خضرواتية في أسواق الرجال

صمود استثنائي في وجه أزمات مركبّة
جميل الجعـدبي
December 28, 2020

خضرواتية في أسواق الرجال

صمود استثنائي في وجه أزمات مركبّة
جميل الجعـدبي
December 28, 2020

 بين تدريب النساء على قيادة السيّارات في ميدان عام، وبيع وشراء الفواكه والخضروات في أسواق للرجال، تقضي السّيدة نَسيمة الشيباني (51 سنة) ساعات يومها مناصفة، وتعزّز صمودها في مواجهة آثار أزمات اقتصادية وإنسانية واجتماعية مركّبة بفعل الحرب والنزاع في اليمن.

    بعزيمة فولاذية وإرادة شجاعة، تواجه تداعيات انفصال أسري عن شريك حياتها، ونزوح قسري من مدينة إلى أخرى بفعل الحرب، وتوقف صرف الرواتب، وارتفاع جنوني لإيجارات المنازل والرسوم الدراسية الجامعية.

    من مديرية المظفّر بمدينة تعز جنوبي غربي اليمن، وفي أعقاب اندلاع مواجهات مسلحة في العام 2015، بين طرفي النزاع الحكومة المعترف بها دوليًّا وسلطة أنصار الله (الحوثيين)، نزحت المعلّمة نَسيمة إلى مديرية الوحدة بمدينة صنعاء عام 2016، برفقة أولادها (5 إناث، 2 ذكور)، لتعمل في تدريب الفتيات على قيادة السيارات باستخدام سيارة "كورولا قديمة" تملكها.

    خلال العام 2017، بدأت التفكير في بيع سيارتها القديمة، وشراء أخرى حديثة، وتنمية مشروع تعليم قيادة السيارات للفتيات وسيدات الأعمال الناشئات، استمرت خلال عامي 2018 و 2019، في تدريب النساء على القيادة، باستخدام سيارات المتدرّبات أنفسهن، بعد بيع سيارتها.

    في حديثها لـ"خيوط"، تشير إلى أنّ استمرار أزمات المشتقات النفطية وارتفاع أسعار الوقود، وأسعار قطع غيار السيارات، دفعها للبحث عن مشروع دخل يومي أكثر أمانًا، والتراجع عن فكرة السيارة الحديثة، إلى مشروع بيع الخضروات والفواكه، بتجهيز وافتتاح دكّانها الشهير بـ"خضرواتي"، مطلع عام 2020.

    وسط شارع مجاهد، بالعاصمة صنعاء، يقع محلّ "خضرواتي؛ للفواكه والخضروات"، تتوزّع بضائعه على صناديق خشبية وسط وجنبات المحلّ، بأشكال هندسية جذّابة، ولمسات ديكورية فنيّة، تجعل الأمر مغايرًا للصورة الذهنية لأشكال بَسَطَات بيع الخضروات والفواكه.

تجاوز مفاهيم قديمة

    في البداية مثّل ذلك صدمة لبعض الزبائن. تتذكّر نَسيمة أوّل أيّام افتتاح محلّها. تقول: "وجدت تشجيعًا من سكّان الحيّ وعاقل الحارة، ومُلّاك المحال التجارية المجاورة".

    عن بعض المواقف العالقة بذاكرتها تروي نسيمة، أنّ بعض مرتادي محلها لشراء الخضروات "كانوا يدخلون المحل ويسألون: أين البائع؟ فأجيب عليهم: أنا البائع، وحينها تحصل صدمة للوهلة الأولى ثم ارتياح"، خاصة لِمَن يشاهد محلّها أوّل مرّة.

    تجلب نَسيمة الشيباني سِلع محلها من سوق مركزي عام للخضروات والفواكه في منطقة مذبح شمالي صنعاء، مساء أو صباح كلّ يوم، وتستعين في بعض الأحيان بقريب لها (زوج ابنتها) لإنجاز هذه المهمّة، فيما يقوم موزّعون بإنزال بضائع من الأصناف الخارجية إلى محلّها من حين لآخر.

    تعتزم توسيع هذا النشاط، الذي كان يعدّ إلى وقت قريب حكرًا على الرجال، إذ تسعى -وفق حديثها- إلى إضافة منتجات أخرى، "بهارات وتمور"، لكنها قبل ذلك تحتاج لإضافة ثلاجة تبريد للمحل؛ لحفظ بضائع "تتعرّض للتلف أيام الصيف".

    تسكن نَسيمة وعائلتها منزلًا بإيجار شهري قدره 60 ألف ريال يمني (يعادل100$). أواخر عام 2020، تضاعفت الأعباء المعيشية على كاهلها بإلحاق اثنين من أبنائها في جامعات أهلية بعد تعذّر إدخالهم جامعة صنعاء الحكومية، لذلك عاودت العمل خلال الفترة المسائية في تعليم قيادة السيارات، ولكن هذه المرّة لحساب شركة خاصة مالكة للسيارة.

    رفاه محمد (21 سنة – سنة أولى جامعة)، إحدى بناتها، تقف وسط المحلّ في غياب والدتها. تقول لـ"خيوط"، إنها تلمس تعاطفًا مع المرأة العاملة في صنعاء، وهي تجد نوعًا من الشعور بالمتعة في بيع الخضروات والفواكه، "أحبّ هذا العمل وأشعر أنّه ممتع"، تضيف رفاه.

تروي نَسيمة -وهي أخصائية تربوية دبلوم معلّمات- من واقع تجاربها في تدريب النساء على قيادة السيارات، خروج كثير من النساء خلال السنوات القليلة الماضية إلى سوق العمل غير المنظّم لحسابهن الخاص، متأثّراتٍ بنتائج الحرب والأزمة الاقتصادية، وخذلان الشريك وأخيرًا كوفيد-19

    على صفحات كرّاسة مدرسية، تُدوّن رفاه مبيعاتها من أصناف البضاعة؛ الكميّة والسّعر كلّ يوم، فيما يشبه سجلات الصادر لكبرى شركات الإنتاج. "نفعل ذلك لنتمكن من معرفة أكثر الأصناف طلبًا للجمهور" تقول أمّ رفاه، وتضيف: "يسهّل لنا ذلك معرفة الأصناف التي نحتاج توفيرها لليوم التالي".

اختلالات سوق العمل

    حسب نتائج مسح القوى العاملة في الجمهورية اليمنية 2013-2014، فقد وجد أنّ (3.27) مليون شخص منخرطون في الأعمال ذات الاستخدام الشخصي الخاص بهم/ـن، وأنّ معظم هؤلاء من النساء المنخرطات في إنتاج مواد غذائية للإعاشة.

    المسح الذي قدّم صورة عن وضع سوق العمل في اليمن قبل تفاقم الأزمة واندلاع الحرب، سجّل نسبة مشاركة المرأة في قوة العمل 6% فقط، مقارنة بنسبة مشاركة الرجال البالغة 65.8%، فيما جاءت نسبة النساء في العمالة غير الرسمية هي الأعلى مسجّلة 83.4%، وسجّلت النساء نسبة 8.9% في خانة ذوي/ ذوات الوظائف المتعددة.

    وحسب بيانات المسح المموّل من منظمة العمل الدولية، المكتب الإقليمي للدول العربية عام 2015، فقد وصل معدّل مشاركة النساء في قوّة العمل ذروته عند النسبة 9.3% في الفئة العمرية (30-34 سنة)، وفي المرتبة الثانية إلى (7.0%) في الفئة العمرية (45-49 سنة)، وبما يشير إلى عودة المتزوجات من النساء إلى سوق العمل بعد بلوغ الأطفال في أسرهن سنّ الدراسة.

    الناشط الاجتماعي عادل عصْدة، وهو من سكان الحي الذي تعمل فيه "نسيمة"، يتطرق في حديثه لـ"خيوط"، إلى اقتحام المرأة في اليمن خلال السنوات الماضية، لمجالات أعمال كثيرة كانت إلى وقت قريب حكرًا على الرجل.

    يروي عصدة، أنه شاهد سيّدة تعمل على سيارة أجرة، ويعتقد أنّ المرأة باتت تعمل في مختلف المجالات، كاسرةً بذلك مفاهيم اجتماعية قديمة "لا عيب في ذلك أبدًا"، مرجعاً هذا التطور المجتمعي إلى "الظروف الصعبة التي تعيشها البلاد"، وذلك بعد فقدان معيلي الأسر من الرجال لمصادر دخلهم، وتوقّف صرف مرتبات الموظفين، وتفاقم الأوضاع المعيشية بفعل الحرب والحصار والأزمات المتتالية.

    وبالجوار يرى مصطفى عبدالرحمن، مالك محل عطور مجاور، في حديث لـ"خيوط"، أنّ فهم النساء لجودة الخضروات والفواكه يفوق الرجال، معتبرًا ذلك عاملًا مهمًّا من عوامل نجاح مشرع نسيمة، مشيرًا إلى أن جودة السلع المعروضة وديكور المحل أثارا اهتمامه.

    في سياق متّصل، تروي نَسيمة -وهي أخصائية تربوية دبلوم معلّمات- لـ"خيوط"، من واقع تجاربها في تدريب النساء على قيادة السيارات، خروج كثير من النساء خلال السنوات القليلة الماضية إلى سوق العمل غير المنظّم لحسابهن الخاص، متأثّراتٍ بنتائج الحرب والأزمة الاقتصادية، وخذلان الشريك، وأخيرًا كوفيد-19.

    بحسب نتائج مسح القوى العاملة المشار إليها سابقًا، فإن نسبة العاملات من أصل جميع اليمنيات في سن العمل تبلغ 4.5 % فقط. كما وجد بأن معدل بطالة المرأة (26.1%) يفوق ضعفي معدل بطالة الرجل (12.3%). وتكسب المرأة وسطيًا (40400) ريال يمني شهريًّا، مقارنةً مع (53300) ريال للرجل، و(52500) ريال كمعدلٍ وطن. خبراء منظمة العمل الدولية يؤكدون في هذا الصدد، أن أي محاولةٍ لعكس الاتجاه المتزايد للبطالة يجب أن تعالج أولًا تحديات سوق العمل التي تواجه المرأة والشباب في اليمن. وللقيام بذلك، ينبغي بداية إحلال السلام في البلاد، إلى جانب إجراء إصلاحاتٍ عمالية تستهدف أضعف الشرائح السكانية في سن العمل.

    وأسهمت الاضطرابات المستمرة في اليمن في تعطيل نمو سوق العمل، وتدهور المهارات ورأس المال البشري، إضافة إلى ما رافق هذه الاضطرابات من آثار نفسية واجتماعية بعيدة المدى على السكان وأسرهم وعلى المجتمع والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

    ويتوقع زيادة مشاركة المرأة اليمنية في سوق العمل، رغم وجود بعض المعوقات، مثل الأميّة المنتشرة وانخفاض مستويات التحصيل العلمي للمرأة، إذ تقف مثل هذه المعوقات في وجه توسيع مشاركة المرأة في الاقتصاد والمجتمع بشكلٍ عام.


•••
جميل الجعـدبي

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English