا للبلد بأكمله.

ووافق مجلس المديرين التنفيذيين للبنك الدولي في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، على تقديم منحٍ لليمن بقيمة 303.9 ملايين دولار للمساعدة على زيادة فرص الحصول على الخدمات الأساسية والفرص الاقتصادية للفئات السكانية التي تضررت من الصراع الدائر وجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19).

وأدى الصراع الذي تدور رحاه منذ نحو ست سنوات إلى تفكك النسيج الاقتصادي والاجتماعي والمؤسسي لليمن. وفي معرض تعقيبها على ذلك، قالت مارينا ويس، المديرة الإقليمية لمصر واليمن وجيبوتي في البنك الدولي، "لقد أظهر الشعب اليمني صمودًا رائعًا في مواجهة كثير من الكوارث"، إذ جعل الصراع اليمن واحدًا من أشد البلدان فقرًا وأكثرها حرمانًا من الأمن الغذائي في العالم.

ووفقًا لتقديرات الأمم المتحدة، يعاني ثلثا اليمنيين (أكثر من 20 مليون شخص) من انعدام الأمن الغذائي، و10 ملايين مُعرَّضون لخطر المجاعة، ويحتاج مليونا طفل إلى العلاج من حالات سوء التغذية الحاد. وقد فرضت جائحة كورونا ضغوطًا شديدة على نظام متأزِّم بالفعل للرعاية الصحية، لا يعمل فيه سوى 50% من المنشآت الصحية التي تعاني من نقص المعدات والمستلزمات الطبية الأساسية.



إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English