عادات زواج صادمة في اليمن

اعتبارات اجتماعية تؤدي إلى العيادات النفسية
أنيسة سالم
April 10, 2021

عادات زواج صادمة في اليمن

اعتبارات اجتماعية تؤدي إلى العيادات النفسية
أنيسة سالم
April 10, 2021

أسماء محمد (اسم مستعار)، منذ أن وعت على هذه الحياة، وهم يحدثونها عن الاتفاقية التي تمت بين والدها وعمها في الماضي البعيد، والتي تقضي بتمليكها لابن عمها أحمد الذي لا تعرفه سوى كونه بمثابة زوجها المستقبلي.

توالت الأيام وتُوفي والدها الذي قبض الثمن، وحان موعد تنفيذ الاتفاق، فأسماء صارت عروسًا في السابعة عشرة من عمرها كما شاء طرفا الاتفاق.

لكنهم لم يدركوا أن العروس أصبحت في سن تعي فيه تمامًا أن الزواج ليس صفقة تجارية، ورفضت بأن تكون سلعة تباع وتشترى، ففرت هاربةً إلى شيخ القرية الذي لجأت إليه واحتمت بحماه من هذا الظلم المتربص بها، فكان لها خير سند وحررها من تلك القيود العتيقة وسدد قيمة ذاك الاتفاق من ماله الشخصي. فعادت إلى أمها، وقد عانقت الحرية كما ترى هي، والعار كما ترى أمها، التي سرعان ما اتصلت بخالها الذي يسكن في منطقة أخرى ليأتي لأخذها ولينسها أنها قد أنجبت يومًا فتاة، وحتى ينسى أهل القرية فعلتها التي دنست فيها عرض أهلها، كما يتصورون.

من حسن حظ أسماء أن خالها لا يحمل نفس طباع أمها، فقد كان رحيمًا أمينًا عليها، حتى جاء ذلك اليوم الذي استطاع فيه إيجاد الزوج المناسب لها كما يرى، فكان هذا الزواج قشة النجاة التي تعلقت بها لتزيح الحمل الذي أثقلت به صدر خالها، والنفاذ بجلدها من كلام الناس، الذين طالما وبلاد العريس صنعاء، البعيدة عن إب.

ذهب خالها إلى أسرتها يطلب من أخيها أن يكون طرفًا في عقد الزواج، غير مخول لأن يكون يعقد ، لكن الأخ رفض وفرّ إلى مكان مجهول، فليس لديه الشجاعة الكافية ليكون الكلمة الفصل بين الطرفين، كان الطريقان أقوى بكثير من شخصيته؛ إما مواجهة أمه وعمه، وإما الوقوف في طريق سعادة أخته.

استطاع المجتمع اليمني التغلب على ظاهرة زواج البدل بشكل كبير بالنسبة لطرازها القديم، غير أن هذه الظاهرة ظهرت بشكل جديد، تحمل العواقب الوخيمة نفسها. ففي الماضي كانت عادة "زوجني أختك، وأزوجك أختي" تتم بدون مال يذكر، وأما اليوم يذكر المال ويضع كلٌّ شروطه

ولم يبقَ سوى العم الذي يريد أن يثأر لكرامته وكرامة ابنه، وأخذت الأمور تجري مدًّا وجزرًا بينهما، تارة أسماء عروس تزف، وتارة تغسل بدموعها زينة وجهها التي لم تأخذ منها وقتًا ولا مجهودًا كبيرًا لوضعها، فوضعها المادي لا يسمح لها بأن تذهب إلى خبيرات التجميل كما تفعل الأخريات، ومهرها الذي كان من المفترض أن تنفقه في ترتيبات زفافها أنفقته في المحاكم وفي سبيل إرضاء أهلها وسداد دين شيخ القرية.

لم ترتسم ابتسامة أسماء المنكسرة إلا حينما رضخ عمها؛ لأن يكون وكيلها في عقد النكاح، لكن بعد ماذا؟! بعد أن رضخت ووقّعت على تنازل عن كافة حقوقها من ميراث أبيها وأسرتها لأمها وعمها.

وهل يا ترى سيكون زواج أسماء ناجحًا، ويستحق كل هذه التضحيات أم أنهُ سيكون وبالًا عليها ليرميها في الشارع حيث لا زوج ولا أهل.

هناك الكثير من الاعتقادات الخاطئة في المجتمع اليمني التي تحول الزواج من فرحة العمر إلى نكبة، فالزواج شرعًا وعقلًا وقانونًا لا يتم إلا بتراضٍ بين الطرفين، حتى يتمكنوا من عيش حياة طبيعية وتكوين أسرة ناجحة.

زوجني أختك وأزوجك أختي 

استطاع المجتمع اليمني التغلب على ظاهرة زواج البدل بشكل كبير بالنسبة لطرازها القديم، غير أن هذه الظاهرة ظهرت بشكل جديد تحمل العواقب الوخيمة نفسها. ففي الماضي كانت عادة "زوجني أختك وأزوجك أختي" تتم بدون مالٍ يذكر، وأما اليوم يذكر المال ويضع كلٌّ شروطه.

زواج كهذا يتكون من فريقين كأقطاب المغناطيس، فريق سالب موجب وفريق سالب سالب. الأول متألف والثاني متناحر، ويشقى الأول بشقاء الثاني. فإذا أتت بنت العائلة شاكية أذى زوجها، كان الانتقام من زوجة أخيها بعبارات السب والشتم والإهانة لها ولأسرتها التي أنجبت هذا الولد، وقد تستمر العلاقة في حال وُجدَ طرف شيطان ساكت عن حقه في عيش حياة كريمة لأجل الطرف الآخر أو حدثت طفرة أدت إلى اتزان كفتي الميزان، وقد تتفاقم الأمور لتصل إلى الطلاق الجماعي "وكل واحد يأخذ أخته". 

الدكتور محمد الراشد - طبيب نفسي يحذر في حديثه لـ"خيوط"، من هذه العادات والأساليب في الزواج التي تعج بنكباتها العيادات ومستشفيات الأمراض النفسية: مثل الاضطرابات السلوكية، والصدمات النفسية، وانفصامات الشخصية التي تؤثر سلبًا على أطفال هذه الأسر وشخصياتهم.

ويذكر عن زواج البدل تلك الفتاة التي أصيبت بحالة من الاكتئاب الشديد، نتيجة أنها عوملت معاملة السلعة المقابلة لإنجاح زواج أخيها بحبيبته، حيث اقتضى الأمر بتزويجها وعمرها 17 عامًا لأخ الحبيبة المتزوج ذي الأربعين عامًا وأب لثلاثة أطفال.

زواج القاصرات لمن يكبرهن سنًّا

رغم كل الحملات الإعلامية والتوعية الاجتماعية وجهود النشطاء للوقوف ضد زواج القاصرات إلا أن انتشار فيروس هذا الزواج لا يحده حد، مثله مثل كوفيد-19، والأدهى من ذلك، زواج القاصرات لكبار السن، والذي يعد أخطر أساليب الزواج الخاطئة كما وصفها الراشد، مضيفًا بأنه يتسبب بالكثير من الأمراض النفسية مثل الاضطرابات الوجدانية والصدمات النفسية والكثير من حالات الاكتئاب؛ لأن الفتاة في سن القصور ما زالت في مرحلة ما قبل النضوج الجسدي والفكري، والوجداني، وما زالت جاهلة تمامًا للمعنى الحقيقي للزواج ومسؤوليته، وكبير السن لا يفهم كل ذلك ولا يتفاهم، وكل ما يعنيه في الأمر هو أن ينعم بتلك الفاكهة الشهية المقدمة له بطبق الشرع على مائدته. كل هذا يُولّد امرأةً مكسورة ومدمرة وضعيفة الشخصية وحاقدة، وذلك لأن طفولتها سلبت منها، وأم عنيفة قاسية على أبنائها؛ لأنهم ثمرة هذا الجهد العنيف فيؤثر سلبًا على تربيتهم.

تقدم الأسر على مثل هذا النوع من الزواج، نتيجة لضغوطات مادية وانعدام وعي الآباء بمخاطر الزواج المبكر، إضافةً إلى الإغراءات المادية من التجار وأصحاب السلطة، لآباء الفتيات محدودي الدخل.

"زوجوني زوجة أخي"

تفرض الكثير من الأسر على ابنها الذي يلي الابن المتوفَّى بالزواج من زوجة أخيه المتوفَّى، حفاظًا على أولادهما من التشتت والضياع، وحفاظًا على ميراثهم كيلا يخرج عن نطاق أسرتهم. من دون أدنى اعتبار لمشاعر طرفي هذا الزواج، فإن كان بالتراضي فلا ضرر ولا ضرار، كحال حسام قايد (اسم مستعار) من محافظة تعز، الذي تزوج زوجة أخيه المتوفَّى عن تراضٍ بينه وبينها، ويؤكد لـ"خيوط" أن حياتهما طبيعية مستقرة.

وأما (س. ص) تعز، بعد قصة حب عاشها مع خطيبته، أتى إليها ذات يوم ليخبرها بأنه أُجبر على الزواج من زوجة أخيه الذي تُوُفّي قبل أشهر، وأنه غير قادر على أن يكمل الطريق معها، فزوجة أخيه قريبًا ستصبح زوجته. ففي حالات كهذه قد يمر هذا الزواج باضطرابات نفسية، ومشاكل أسرية، مما ينتج أسرًا مضطربة ومتذبذبة غير مستقرة.

يفيد أحمد محجب، معلم وتربوي، لـ"خيوط"، أن ما تسعى إليه الأسر من خلال هذا النوع من الزواج، ما هو إلا إبقاء الأسرة متماسكة ومحافظة على أبنائها من التشتت والضياع وكذلك النفقة والميراث، ويضيف بأنه يحدث في المجتمع أن يعقب الأخ الذي يلي المتوفَّى أخاه بخطبة الفتاة نفسها، وذلك حفاظًا على المال المهدور في الخطبة السابقة.

ويوضح الدكتور راشد، أن أضرار هذا الأسلوب الخاطئ في الزواج لا تقتصر على المرأة فحسب، بل تطال الرجل أيضًا، فقد عرضت عليه حالة انفصام شخصية تعرض لها شاب يبلغ من العمر٢٢عامًا، نتيجة لتزويجه زوجة أخيه المتوفَّى، البالغة من العمر38 عامًا، فانتهى به المطاف بالفرار من المنزل نتيجة للضغط النفسي الشديد الذي أصيب به. وهناك أيضًا فتاة عمرها 22 عامًا، تعاني من اكتئاب حاد بعد أن تُوُفي زوجها الذي كان يبلغ من العمر 25 عامًا، فزوجت بأخيه الأكبر البالغ 45 من العمر. كما حذر الآباء الذين يظنون بأنهم يحسنون صنعًا بأبنائهم، بأن مثل هذه الأمور تنتج أبناء لا همّ لهم سوى الانتقام من هذا المجتمع والأسر الظالمة.

ترى شيماء الآنسي، باحثة اجتماعية، أن من العادات الخاطئة في الزواج التي ظهرت حديثًا في المجتمع اليمني، تعدد الزوجات لدى الأثرياء والطبقات الميسورة لغرض المتعة ولا يتم الزواج إلا في حال موافقة العروس على شرط "عدم الإنجاب" وحرمانها من ثمرة بطنها، وكل ذاك تحت ضغط الأسرة منعدمة الدخل أو الضمير

بحسب مختصين كذلك، فإن إجبار الشاب بإلغاء خطوبته من الفتاة التي اختارها، أو إجباره حتى وإن لم يكن خاطبًا بتزويجه لزوجة أخيه يولد عنفًا وكراهية وانتقامًا، فلا تشعر المرأة بأنها متزوجة، ولا تعامل كزوجة فتنسى أنها زوجة، وتبدأ بمقت الحياة، ومن ثم يكون ثأرها بتنغيص حياة زوجها وزرع النكد في كل أرجاء المنزل، وينتج عن ذلك خلافات متصاعدة بينهما، ويتطور الوضع من الهجر إلى كل أنواع الاعتداءات اللفظية والجسدية، وكل ذلك ينعكس على أطفالهم سلبًا، في معركة الكل فيها خاسر؛ لأن السبب نفسي.

يتابع الدكتور محمد الراشد في هذا الخصوص بالقول، إن التوافق والانجذاب أهم عوامل الزواج الناجح وتكوين أسرة ناجحة في المجتمع.

ويشير كذلك إلى الظواهر المستحدثة التي تؤثر سلبًا على نجاح الزواج، منها علاقات ما قبل الزواج التي انتشرت مع انتشار الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، فكثير ما صادف أثناء عمله أزواجًا، كلما تعرضوا لضغوط نفسية، ساورهم الشك بزوجاتهم اللواتي كنَّ متاحات لهم قبل الزواج.

تضييق الخناق

من النادر جدًّا أن نجد أسر تعي أن الحياة الزوجية دائرة مغلقة لشخصين، لا يحق لأحد غيرهما أن يهذب ويجمع ويفرق و"حياتك وأنت حر فيها"، بل إنها تضيق الخناق على أبنائها، وكلما حاولوا التنفس زادت الخناق عليهم بشدة.

ترى شيماء الآنسي، باحثة اجتماعية، في حديثها لـ"خيوط"، أن من العادات الخاطئة في الزواج التي ظهرت حديثًا في المجتمع اليمني، تعدد الزوجات لدى الأثرياء والطبقات الميسورة لغرض المتعة، ولا يتم الزواج إلا في حال موافقة العروس على شرط "عدم الإنجاب" ، وكل ذاك تحت ضغط الأسرة منعدمة الدخل أو الضمير.

ويؤكد ناشطون في المجال الحقوقي أن الأسر تضيق الخناق على أبنائها، وتطوق حريتهم بزواج الأقارب وأبناء القبيلة أو المنطقة الواحدة، والإسراع في إطلاق أحكام الزواج في سن مبكر، كما يشير الناشط الحقوقي عدنان الضلعي إلى إحدى العادات في هذا الصدد لدى بعض الأسر، والتي ترفض الفتاة الجامعية؛ لأنها فتاة منفتحة وتخالط الرجال، إضافة، وَفق حديث عدنان، لـ"خيوط"، إلى أن هناك الكثير من الأسر في المناطق القبلية تعمل على وضع شروط للزواج، ومن تعداها يعد في نظرهم ولدًا عاقًّا وغير بارّ، وتطارده لعناتهم طوال العمر. 

وتختلف منى عقلان، ناشطة حقوقية، مع الجميع في قولها إن الظلم القائم على المرأة في حال الزواج المبكر أو فرض الزوج بالإكراه أو غيرها من القضايا التي تعاني بشأنها النساء من قديم الأزل، ليست إلا من صنع المرأة نفسها، فإذا هي رضخت وقبلت الظلم على نفسها، حسب حديث عقلان لـ"خيوط"، فهي أكبر ظالمٍ لنفسها، ولا أحد سينجيها من ذلك ما لم تفعل هي. 

فالزواج مسؤولية على عاتقك، تندرج منها مسؤولية أبناء وأحفاد ومجتمع، فإذا أردت بناء مجتمع ناجح، فتجنب أن تغالط الزواج وأحسن الاختيار.


•••
أنيسة سالم

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English