حين يكون الترحال ميراثًا عائليًّا

ربع قرن من الألفة بين أقدام السروري وجبال تعز وصحراء لحج
محيي الدين فضيل
October 6, 2020

حين يكون الترحال ميراثًا عائليًّا

ربع قرن من الألفة بين أقدام السروري وجبال تعز وصحراء لحج
محيي الدين فضيل
October 6, 2020

لا تكاد تقف قدماه على الحركة؛ فهو منذ 25 سنة لا يعرف الهدوء أسبوعًا واحدًا. يحث الخُطا نحو مناطق ريفية جبلية وصحراوية بين محافظتي تعز ولحج لتعميق الزيارات المجتمعية والاطلاع على التراث والعادات وما يستجد من أحداث. وهو بهذه الهواية يسير على درب والده سيف السروري الذي توفي في العام2000. كان سيف السروري أحد الشخصيات الاجتماعية المعروفة في منطقة "راسن" بمديرية الشمايتين - غرب تعز، الذي كان يعشق الهواية ذاتها في الرحلات بين البلدات والقرى، وهي الهواية التي تابعها ولده محمد سيف السروري (62 سنة). لا يزال محمد حتى اللحظة يتنقل بين القرى التابعة لمناطق "الشمايتين" و"الوازعية" و"المضاربة"، قاطعًا مئات الكيلومترات، دون أن يمتطي ظهر سيارة أو أية وسيلة نقل. 

  يقول محمد سيف السروري لـ"خيوط"، أنه كان في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، ينتقل مع والده في زيارة بعض المناطق القريبة من بلدته، قبل أن يتابع تعليمه في "معهد زبيد للعلوم الشرعية" مطلع العام 1981. بعد ذلك عمل في مديرية "الجرّاحي" بالحديدة مرشدًا زراعيًّا لمدة أربع سنوات مع بعثة أجنبية. والزراعة بالنسبة لمحمد، عشق مارسه في أرض قريته منذ كان صغيرًا، وبعد انتهاء عمله مع البعثة الأجنبية، عمل في تجارة الذهب بمدينة تعز، قبل أن يستقر في وظيفته معلمًا تربويًّا على إثر حصوله على وظيفة  مطلع العام 1990، في قريته بمنطقة "راسن" بالشمايتين.

  وفق الرحالة محمد سيف السروري، فإن انتظامه في القيام بالرحلات في عشرات القرى والمناطق النائية، لم يكن وليد اللحظة بل بدأ منذ العام 1995، حيث بدأ هوايته بزيارة المناطق التي كان يزورها والده، كما يقول. وعندما كان يسأله الناس خلال مروره بالطرقات عن سبب ترحاله بين هذه المناطق، كان يجيبهم أن والده كان يزورها، وأنه يزور أصدقاء والده، من منطلق أن زيارة أصدقاء الأب، يعتبر برًّا به، بحسب تعاليم الإسلام. حينها كان والده قد شاخ ولم يعد يستطيع السير، غير أن الرحالة الابن استمر في رحلاته، متوغلًا في الصحاري والتلال والأراضي المنبسطة. 

  في حديثه لمنصة "خيوط"، يقول السروري إن أطول مسافة قطعها استغرقت منه ثماني ساعات. كانت تلك رحلته إلى منطقة "المجزاع" في مديرية "المضاربة ورأس العارة" التابعة لمحافظة لحج، وخلالها مشى في صحراء بلا كثبان، حتى وصل إلى تلك المنطقة. لا يتذكر السروري أنه قضى جمعة واحدة في قريته بسبب ترحاله الدائم. ومن المناطق الحاضرة في ذاكرته، يتذكر "تربة أبو الأسرار" و"المضاربة" و"المجزاع" و"الصريح" و"ملبية" في لحج، و"الخبل" و"الزعازع" و"البطنة" و"الزملية" و"النشمة" في تعز.

تعرض لهجوم من قبل خمسة كلاب، ودارت بينه وبينها معركة كادت تودي بحياته بعد أن تمكنت الكلاب من عضه في أماكن متفرقة من جسمه، ولولا تدخل بعض الأشخاص الذين صادف مرورهم من الطريق نفسه، لما تمكن من النجاة بروحه

  في بعض المرات التي كان يزور فيها قرى الجبل أو الساحل في محافظتي لحج وتعز، كان السروري يعمد للتنسيق واصطحاب المواهب والمبدعين والممثلين، لا سيما خلال الخمس السنوات الأولى من رحلاته. خلال هذه الرحلات الجماعية ومع هؤلاء الشباب المبدعين ومتعددي المواهب، كان يقيم الأسمار الاجتماعية، في واحدة من الطرق المشوقة لصقل المواهب واستكشافها.

  خلال رحلاته، تعرض الرحالة السروري للعديد من المواقف المضحكة والمؤلمة، منها ما يتذكره خلال زيارته لبلدة "تربة أبو الأسرار" شمال محافظة لحج؛ فعندما كان يوشك على الوصول إلى منزل أحد أصدقائه، سقط من وسط جبل صغير يطل على القرية، حيث فقد الوعي، وتسبب بقلق للسكان الذين هرعوا لإسعافه، واستمر في غيبوبة لمدة ساعتين. وفي العام 2015، خلال  قيامه برحلته الأسبوعية المعتادة، تعرض لهجوم من قبل خمسة كلاب، ودارت بينه وبينها معركة كادت تودي بحياته بعد أن تمكنت الكلاب من عضه في أماكن متفرقة من جسمه، ولولا تدخل بعض الأشخاص الذين صادف مرورهم من نفس الطريق، لما تمكن من النجاة بروحه. موقف آخر صادف فيه مسلحين أشهروا عليه بنادقهم بصورة مفاجئة. كانت هناك اشتباكات بين قبيلتين على خلفية قضايا ثأر، وقد تفاجأ بتطويق المسلحين له ليتأكدوا ما إذا كان ينتمي للقبيلة المعادية، وعندما تأكدوا من كونه عابر سبيل، قدموا له صفيحة لبن ليشربها قبل أن يواصل رحلته. عند وصوله قرية "الصريح" التابعة لمحافظة لحج، تفاجأ بامرأة تلومه لعدم حمله السلاح ما دام يصرّ على قطع تلك المسافات الطويلة في الجبال والصحاري، فردّ عليها بأنه يمشي منذ ثلاثة أيام لكي يصل إلى المنطقة، وبالكاد يحمل نفسه خلال رحلاته، ولا ينقصه أن يحمل سلاحّا. 

  يؤكد السروري لـ"خيوط" أنه لا يشعر بالكلل أو الملل في هذه الرحلات، بل يشعر بالمتعة، كون هذه الأسفار تضيف لثقافته الكثير عن المناطق التي يزورها، وتوطد العلاقات الاجتماعية مع العديد من سكان تلك المناطق، ناهيك عن كونها هواية ورثها منذ الصغر من أبيه.


•••
محيي الدين فضيل

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English