أي قرار صائب سيُتّخَذ؟

ترامب الآتي من عمق صلف اليمين
عبدالرحمن بجاش
November 15, 2020

أي قرار صائب سيُتّخَذ؟

ترامب الآتي من عمق صلف اليمين
عبدالرحمن بجاش
November 15, 2020

  ما نراه الآن سيطبع أمريكا القادمة بطابع الانقسام، إلا إذا ظهر بايدن زعيمًا استثنائيًّا.

    بتوجيه الصين تهنئة لبايدن كرئيس منتخب، فذلك يعني فيما يعنيه أن العالم بدأ يكتشف لعبة ترامب؛ إرهاق العالم بابتزازه معنويًّا، انظر إلى الطفل المعاند كيف يعذب أقرانه بالتلويح بلعبته الوحيدة!

    لم أرَ في حياتي إدارة أمريكية تلعب بأعصاب الجمهور كما تلعب هذه الإدارة، ما يوحي بأن رأسها يساوم على شيء ما سيظهر لاحقًا أو يختفي تحت الطاولة كما اختفت حوادث كبيرة لم يجد لها الجمهور تفسيرًا، وإن كانت أجهزة المخابرات تدري من الذي اغتال كينيدي. في مثل هذه الحوادث الكبيرة يخيل إليك أن وسائل الإعلام الكبرى تتحول في لحظة صمت قصوى إلى أجهزة تتبع المخابرات.

    رسائل متناقضة يرسلها دهاقنة هذه الإدارة اللعوبة: ترامب يصر على حصول التزوير، يتقدم، يتأخر، لكنه يلعب. بومبيو يستغبي العالم بالقول: إن انتقالًا سلسًا لإدارة ترامب لفترة ثانية سيتم بسلاسة، ثم يذهب إلى فرنسا التي هنأ رئيسها بفوز بايدن!!! روسيا لم تهنئ ترامب لأنها تراه أفضل لمصالحها، فقد أدركت مفاتيحه ونقاط قوته وضعفه، الصين لا يهمها؛ ففي الحالين هي مستفيدة. الصين تاجر شاطر لا يشتغل في السياسة إلا متى ما قرر هو، لا يستطيع أحد جرجرته غصبًا عنه إلى لعبة لم يحدد معالمها وشروطها وميدانها.

    قال أوباما: إن ترامب لا يحب أن يخسر. لم يوضح كيف يتصرف في لحظة مواجهة الحقيقة التي يبدو أنها تقترب؛ في أريزونا حسب وسائل الإعلام عاد وتفوق فيها بايدن، وفي جورجيا سيبيّن الفرز اليدوي أيًّا منهما حصل على العدد الأكبر من أصوات المجمع الانتخابي للولاية، وتقول المؤشرات إن بايدن سيكسب، بل قد ظهرت النتيجة ونال بايدن 306 صوت من أصوات المجمع.

    هذا الرجل ترامب يلعب اللعبة وعكسها، يطالب بعدم اعتماد البريد وسيلة للتصويت، ويطلب من أعضاء الحزب الجمهوري ألّا يصوتوا بواسطة البريد، ثم تأتي النتيجة ضربة له، فيعود يشكك في الآخرين، في قواعد اللعبة التي قالت وزارة الأمن الداخلي التي أمّنت الانتخابات: "أنزه انتخابات"، هو اليمين إذن.

    الرجل يلعب كالطفل لعبة خطرة ولا يبالي، فيقيل وزير الدفاع، ويوعز البيت الأبيض إلى أكثر من مسؤول في وزارة الأمن للاستقالة، ظنًّا منه أن الأوراق تتطاير في الهواء والشاطر من يمسك واحدة منها! نسي أن رئيس الأركان هو من يأمر الجيش عمليًّا، وما حصل إبان الشغب نتيجة مقتل فلويد خير دليل على أن الرئيس الأمريكي دستوريًّا لا يستطيع أن يأمر الجيش خارج متطلبات الدستور، وإن قرر شن هجمات على إيران وقواعد حزب الله - كما يقول عبدالباري عطوان- فسيكون عليه أن ينال تفويضًا من الكونجرس، هو قد يفعلها كما فعل بوش الابن مع العراق، سيكون على أمريكا تحمل عواقب الرد، وإذا فعلها، فعلى أمريكا أيضًا تحمل تبعات ضياع ثروة الخليج.

    الحزب الجمهوري يتعامل مع الأمر برمته بخفة غير عادية أو في أحسن الأحوال كما يلعب في سوق الأسهم، منطقه: اترك هذا الصلف يلعب، فإن نجح استفدنا، وإن خسر يسقط هو ونحن في السليم. وفي الوقت نفسه يترك الباب مواربًا لبعض أعضائه لكي يمارسوا لعبة "معكم معكم، ضدكم ضدكم"، وإن كانت المؤشرات تقول بغير ذلك، فما يجري خطر استشعره بيان موقع من أعضاء ديمقراطيين وجمهوريين، يحذر من استمرار اللعبة السخيفة التي تخدم صلف وغرور شخص قدم من عمق اليمين العنصري.

     أمريكا بلد ديمقراطي لا جدال في ذلك، الديمقراطية هُوية وضرورة تجمعهم، فقد تشكلت صورتها الأكبر ممن قدموا من كل أنحاء الأرض.

بوحي من النقمة الشخصية التي تدعمها نظرية التفوق الأبيض، بدأ ترامب العمل على كنس أبرز إنجازات أوباما، غير عابئ بالعالم، وهو أمر طبيعي في اليمين العنصري الذي يرى العالم كله مجرد أشياء أدنى

    دستورهم يعطي الحق في الهجرة إليها، ولذلك يدخل "الروتاري" السنوي مئات الأشخاص من كل أنحاء العالم.

    العذاب الذي تعرض له الأمريكيون من أصول أفريقية، إضافة إلى الملونين، أتى من أصحاب الأعمال، ولونهم برر للأثرياء اعتبارهم أدنى، فاستُخدموا بقوة المال عبيدًا في المستعمرات الزراعية، فقد جاء الأفارقة تحديدًا من بلدانهم الأصلية ليس كمهاجرين، بل كسلعة اشتراها المرابون وباعوها بـ"الرطل والأوقية".

    العنصر القادم من أوروبا تحديدًا قضم أراضي العالم الجديد على حساب السكان الأصليين، وهذا بعض السر، إلى جانب الأسطورة في دعم اليمين الأمريكي لليمين المتطرف في إسرائيل يتشابه الاحتلال والتوسع، كنقطة الماء التي تتحول إلى دوائر واسعة.

    لأن المال كان في يد العنصر الأبيض، فقد اعتبره ميزة عن الآخرين، وفي جنوب أفريقيا أحاط البيض أنفسهم بأسوار من أسلاك شائكة تفصلهم عن أصحاب الأرض الأصليين.

    الإنجليز هم سادة استعمار الشعوب، وهم من علموا الآخرين كيف يستعمرون وينهبون الثروات، ورسخوا في الأذهان إلى جانب البلجيكيين، في أن السود تحديدًا خلقوا كعبيد. ولحماية ثروتهم تجمعوا في حزب يميني قائم على العنصرية هو الحزب الجمهوري، وترامب في هذا السياق نتاج طبيعي للأبيض الصلف والمتعالي.

    ناضل السود من تلك اللحظة، ومشاهدة واحدة لفيلم "12 عامًا عبودية" توضح ذلك؛ فقد لخص عذاباتهم ونضالهم مع بيض عقلاء وبعيدي نظر، لتسييد القانون، وهذا ما حصل!

    بين إبراهام لينكولن محرر العبيد، ومارتن لوثر كنج "لدي حلم" تحقق الكثير، ونتاجه وصول أول رئيس أسود إلى البيت الأبيض، وهذا ما جن له جنون اليمين العنصري، الذي يعتبر ترامب تعبيراً عميقاً له.

    جاء ترامب كصناعة لليمين، إثر انتهاء الفترة الثانية لأوباما الذي استطاع أن يكون رئيسًا فارقًا.

    بوحي من النقمة الشخصية التي تدعمها نظرية التفوق الأبيض، بدأ العمل على كنس أبرز إنجازاته، غير عابئ بالعالم، وهو أمر طبيعي في اليمين العنصري الذي يرى العالم كله مجرد أشياء أدنى! ألغى الاتفاق مع إيران بجرة قلم، ونقل سفارة أمريكا إلى القدس، يتصرف بعنجهية وغرور مع قضايا الكون، ولولا أن أمريكا دولة مؤسسات لظهر بمظهر هتلري يدمر الكون. الصين وروسيا عرفتا كيف تستفيدان منه، إلا العرب ظلوا عبيدًا في أعماقهم، وخاصة أسر البترول.

    بوحي من كل ذلك، يتصرف الآن هذا الرجل وكان لا أحد أمامه، وكلما ذكر أن نائب الرئيس امرأة من الملونين، وقد تكون رئيسًا بعد بايدن، جن جنونه.

    وبرغم كل الأصوات المحذرة والمشيدة بالنظام الانتخابي الذي وصفه بأبشع الأوصاف، تراه يواصل خلفه في ظل صمت جمهوري، عينه على معركة الكورونا التي لا يراد لأمريكا أن تنتصر فيها في ظل الديمقراطيين، خاصة أن هناك أصواتًا تقول بمجانية اللقاحات، وهو ما يجن له جنون كارتلات مصانع الأدوية وشركاته. يلعب الجمهوري لعبة القط والفأر، وصفتها بيلوسي رئيسة مجلس النواب بـ"التمثيلية".

    جورجيا أعادت فرز الأصوات يدويًّا، فجاء الأمر لصالح بايدن، وميشيغان رفض القاضي خمس دعاوى لحملة ترامب. وهو اتصل بصحفي يقول له: "سأتخذ القرار الصائب". فأي قرار تراه سيتخذ؟!


•••
عبدالرحمن بجاش

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English