هل بلغ مجلس التعاون الخليجي سن الرشد؟

تصالح وأحضان في القمة الـ41 في العلا
توفيق الجند
January 7, 2021

هل بلغ مجلس التعاون الخليجي سن الرشد؟

تصالح وأحضان في القمة الـ41 في العلا
توفيق الجند
January 7, 2021

 أربعون عامًا مرّ على تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربي عام 1981، ومنذ تشكيله كإطار تعاون بين دول النفط والعروش الملكية في الجزيرة العربية، لم تشهد دول المجلس علاقات بينية متوترة كما هو حالها اليوم. كان هذا كافيًا ليصف أمير دولة الكويت عقد مؤتمر القمة الـ41 لدول المجلس بأنه "إنجاز تاريخي"، ويصفه أمين عام المجلس بـ"اليوم التاريخي" أيضًا، على الرغم من تغيّب أربعة حكام من أصل ستة عنه؛ حضر فقط تميم بن حمد أمير قطر، ونواف الأحمد الصباح أمير الكويت، واكتفى الآخرون بتكليف ممثلين عنهم دون أسباب واضحة لتغيبهم.

عُقد مؤتمر القمة الخليجية الـ41، نتيجة وساطة كويتية وتدخل أمريكي لحل أزمة دول المجلس، التي شرخته إلى ثلاثة تيارات؛ الأول ضد الدوحة، ومثلته مباشرة أبوظبي والرياض والمنامة، والثاني اختار الموقف المعتدل بينهما، ومثلته الكويت ومسقط. التيار الثالث كان دولة قطر ذاتها، التي مثلت سياستها مصدر قلق لجيرانها/ خصومها ومعهم مصر، لدرجة دفعتهم إلى مقاطعتها منذ يونيو/ حزيران 2017. 

وفي الخامس من يناير/ كانون الثاني 2021، هبطت طائرة أمير قطر، تميم بن حمد آل خليفة، في مطار العلا شمال السعودية، للمشاركة في القمة الـ41 لقادة دول مجلس التعاون الخليجي، وكانت الطائرة الأولى التي تهبط في السعودية بعد فتح الأخيرة مجالها الجوي المغلق منذ يونيو 2017، أمام الطيران القطري. وعند سلم الطائرة كان ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ينتظره بأحضان مفتوحة، ووجه تغطيه الكمامة الطبية، كإجراء احترازي من موجة جديدة لوباء كوفيد-19، لكنه لم يمنع عناق الرجلين إعلانًا بإنهاء القطيعة بينهما وبين بلديهما. للترحيب بضيفه، ردّد بن سلمان: "يالله حيه، يالله حيه. نورت السعودية"، وقبل هبوط طائرته، أعلن فتح منفذ سلوى بين قطر والسعودية والمنفذ البري الوحيد لقطر، ليتمكن مواطنو البلدين عبوره لأول مرة منذ ثلاث سنوات ونصف.

خلال العام الأخير، غيب الموت حاكمين خليجيَين تميّزَا بالاعتدال والحكمة دون غيرهما من حكام الدول الست، وهما السلطان قابوس بن سعيد- سلطان عمان، وصباح الأحمد- أمير الكويت. وقد حملت القمة الخليجية اسميهما، قبل أن تتحول في البيان الختامي إلى قمة "المصارحة والمصالحة". 

وقبل وفاة صباح الأحمد، بذل مساعيَ كبيرة للوساطة بين قطر وبين أشقائها في السعودية والإمارات والبحرين ومصر، واستمر فيها خلفه الأمير نواف الأحمد، حتى توصل إلى اتفاق مبدئي بدعم من واشنطن، للمصالحة بينهم. كانت أولى مؤشرات ذلك الاتفاق، إعلان فتح الحدود وفتح أجواء هذه البلدان أمام الطيران القطري، قبل يوم واحد من عقد القمة الخليجية، وإعلان أمير قطر مشاركته شخصيًّا في القمة. وكما تصاعدت الأزمة الخليجية بشكل درامي لتبلغ ذروتها في الخامس من يونيو 2017، أعلنت قمة العلا "طي ملف الماضي" بشكل درامي أيضًا في الخامس من يناير 2021.

هل يمثل الإقرار الجماعي من القادة الخليجيين لبنود "بيان العلا" إنجازًا تاريخيًّا؟

إذا تم الالتزام بالبيان، يمكن أن يكون ذلك إنجازًا تاريخيًّا بالفعل، لكن تلك البنود تحتاج لمفاوضات تفصيلية لتتحول إلى واقع، واتفاقيات تنفيذية فرعية واضحة. فقطر لم توافق على الشروط الخليجية-المصرية المفروضة عليها منذ سنوات، وليس هناك مؤشرات على حل أسباب الخلاف حتى الآن، إذ كل ما تم إعلانه مجرد تراجع عن نتائجه وتداعياته. أما مشاركة مستشار وصهر الرئيس الأمريكي كوشنارد، في قمة العلا، فعكست إلى أي مدى انحسرت الثقة بين أطراف الأزمة والحاجة لرعاية أمريكية كضمان لتنفيذ مخرجاتها.

خلال 2020، أعلنت كلٌّ من أبوظبي والمنامة تطبيع علاقتهما مع تل أبيب رسميًّا، وهذا وتر علاقتهما بطهران أكثر من السابق، فلم تتخذ طهران موقفًا مماثلًا مع الدوحة ومسقط، رغم إقامتهما علاقات مباشرة مع تل أبيب منذ سنوات طويلة

كما أن عدم تلبية الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، دعوة الملك سلمان لحضور القمة، وإيفاده وزير خارجيته بدلًا عنه، وضع علامات استفهام كثيرة بشأن انتهاء أسباب الخلاف مع الدوحة و"طي ملف الماضي". وتوقيع وزير خارجية مصر على بيان العلا أيضًا، جعل القمة تخرج عن طابعها الخليجي المغلق على دوله الست، لتظهر كتوقيع صلح بين أطراف نزاع أحدهم مصر.

ليس معلومٌ ماذا دار بين تميم وبن سلمان أثناء لقائهما بعد انتهاء القمة، لكن تميم بعث برقيتين منفصلتين لكلٍّ من الملك سلمان وولي عهده، شكرهما على حفاوة الاستقبال. ومع ذلك لم يعلن أي التزام بتنفيذ الشروط التي فرضتها عليه دول المقاطعة الأربع، ومنها إغلاق قناة الجزيرة وتقليص علاقة الدوحة بطهران والتراجع عن التعاون العسكري مع تركيا. 

وقد لجأت قطر إلى تعزيز علاقتها بطهران منذ 2017، وعقدت معاهدة عسكرية مع أنقرة، أنشأت الأخيرة بموجبها قاعدة عسكرية في قطر، ولأن طهران وأنقرة خصمان تقليديان للرياض وأبوظبي، فإن أي نفوذ لهما في المنطقة سيكون على حساب نفوذ ومصالح الرياض وأبوظبي، وقد فتحت الدوحة المجال أمامهما لملأ الفراغ الذي خلقته مقاطعة جيرانها لها، ولم تتراجع عن ذلك حتى الآن.

خلال 2020، أعلنت كلٌّ من أبوظبي والمنامة تطبيع علاقتهما مع تل أبيب رسميًّا، وهذا وتر علاقتهما بطهران أكثر من السابق، فلم تتخذ طهران موقفًا مماثلًا مع الدوحة ومسقط رغم إقامتهما علاقات مباشرة مع تل أبيب منذ سنوات طويلة، وهذا يجعل الأمن الخليجي معرضًا للخطر أكثر، خاصة وأن مظلة واشنطن التي تظلل دول الخليج منذ عقود، صارت تتطلب ثمنًا مرتفعًا، ومن مصلحة واشنطن تصاعد المخاطر على الخليج لترفع فاتورة الحماية ومبيعات الأسلحة، ما يجعل جديتها في ضمان استقرار الخليج محل شك، وقد ركز محمد بن سلمان على دور إيران في المنطقة وتطرق إلى الصواريخ البالستية التي تهدد أمن الخليج من قبل "وكلائها"، في إشارة إلى جماعة أنصار الله (الحوثيين) التي ارتفعت وتيرة قصفهم لأراضي المملكة، خاصة منذ خروج قطر من التحالف العسكري بقيادة السعودية منتصف 2017. وبشكل عام فإن رفع وتيرة الخلاف بين واشنطن وطهران بقدر ما هو مطلب خليجي بهدف الاحتماء بقوة واشنطن وقدرة الأخيرة على كبح جماح طهران في مجال التسلح النووي والصاروخي، فإنه يمثل تهديدًا للخليج أيضًا كجغرافيا لأي رد إيراني لو قامت واشنطن بعمل عسكري ضدها، ولا يبدو أن الدفع بالدوحة بعيدًا عن طهران سيغير المعادلة، فأكبر قاعدة أمريكية بالمنطقة موجودة في قطر، ومنها أديرت عملية اغتيال القيادي البارز في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، في يناير 2019. 

كانت مسقط أول الدول الخارجة عن طاعة الشقيقة الكبرى، واتخاذ أبوظبي قرارات منفردة في الملف اليمني، مثّل خروجًا آخر عن قبضة الرياض وإضعافًا لها أيضًا. كما أن قطر أثبتت خلال ربع قرن من السياسة المختلفة، بل والمناوئة للرياض، أن الأخيرة لم تعد قادرة على فرض إرادتها على دول المجلس

ونتيجة لذلك، ورغم تصدر المصالحة مع قطر المشهد الخليجي الراهن، لم تكن القمة ومحاولة استعادة قطر إلى حاضنة المجلس إلا مؤشرًا على المخاوف الأمنية والعسكرية، التي يتضح من بنود البيان الختامي للقمة أنها أولوية قصوى، بنص البيان على استكمال مقومات المنظومتين الدفاعية والأمنية المشتركة وبلورة سياسة خارجية موحدة لدول المجلس، وتعزيز التكامل العسكري ومواجهة "التحديات المستحدثة" انطلاقًا من اتفاقية الدفاع المشترك، ومبدأ "الأمن الجماعي لدول المجلس"، وطالما ظلت قطر خارج المنظومة السياسية والعسكرية والأمنية لدول المجلس، فإن نجاح أي عمل مشترك بينها محلُّ شك، بما تملكه من إمبراطورية مالية وإعلامية، وعلاقات مع دول وجماعات ذات دور جوهري في صراعات الإقليم. وأمام تحولات منتظرة في موقف واشنطن من ملفات المنطقة وأهمها إيران، فإن التعامل مع واشنطن بموقف خليجي موحد يمثل حاجة ملِحة لدول الخليج ولو لم ينتزع أي تنازل من الدوحة، خاصة وجميع الخصوم الخليجيين هم في نفس الوقت حلفاء لواشنطن، وكان حضور مستشار ترامب وزوج ابنته قمة العلا مؤشرًا واضحًا على دور واشنطن في المصالحة الخليجية.
ليس من الواضح حاليًّا، إذا ما كانت ثمار القمة الخليجية ستنضج قريبًا، فذلك يحتاج جهودًا عمليةً واستمرار اللقاءات والمفاوضات والوساطات؛ لأن الوضع المالي المريح لدول الخليج، وتحالفات كلٍّ منها مع قوى دولية مؤثرة في المشهد الإقليمي بقوة، يجعل كلًّا منها قادرة على اتخاذ مواقف مستقلة عن الأخرى إذا اقتضت مصلحتها ذلك. 

  وباستثناء البحرين، لم تعد الرياض تتمتع بدور الأخ الأكبر في المجلس. فبتسجيلها موقفًا مختلفًا عن الرياض في الأزمة مع قطر، غادرت الكويت دائرة الطاعة السعودية بعد مسقط، التي قدمت نموذجًا للاستقلالية الصامتة منذ عقود. وباتخاذ أبوظبي قرارات منفردة في الملف اليمني، رغم كونها حليفًا استراتيجيًّا للرياض والتحالف العسكري لهما في اليمن، مثّل خروجًا آخر عن قبضة الرياض وإضعافًا لها أيضًا. كما أن قطر أثبتت خلال ربع قرن من السياسة المختلفة، بل والمناوئة للرياض، أن الأخيرة لم تعد قادرة على فرض إرادتها على دول المجلس. ولهذا تعمل الرياض على لملمة شتات المجلس الذي تأسس قبل أربعة عقود، وأصبح مهددًا بخطر التفكك إذا لم يتم ترميم البيت الخليجي بسرعة، وعبر آلية تضمن الحد من هيمنة الرياض على قراراته ومواقفه.

  من المؤكد أن الوضع في اليمن سيتأثر بنتائج قمة العلا، في حال تحقيق أهداف القمة أو فشلها، لكن الكيفية التي سيتأثر بها تعتمد بشكل كبير على عدة أمور أساسية، مثل: قدرة الرياض على ضبط أنشطة ومواقف أبوظبي والدوحة في الداخل اليمني، وتوظيف علاقاتهما بالجماعات الفاعلة على الأرض بشكل يساعد على التوجه نحو السلام؛ ومسار علاقة الرياض وأبوظبي بهادي وحكومته وحزب الإصلاح أيضًا؛ ومدى اتساق أهداف دول الخليج في اليمن؛ ومسار علاقة هذه الدول بطهران؛ وقدرتها على استغلال علاقة مسقط بجماعة أنصار الله (الحوثيين)، لتحقيق تقارب يؤدي إلى عقد صفقة سلام تُخرِج اليمن من مستنقع الحرب والأزمات، وتمنح السعودية تطمينات متعلقة بأمنها، كما تمنحها بعض ملامح الانتصار التي تحفظ ماء وجهها كقوة إقليمية كبرى، أثبتت منذ تدخلها في اليمن عسكريًّا أن قوتها المعنوية وتأثيرها الناعم ونفوذها المالي أهم بكثير من قوتها العسكرية. 

وعند الحديث عن التأثير الناعم والنفوذ المالي، ربما صار على دول الخليج بقيادة السعودية، أن تتعامل مع اليمن كمصدر للفرص والمصالح المستقبلية، وتجاوز فكرة التعامل معه كمصدر للمخاطر فقط، كما يحدث الآن، وأن تبدأ بتخطيط وتمويل عملية إعادة إعمار البلد المدمر بأسرع وقت ممكن، ومن شأن ذلك تغيير معطيات الواقع اليمني والإقليمي بالتأكيد.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English