الصراع في تونس إلى أين؟

لماذا تحول من صراع ضد الفساد إلى صراع أيديولوجي؟
عبدالباري طاهر
August 4, 2021

الصراع في تونس إلى أين؟

لماذا تحول من صراع ضد الفساد إلى صراع أيديولوجي؟
عبدالباري طاهر
August 4, 2021

رغم الدخان الكثيف، والدعاوى الطويلة العريضة، حول الصراع بين الرئيس– رئيس الدولة، ورئيس مجلس النواب، ورئيس الحكومة- إلا أنه في جوهره صراع على السلطة، وعلى الصلاحيات والنفوذ؛ والاستقطاب المحموم منذ أشهر يؤكد هذا المعنى، ويكشف طبيعته. 

المأزق أنه كلما اشتدت معاناة الناس، وتفاقمت الأزمة الاقتصادية، وانتشر وباء كورونا، تعاظم الصراع بين هذه الأطراف، للإفادة من الأزمة الشاملة، وتوظيفها في المزيد من الاستقطاب والتأزُّم، عوضًا عن الاتجاه للمعالجة، والتخفيف من معاناة الشعب، ومواجهة المخاطر المحدقة.

المفارقة المرعبة أن مآسي الشعب التونسي البالغة الخطورة، بدلًا أن تكون مواجهتها قاسمًا أعظم ومشتركًا بين أطراف الحكم، تتحول إلى بُؤر لإذكاء الصراع، والتوظيف السياسي والأيديولوجي.

لا يمكن إلقاء التبعة أو المسؤولية على طرف واحد؛ ففي المنطقة العربية تاريخيًّا، وتحديدًا منذ قيام الدولة القُطرية، وانتصار الثورات القومية، وحركات التحرر الوطني، بدأ ما يسميه زكي مراد -الأمين العام للحزب الشيوعي المصري- "تبادل الأخطاء"، وكانت الخمسينيات وحتى اليوم صراعًا متواصلًا بين الناصريين والإسلاميين، وبين ناصر، والبعث، وبين بعث سوريا، وبعث العراق، وبين أنظمة الحكم الرجعية، والقومية، وأحيانًا يكون صراع "الكل ضد الكل"، ويُلقي فيه كل طرف التبعة على الآخر، ويُتَّهم الاستعمار غير البريء طبعًا.

لا شك أن للصعوبات الكبيرة، والعجز عن حلها، دَخْلٌ في الصراع المتأجج، وهنا تُوظف الأيديولوجيات، و"الهُويات القاتلة"، كما يسميها أمين معلوف، في الإذكاء والتصعيد، وتحضر بشكل دائم ذهنية المؤامرة، وعقلية التجريم، وتُهم العمالة والخيانة.

لا يستطيع الرئيس المنتخب إلغاء "النهضة" المنتخبة أيضًا، ولا يستطيع رئيس النواب إلغاء الرئيس، ولكن ما يقدران عليه هو إضعاف بعضهما، والتنكيل بالشعب، وقد يؤدي الصراع إلى تفرّد طرف، وإقصاء طرف أو أطراف أخرى؛ وستكون النتيجة المحتومة العودة إلى مربع ما قبل الثورة الديسمبرية- ثورة الـ10 من ديسمبر 2010.

الثورة التونسية- أيقونة الربيع العربي، والابنة البكر لهذا الربيع، والمصاعب التي تواجهها تعود في جانب كبير منها إلى الإرث الوبيل الذي ورثته هذه الثورة، كما أن أسباب الصراع الحالي تعود إلى أسلوب وأداء أطراف الحكم الحاليين، وتحديدًا الرئيس، وزعامة حزب النهضة، إلى جانب مكائد إقليمية ودولية، وبالإضافة إلى الرغبة المجنونة في التفرّد في مَنْ يكون الأقوى، ثم إن التنازع على الصلاحيات والنفوذ للاستنقاع في الحكم علة العلل كلها.

في كتابه المهم "الثورة التونسية المجيدة"، يدرس الدكتور عزمي بشارة، عميقًا، بزوغ فجر الربيع من تونس، وتحديدًا من "أبو زيد". يقرأ المفكر القومي تجارب ثورات الربيع في غير منطقة، ويدرس تاريخها، وأسبابها الكاثرة، وأوضاع الفساد والاستبداد في مختلف مناطقها: تونس، مصر، سوريا، ليبيا، واليمن.

الرهان على وهم التفرّد بالسلطة، هو هروب إلى الأمام، حَرَفَ الصراع من صراع ضد الفساد والاستبداد إلى صراع قطبي بين إسلاميين وعلمانيين

عزمي بشارة من أهم المفكرين العرب الذي أدركوا أهمية هبوب رياح الربيع العربي في البلدان العربية كلها، وفي المقدمة فلسطين. أتذكر بعد الانفراجة في اليمن، عقب مبادرة التعاون الخليجي، أن "مركز الأبحاث ودراسة السياسات" في الدوحة الذي يديره الدكتور، استضاف مجموعة من الباحثين اليمنيين؛ لتقديم رؤيتهم عن ربيع اليمن، وصدرت الأبحاث المقدمة في كتاب.

كتاب "الثورة التونسية المجيدة" يعطي خلفية جيدة لطبيعة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في تونس، ويدرس بمسؤولية رفيعة ما قبل الثورة، والانتفاضات التونسية، والخارطة الحزبية، والمواقف الدولية.

تأتي أهمية كتاب الدكتور عزمي في أن الأوضاع العامة التي درسها، والتي كانت الأسباب الحقيقية لسطوع شمس الربيع، ما تزال على حالها، إن لم تكن قد انحدرت إلى الأسوأ، وازدادت تعقيدًا.

منذ أسابيع بدأت مسيرات في مناطق عدة في تونس تدعو إلى رحيل الطبقة السياسية كلها؛ وهو ما يعني أن الشعب التونسي يحمّل السلطات الثلاث مسؤولية الأزمة الشاملة، والإخفاقات، والعجز المدقع في إدارة البلد؛ فهل يعني ذلك أن كل طرف يريد النجاة بنفسه من سفينة الحكم المهددة بالغرق؟

خطورة صراع رأس الحكم في تونس يتمثل فيما يحدثه من انقسام رأسي وأفقي يشمل الأحزاب، والنقابات، ومؤسسات المجتمع المدني، ومختلف فئات وشرائح الشعب التونسي غير المصابة بآفة هُويات ما قبل عصر الدولة، كما يؤكد الباحث عزمي. غير أن الحكم الفاشل والعاجز عن الإجابة على أسئلة الأزمات الشاملة، بما فيها الوباء الفتاك كورونا، يحاول افتعال صراع ثانوي؛ لينجو من الغرق.

الرهان على وهم التفرّد بالسلطة، هو هروب إلى الأمام، حَرَفَ الصراع من صراعٍ ضد الفساد والاستبداد إلى صراعٍ قطبي بين إسلاميين وعلمانيين؛ وهو -في ظل الأزمات الشاملة- ليس مجرد وهْمٍ فحسب؛ وإنما هو محاولة لوَأْد ربيع تونس؛ ثم إن خلق مواجهات بين الفرقاء لا يخدم الشعب التونسي، بل يطيل أمد معاناته، ويعقدها، أما إجراءات الرئيس قيس سعيد، فلن تحلّ القضايا الكاثرة، والأزمات الشاملة، والأخطاء المشتركة التي هي مسؤولية الجميع؛ وتبرئة الرئاسة نفسها هي تعميق للأزمة، وجرّ للبلد نحو المجهول.



إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English