عوامل التعرية والحرب "تنخل" معالم تعز

متحف المدينة الوطني مهدد بالانهيار
شهاب العفيف
October 9, 2020

عوامل التعرية والحرب "تنخل" معالم تعز

متحف المدينة الوطني مهدد بالانهيار
شهاب العفيف
October 9, 2020
© البراء منصور

  تمر المَعالم الأثرية بمحافظة تعز بمنعطف خطير وسيّئ، نتيجة لما تشهده المحافظة من حربٍ منذ ست سنوات، ناهيك عن عوامل التعرية التي نخلت في بدن المَعلَم الأثري عبر عشرات السنين.

    إضافة إلى الأضرار السلبية الناتجة عن غزارة الأمطار والسيول في هذا العام، ولم تكن الضربات الجوية التي شهدتها تعز لطيران التحالف "السعودية والإمارات"، ببعيدةٍ عن المشاركة في أضرار هذه المَعالم، وأيضًا القصف المدفعي من قبل القوات العسكرية التابعة لسلطة أنصار الله (الحوثيين) على أحياء المدينة، وإن لم تأتِ هذه الأضرار بشكل مباشر على المَعلم الأثري، لكنها تعمل على اهتزازات تؤدي إلى زيادة التشققات، التي تتسبب في انهيار كامل أو جزئي لبعض المَعالم الأثرية.

    وفي منتصف شهر سبتمبر/ أيلول المنصرم، كان للمتحف الوطني بتعز نصيبٌ من الانهيار، حيث سقطت البوابة الرئيسية الثانية للمتحف، بعد أن ظلت متماسكة لمئات السنين.

    يعد المتحف الوطني بتعز من أقدم المَعالم الأثرية فيها، فقد بدأ تأسيسه في عهد العثمانيين، وكان عبارة عن حامية عسكرية للدولة، وأسموه (جراش الدبابات)، وكمستشفى عسكري لهم، وفي عهد الإمام يحيى حميد الدين تم بناء الدور الثاني من المتحف، الذي اتخذه فيما بعد الإمام أحمد مقرًّا لإقامته واستكمال بناء بقية "طوابق" المبنى.

نحو 15 مَعلمًا أثريًّا تضرر خلال السنوات الأخيرة في مدينة تعز، فضلًا عن بعض المعالم الأثرية التي تنتشر في عموم مديريات المحافظة، التي تعرضت للعبث والتخريب من قبل مواطنين، والسطو عليها من متنفذين

    رمزي الدميني مدير إدارة المتاحف بتعز، يوضح لـ"خيوط" أن سبب انهيار بوابة المتحف مؤخرًا، يعود للإهمال الذي طاله من قبل شعبة عسكرية بمحور تعز التابع للحكومة المعترف بها دوليًّا، تمركزت في هذا المكان، إذ كانت هذه البوابة وما تحويه من مبانٍ فوقها وخلفها تُستخدم من قبل الشعبة، وعند زيادة تشققها أخلوا المكان.

إهمال ومعالم مدمرة 

    رغم المطالبة المتكررة من قبل الهيئة العامة للآثار بتعز للسلطة المحلية في المدينة التابعة للحكومة المعترف بها دوليًّا، لدعمها وتمويلها لتتمكن من ترميم ما خلفته الحرب وما أكلته السنين من جدران مجمع مباني المتحف بمنطقة العرضي شرق المدينة، إلا أن انعدام الإمكانيات هو الردّ الذي يأتي من قبلهم على هذه المطالبات كما يقول لـ"خيوط" عبدالقدوس أسحم، مدير الهيئة العامة للآثار والمتاحف بتعز.

    يضيف أسحم في حديثه أنه تم ترميم المبنى الرئيسي للمتحف الوطني من خارجه كمرحلة أولى، في العام 2019، وذلك بدعم وتمويل من الصندوق العالمي للآثار WMF بمنحة من المجلس البريطاني، إضافة إلى أن الهيئة ما تزال في تواصل مستمر معهم لاستكمال المرحلة الثانية للمتحف، وهي ترميمه من الداخل، وجميع مرفقاته من المباني المجاورة للقصر الذي يسمى حاليًّا "الموروث الشعبي"، حيث إنه دُمّر بشكل كبير نتيجة سقوط إحدى القذائف المدفعية فيه خلال فترة الحرب.

    كما تسببت الحرب في أضرار بالغة طالت غالبية المواقع والمعالم الأثرية بشكلٍ عام أو جزئي، خصوصًا في مركز المدينة.

انهيار البوابة الرئيسية الثانية للمتحف الوطني - تعز

    في السياق، يقول أحمد جسار مدير إدارة الآثار بتعز لـ"خيوط"، إن 15 مَعلمًا أثريًّا تضرر خلال السنوات الأخيرة في مدينة تعز. فضلًا عن بعض المعالم الأثرية، التي تنتشر في عموم مديريات المحافظة، التي تعرضت للعبث والتخريب من قبل مواطنين، والسطو عليها من متنفذين. 

    ويتابع جسار أن هناك أعمال "نبش" للقبور وحفر للمواقع والتقاط القطع الأثرية من باطن المواقع، منها قلعة القاهرة، وقبة عبدالهادي، وقبة استراحة الملك المؤيد خلف قلعة القاهرة، كما أن في المدينة القديمة تم السطو على محرم قبة الحسينية، ومحرم باب موسى الأثري، وحصن القِدم بمديرية المعافر، وفي قدس بمديرية المواسط تم نبش بعض المواقع الأثرية وأخذ قطع أثرية تعود لآلاف السنين. 

   وهناك آثار تم تدميرها تعمدًا من قبل أشخاص وجماعات، من خلال حفر واستخراج مقابر الأطاطين بالأيوب والملك المظفر من المدرسة الأتابكية.

    ويَرجع سبب هبوط بوابة المتحف للإهمال التي تعرضت له من قبل قوة عسكرية تابعة للحكومة المعترف بها دوليًّا، التي اتخذت من مبانيها مقرًّا لها، دون أن تعمل على ترميمها. 

    ويضيف جسار قائلًا: "منذ عشرات السنين لم تُقَم أي مسوحات أثرية في محافظة تعز. المعالم البارزة أو المواقع المشهورة هي التي لدينا إحصائيات بها، وأن هناك مواقع أثرية لم تُكتشف بعد"، كما يناشد المنظمات المعنية في الآثار، مثل اليونسكو أن يقدموا الدعم لاستكمال تجهيز المتحف الوطني وملحقاته من المباني شبه المدمرة.

قطع أثرية مخفيّة ومهرّبة 

    هناك قطع أُتلفت وقطع أُخفيت وقطع هُرّبت إلى خارج اليمن خلال فترة الحرب، كما تم استرجاع بعض القطع من الأسواق ومن أشخاص، كما يؤكد المسؤولون المعنيون في تعز.

    وفيما يؤكد جسار أنه تم جرد وحصر القطع الأثرية التي تم استرجاعها مؤخرًا، وتم التحفظ على تلك القطع وتخزينها في أماكن آمنة إلى أن يتم استكمال ترميم المتحف، ينوّه مدير إدارة المتاحف بتعز رمزي الدميني، بأنه ما يزال هناك قطع أثرية يمكن أن تفتح متحفين لا متحفًا واحدًا.

    وتعتزم الهيئة العامة للآثار والمتاحف في تعز إعدادَ خطة شاملة لترميم جميع مباني المتحف خلال السنوات القادمة، والعمل على إنهاء هذا الترميم في عام 2025، وذلك لافتتاح كافة المجمع المتحفي للزيارة أمام جميع المواطنين والسيّاح، حيث كان المتحف الوطني قد أُغلق في عام 2009، بغرض الترميم، إذ إن هناك عديد من القطع الأثرية التي تم تخزينها منذ فترة التوقف ولم تُعرض حتى اليوم.

    طالب الدميني المواطنين في محافظة تعز بأن يحافظوا على تراثهم الثقافي، وإذا كان هناك قطع أثرية تم العثور عليها في أي موقع أثري، يتم توجههم بها إلى الهيئة العامة للآثار وسيحصلون على مكافأة مالية نتيجة قيامهم بذلك، كما طالب الدارسين والباحثين والمختصين في مجال البحث بعمل دراسات لكافة المواقع التاريخية والأثرية في محافظة تعز، لإظهارها بنمطها التاريخي الأصيل.

تنوع الأنماط المعمارية

    عند تأسيس المتحف الوطني في تعز بعهد العثمانيين، بنوا الطابق الأول من الأحجار، فيما بُني الطابق الثاني في عهد الإمام يحيى مؤسس الدولة المتوكلية في اليمن، والطابق الثالث والرابع بعهد الإمام أحمد يحيى، وتم بناؤه من الياجور - يصنع من الطين ثم يُحرّق - ويعتبر أول نمط صنعاني يُنقل إلى تعز، بحسب الدميني، كما يتميز المتحف بالقمريات الملونة والمشربيات الخشبية المزخرفة، والزخارف ذات اللون الأبيض (الجصّ)، التي تحيط بجداره من الخارج، وأيضًا الأبواب المنحوتة، ويحتوي المتحف على 45 غرفة، وتمتاز هذه الغرف بالبرودة في موسم الحر.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English