ساحة الحرية في تعز بعد عقد من الزمن

شاهد حي على مسارات الفعل الثوري
محمد الكمالي
February 10, 2021

ساحة الحرية في تعز بعد عقد من الزمن

شاهد حي على مسارات الفعل الثوري
محمد الكمالي
February 10, 2021
© الصورة ل: البراء منصور

عشر سنوات منذ انطلقت الاحتجاجات الشعبية في اليمن، التي عرفت فيما بعد بثورة 11 فبراير 2011، التي أعلنتها الحكومة المعترف بها دوليًّا يوم إجازة رسمية في عيدها السادس عام 2017. وفي حين لا يزال كثيرون من شباب الثورة أنفسهم في خلاف محتدم حول تحقيق الثورة لأهدافها من عدمه، وحول مآلات الفعل الثوري، تبرز للذاكرة مشاهد ذلك الفعل الذي بدأ في شارع فرعي لم يكن يرتاده الكثيرون، ليصبح بعد بدء التظاهرات ساحة اعتصام ثوري مفتوح شهدت العديد من الأحداث الفارقة.

ملأ المعتصمون الساحة، احتجاجًا على نظام الرئيس السابق علي عبدالله صالح، وكانت تشهد زخمًا غير مسبوق في الشهور الأولى، فيما احتضنت العديد من الخيام فيها منتديات ثورية ذات توجهات مختلفة، وكانت الروح الثورية تشعل وهج الحياة لدى مرتاديها بأحلام لا تنتهي؛ العدالة الاجتماعية، الحرية والمساواة. حيث مثلت ساحة الحرية للكثيرين منبعًا للأفكار الثورية وبيتًا يأوي إليه المتعبون، ورأى روادها في سلميتهم سلاحًا دافعوا عنه، إلى غاية 29 مايو/ أيار وهو التاريخ الذي شهد إنهاء الاعتصام فيها لفترة محدودة بعد اقتحامها من قبل قوات النظام فيما عرف "بمحرقة الساحة".

المهندس وائل المعمري، وهو أحد ناشطي الثورة، قال لـ"خيوط" إن نظام صالح ومن معه، كانوا قد أدركوا مدى خطورة ثوار فبراير في تعز آنذاك، وهو ما جعلهم يرمون بكامل ثقلهم من أجل قتل الثورة في مهدها من خلال تنفيذ محرقة سوداء لن ينساها التاريخ.

رغم ما تعيشه اليمن، وتعز على وجه الخصوص، من مآسٍ وتدهور معيشي يلقي بشمسه الحارقة على صانعي ثورة التغيير وساحتها، يصر شباب الثورة المتمسكون بالأمل على جدوى بقاء الساحة لضمان تحقيق كامل مطالب الثورة

وتحدث المعمري عن وقع الأثر النفسي البالغ الذي خلفه ذلك اليوم في نفوس الثوار، لكنهم سرعان ما استعادوا بوصلة النضال من أجل الحرية. 

وتعد ساحة الحرية بتعز معلمًا من معالم الثورة ورموزها المعروفة في اليمن، وبعد مضي 10 سنوات منذ نصب أول الخيام فيها، تتباين الآراء حول جدوى بقائها وتأثيرها في ظل النزاع المسلح الذي تشهده المدينة ومحاصرة جماعة أنصار الله (الحوثيين) لها، منذ ما يقارب ست سنوات.

ساحة سياسية 

إيجاد مكان للاحتجاج يعبر عن كل مطالب وهموم الناس في مدينة تعز بكل أطيافهم، هو أمر مرحب به، ويلاقي القبول، نوعًا ما، دون سخط أو رفض.

 غير أن الآراء المنتقدة للساحة تتزايد، كونها، بحسب مراقبين، تنفذ أجندة خاصة لا علاقة لها بأهداف الثورة، عن ذلك يتحدث لـ"خيوط" الصحفي محمد علي محروس، جازمًا بعدم جدوى بقاء الساحة بالمعنى الحالي، خصوصًا أنها "أصبحت تفعل ما تشاء ووقت ما تشاء، باعثة برسائل تخدم سياسة ومصالح طرف بعينه".

وبحسب محروس، فإن الساحة رغم رمزيتها الثورية في السابق إلا أنه لم يعد لها ذات الأهمية الآن لأهالي مدينة تعز، بسبب الصدمات المتلاحقة التي خلفتها الحرب وظروفها التي تجاوزت كل الرموز، ولم يعد للمكان الثوري مكانته المعهودة، كما من قبل.

ساحة الحرية - تعز

ويرى محروس، أن استمرار ذهاب الأغلبية إلى الساحة، لا يعدو عن كونه لمجرد الصلاة فيها كـمكان مفتوح، دون أن تكون لهم أي مشاركة في ترديد الشعارات المختلفة.

ويرتاد العشرات من أهالي مدينة تعز ساحة الحرية يوم الجمعة من كل أسبوع لتأدية الصلاة، كما هو الحال ذاته مع عيدي الفطر والأضحى لكن بأعداد كبيرة.

وترتبط أسماء أعضاء في حزب التجمع اليمني للإصلاح كثيرًا في أغلبية الحضور، ومسألة التنظيم وهتافات ما بعد الخطبة والصلاة.

الحاج عبداللطيف الحمادي، أحد سكان الحي المجاور للساحة، قال لـ"خيوط" إنه أحد المداومين على ارتياد ساحة الحرية بشكل أسبوعي منذ العام 2011. في السابق كان يذهب ثائرًا بصوته وقلبه، ولاحقًا عابدًا حريصًا على أداء الصلاة - حسب تعبيره. ويؤكد الحمادي: "لم يعد للساحة أي نشاط يذكر حاليًّا سوى صلاة الجمعة، وعيدي الفطر والأضحى في كل سنة، وما دون ذلك مجرد أسفلت لمرور السيارات والمشاة".

ويضيف عبداللطيف الحمادي، وهو أحد أفراد لواء الصاعقة في سبعينيات القرن العشرين، أن للساحة في تعز رمزية لثورة 11 فبراير، لكن هذه الميزة تتضاءل يومًا بعد آخر بسبب ما سماها "السياسات الخاطئة التي تدار بها الآن، وداعيًا إلى "سرعة تصحيح الوضع"، كما يقول.

 استمرار الساحة.. استمرار الثورة

 رغم ما تعيشه اليمن، وتعز على وجه الخصوص، من مآسٍ وتدهور معيشي يلقي بشمسه الحارقة على صانعي ثورة التغيير وساحتها، يصر شباب الثورة المتمسكون بالأمل على جدوى بقاء الساحة لضمان تحقيق كامل مطالب الثورة.

 يتفق مع ذلك الناشط الإعلامي، فارس البنا، لافتًا إلى أن "ثمة دلالات مهمة بشأن استمرار ساحة الحرية، أهمها الإشارة إلى استمرارية الثورة الشبابية ومواصلة النضال"، حد قوله.

 ويعتبر البنا، وهو أحد ناشطي ثورة فبراير، أن "استمرار الساحة مكسب لكل ثائر ورائد للتغيير، كونها عامل رقابة تؤرق مضاجع الفاسدين". ويضيف في حديثه لـ"خيوط"، أن دعم الساحة للجيش الموالي للحكومة المعترف بها دوليًّا ضد قوات جماعة الحوثيين الآن، هو "امتداد مسلح للثورة السلمية، أُجبر عليه اليمنيون لاستعادة دولتهم والحفاظ على حقهم في العيش الكريم".

وتوافقه الكاتبة وفاء اليوسفي على ذلك، بالقول: "نعم، هنالك أهمية وأثر نفسي عميق لوجود الساحة في تعز، فبها نتذكر التغيير الذي ينشده الشعب والتضحيات التي لا تُنسى".

وواصلت وفاء حديثها لـ"خيوط"، بأن "ثورة الشباب تعرضت "للسرقة"، لكن رغم هذا ما تزال الأهداف الحقيقية بخطها المرسوم قائمة في النفوس الثائرة ولو بعد حين".

ساحات بديلة

عرفت تعز خلال الحرب الدائرة ميادين مختلفة للاحتجاج بسبب ملفات الفساد، أبرزها ساحة الحقوق والحريات وسط المدينة، التي تعرضت للإحراق من قبل مجهولين -بحسب القائمين عليها- في الثامن من مايو/ أيار 2018. صلاح الجندي، صحفي يقول: "لم يعد لساحة الحرية أي دور الآن نتيجة لاختطافها وتكبيلها بسياج حزبي واضح للعيان". ويضيف الجندي لـ"خيوط"، بأن ساحة الحرية "فقدت دورها الريادي الذي اكتسبته عند بداية الانتفاضة على النظام السابق في 2011".

واتهم الجندي حزب التجمع اليمني للإصلاح بالاستفراد بأنشطة الساحة "بما يخدم سياساته". ويتابع: "أصبحنا كشباب ثورة، إذا ما أردنا ممارسة الفعل الثوري أو التظاهر في تعز، نتوجه إلى شارع جمال وسط المدينة بعيدًا عن الساحة التي لم تعد ملكنا كثوار".

وعلق بهذا الخصوص أيضًا المذيع في إذاعة "وطني إف إم"، المعتصم الجلال، قائلًا بأن "ساحة الحرية في مدينة تعز نالت شهرتها من كونها المكان الأول الذي انطلقت منه شرارة الاحتجاجات ضد نظام الرئيس السابق صالح، لكن وبعد عشر سنوات لم يعد لها أية أهمية لدى الكثيرين، مؤكدًا بأن دورها الرئيسي بات يقتصر على إطلاق الرسائل السياسية فقط من على منصتها، وأن الفعل الثوري ضد الفساد الحالي، بات يحدث من قلة مستقلة تتوق للتغيير.

ويظل الجدل قائمًا حول جدوى استمرارية ساحة الحرية حاليًّا ورمزيتها المرتبطة بفترة مهمة من تاريخ المدينة واليمن عمومًا، كما يظل من المهم تسليط الضوء على مثل هكذا جدل في الذكرى العاشرة لثورة الحادي عشر من فبراير، التي تشكل "ساحة الحرية" أحد فصولها الرئيسية.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English