اعتداءات مروعة ضد النساء في اليمن

جرائم يخفيها العار والتقاليد الاجتماعية
خالد المنيفي
October 19, 2020

اعتداءات مروعة ضد النساء في اليمن

جرائم يخفيها العار والتقاليد الاجتماعية
خالد المنيفي
October 19, 2020

  كان كثيرًا ما يضربها زوجها بطريقة وحشية، بيد أن تلك الليلة كانت الأكثر عنفًا بالنسبة لـ(إشراق- اسم مستعار). لفداحة ما حدث لها لم تتمكن الطبيبة المعالِجة من استيعاب ما جرى، فسقطت مغشيًّا عليها. 

    يقول شقيق إشراق، ويدعى مهدي، لـ"خيوط"، "كانت شقيقتي تخفي عنا وقائع التعذيب التي تتعرض لها من جانب زوجها كل ليلة، نتيجة رفضها أن تكون سارقة كما يطلب منها"، مضيفًا بأن زوجها كان يحبسها في المنزل، وحين يطلق سراحها في بعض الأحيان تحضر إليهم، لكنها لا تتحدث بشيء مخافة أن يؤذيها زوجها أكثر.

    ما حدث في جلسة التعذيب الأخيرة كان أكبر بكثير من أن يتم إخفاؤه، فقد أعطاها الزوج أقراصًا منومة، وبعد أن فقدت الوعي بدأ جريمته حيث جردها من ملابسها، ومن ثم بدأ بحياكة أعضائها التناسلية بإبرة كبيرة وحبال غليظة.

    يواصل مهدي الحديث والحزن يمزق قلبه بالقول: "استفاقت إشراق من غيبوبتها، وذهلت لما وقع؛ حيث انتفخت أحشاؤها نتيجة ما جرى، ووجدت زوجها الجاني برغم ما فعله نائمًا؛ لأنه هو نفسه يتعاطى ذات الأقراص "الحبوب" المنومة. تحاملت إشراق على نفسها وسارت بخُطا متثاقلة ومرهقة إلى أقرب منزل في القرية وطلبت منهم الاتصال بأهلها، يقول مهدي: "حين وصلنا صعقنا لهول المشهد، وأسعفناها على الفور إلى مستشفى مديرية بني مطر".

ترى خبيرة علم النفس هيفاء مالك، أن علاج الانحراف السلوكي والنفسي لا يكون إلا بتطبيق العقوبات الصارمة، مؤكدة أن إقدام أب على قتل ابنته يعد هو الآخر نوعًا من أنواع الانحراف السلوكي المشين

    فيما تقول الطبيبة المعالجة - التي طلبت عدم ذكر اسمها - في حديث خاص لـ"خيوط"، "حين وصلت إشراق إلى المستشفى، و"استلمت" مهمة معالجتها، شعرت على الفور بالدوار وسقطت على الأرض لهول ما رأيت، إذ لم أشهد حالة تعذيب كهذه، فقامت زميلتي بالمهمة عوضًا عني". 

    ويضيف مهدي أن تقرير الطبيب الشرعي أفاد بوجود وقائع تعذيب كثيرة بجسد إشراق بأسلاك حادة وأدوات صلبة، تسببت بجراح عميقة في مختلف أنحاء جسدها، فضلًا عن فقدانها السمع في إحدى أذنيها نتيجة التعذيب، الذي أدّى في النهاية إلى إصابتها بإعاقة مستديمة.

    ويصف وكيل نيابة بني مطر القاضي زيد الأكوع، في حديث لـ"خيوط"، هذه الجريمة بالمروعة والبشعة، لافتًا إلى أن الجاني يقبع حاليًّا، وفق تأكيده، في السجن، وأنه "سينال عقابه الرادع". 

جرائم تهز الرأي العام

    في محافظة إب وقعت مؤخرًا حادثة أثارت الرأي العام، إذ أقدم أحدهم على اغتصاب شقيقته المجني عليها (أسماء- اسم مستعار)، التي لم تتجاوز الرابعة عشرة من العمر، وحين علم والدهما بالأمر اكتفى بطرد الابن من المنزل.

    الكارثة تمثّلت في التصرف التالي لوالد هذه الضحية، الذي بدلًا من أن يواسي ابنته ويعيد إليها الثقة بالحياة، أقدم على اغتصابها هو الآخر، وما هي إلا أيام حتى حملت الفتاة، فلم يجد والدها سبيلًا لمواراة فضيحته إلا بالإقدام على قتلها. بيد أن الخبر انتشر في المنطقة وسرعان ما تم القبض على الأب والابن كذلك. 

    هيفاء المرادي، وهي ناشطة حقوقية مهتمة بقضايا العنف ضد النساء، التي تابعت هذه القضية تؤكد لـ"خيوط"، أن الأم على وشك أن تتنازل عن القضية بدعوى أن خسارة فرد من العائلة أهون من خسارة ثلاثة.

    تواصلت "خيوط" مع المحامي والمستشار القانوني مأمون الآنسي، لمعرفة ما إذا كان العفو من جانب الأم ممكنًا في هذه القضية، فأكد أن الحكم يفترض أن يكون إعدامًا تعزيرًا؛ لأن القضية شملت إلى جانب جريمة الاغتصاب، جريمة قتل في الوقت ذاته، ولا مكان للتنازل هنا بسبب بشاعة الجريمة. 

    قضية أخرى هزت الرأي العام تمثلت بإقدام رجل على قتل شقيقته (مديحة 27 سنة)، والسبب رفضها إعداد وجبة العشاء. 

    يظهر من خلال هذه القضايا أن دم النساء في اليمن بات رخيصًا لدى أسرهن، ولأجل سبب بسيط تهدر دماؤهن من جانب أقرب المقربين. 

    القضية كسابقتها أحيلت إلى النيابة المتخصصة، ومنها إلى المحكمة، ثم سرعان ما تنازل أولياء الدم عن القضية، وهن شقيقات المجني عليها وأمهن، بدافع الخوف من غضب الابن والشقيق القاتل، ليطرح سؤال عن مدى إمكانية إقدام هذا الشقيق القاتل بعد العفو على ارتكاب جريمة مشابهة بحق أمه أو إحدى شقيقاته الأخريات للسبب ذاته أو لسبب مشابه، ولماذا الخوف منه وقد بات في قبضة العدالة.

    تقول هيفاء مالك، الناشطة الحقوقية والمتخصصة في علم النفس، إن الأب أو الشقيق حين يقدم أحدهما على ارتكاب جريمة الاغتصاب بحق ابنته أو شقيقته، فإنهما في الأساس مصابان بمرض نفسي يحملهما على القيام بهذا الفعل المنحرف، وما يعزز سلوك الانحراف هذا هو القوانين المتساهلة مع ارتكاب مثل هذه الجرائم.

    تضيف هيفاء لـ"خيوط" أن علاج هذا الانحراف السلوكي والنفسي لا يكون إلا بتطبيق العقوبات الصارمة، مؤكدة أن إقدام أب على قتل ابنته يعد هو الآخر نوعًا من أنواع الانحراف السلوكي المشين.  

العنف الاجتماعي ورأي القانون

    يرى خبراء في علم الاجتماع أن الحرب الجارية في اليمن منذ ما يزيد عن خمس سنوات، ساهمت في ارتفاع وتيرة العنف ضد النساء، وفي ما تشهده البلاد من جرائم بشعة في أكثر من منطقة ومحافظة.

من وجهة نظر قانونية فإن الأصل لا يقتل بالفرع، إذ إن هذا القانون يتسبب بالجرائم في ظل وجوده من جانب الآباء بحق أبنائهم، كما أن إلغاءه سيتسبب بمشكلة زيادة حالات العقوق والاعتداء من جانب الأبناء على الآباء

    في السياق، يؤكد الباحث الاجتماعي عبدالقادر سلام لـ"خيوط"، أن الحرب بشكل العام تعد سببًا رئيسيًّا لفقدان الناس أخلاقهم وقيمهم، وتحملهم على ارتكاب مثل هذه الجرائم، التي لا يستوعبها العقل.

    يتحدث سلام، عن القصور في التعليم كسبب في انتشار هذه الجرائم، إضافة إلى القصور في التربية، الذي يخلق أجيالًا يفتقرون، بنسبة كبيرة، إلى الوعي والإدراك.

    كما أن القوانين من وجهة نظر هذا الباحث، تلعب دورًا أساسيًّا في الانتهاكات لحقوق المرأة، لا سيما ما يتعلق منها بالقوانين المتصلة بإسقاط العقوبة على الأصل لو اعتدى بالقتل على الفرع. 

    في هذا الخصوص، يوضح الخبير القانوني والمحامي مأمون الآنسي لـ"خيوط"، أن الأصل لا يُقتل بالفرع، إذ إن هذا القانون يتسبب بالجرائم في ظل وجوده من جانب الآباء بحق أبنائهم، كما أن إلغاءه سيتسبب بمشكلة زيادة حالات العقوق والاعتداء من جانب الأبناء على الآباء.

    ويشير إلى أن العقوبات ينبغي أن تكون رادعة، وأن يطبق حكم الإعدام في حال الجرائم الجسيمة، بما فيها المتعلقة بالقتل من جانب أب لابنه أو ابنته.

    في هذه النقطة يؤكد المحامي الآنسي، أن الأب الذي يقدم على جريمة قتل ابنه أو بنته مستغلًّا تعاطف القانون يجب أن يعدم مستندًا إلى المادة القانونية التي تقول "يعامل سيئ النية بنقيض قصده".

    وبخصوص تنازل أولياء الدم عن دم الضحية، يقول الآنسي إن الأمر يرجع إلى القاضي للنظر في الأمر، فإن كانت الجريمة بشعة فبإمكانه أن يحكم فيها بالإعدام تعزيرًا أو بعقوبة السجن المشددة على الأقل.


•••
خالد المنيفي

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English