سقطرى، الأرض في حبة رمل والسماء في زهرة برية

ثمانية أيام من الدهشة في أجمل الجزر اليمنية
ياسمين الورّاق
April 23, 2021

سقطرى، الأرض في حبة رمل والسماء في زهرة برية

ثمانية أيام من الدهشة في أجمل الجزر اليمنية
ياسمين الورّاق
April 23, 2021

ستة أشخاص عن شِمالي يلعبون كرة الطائرة، وفتاة إلى اتجاه الجنوب تلتقط بعض الصور الاحترافية بكاميرتها ذات العدسة الطويلة. 

وهناك في أقصى اليمين عريسان يهيمان بسعادة بداية شهر العسل في هذه الجزيرة. أما خلفي غربًا فاثنان أعتقد أنهما كانا يتحدثان عن موضوع جدالي شائك، فلقد بدا لي استياء في وجهيهما، لم أجده إلا بمن يفعلون ذلك.

وأنا هنا، بالمنتصف بالنسبة لهذه الصورة، أحاول أن أعكس منظرًا معينًا في عقلي إلى كلمات. وجدت أنني أوهم نفسي بفكرة الاستماع إلى أفكاري ومناقشتها ومعرفة ما الذي سيجدي نفعًا منها، عندما سرحت بالنظر إلى ما حولي ثم راودتني الفكرة الأولى التي عقدت نية السفر لأجلها؛ أن أذهب إلى الجزيرة لأبحث عن أمرٍ ما بنفسي، لم أكن لأجده في ضجيج المدينة التي أسكن فيها، ولكني وجدت أن كل ما في عقلي بدا واضحًا هنا. لقد أثّر فيني صفاء الجزيرة حتى شعرت أنني أمتلك الكون في كفتي ويمكنني رؤية كل عالمي أمام ناظري. 

هنا في جزيرة سقطرى، اليوم هو الأربعاء 27 يناير/ كانون الثاني 2021، أرى القمر يحدق بي قبل غروب الشمس، أصوات الأمواج ممزوجة بصوت اصطدام الكرة تقرع في عقلي وكأنها تنوي إيقاظ كل فكرة وكل ذكرى عفا عليها الزمان. 

رفعت نظري لكي أسترق لقطات أخيرة للبحر قبل غروب كلي للشمس، لم ترَ عيناي قط هذا الجمال. أتى الموج بلون أبيض وخلفية خضراء فاتحة، تتلوها درجة غامقة من الفيروزي ثم من بعيد هناك لون البحر الأزرق الأخاذ. إنني أحاول جاهدة وصف الصورة فلم أعتقد يومًا أن هذه الألوان سوف تكون مزيجًا جذابًا كهذا.

يأخذك بياض آسر في هذه الجزيرة إلى اللاشيء، وما أقصده هنا باللاشيء هو الهدوء النفسي الذي لا يعج بالأفكار. في زحمة أفكار المدن السابقة التي زرتها، افتقدت للهدوء كثيرًا، ذلك الهدوء النابع من سكينة وروية أهل المدينة ذاتها، هنا وجدته بشكل كبير مع أهالي أهل سقطرى

توقفت قليلًا عن الكتابة لأرى الطيور تغادر الشاطئ بكل هدوء وكأنها أكملت مهمتها ليومنا هذا وعادت سالمة إلى مرقدها، هل تشعر الطيور بجمال هذه الجنة التي يسكنوها؟ وهل تمنت لنا الطيور يومًا زيارتها لنُسلب بجزيرتها ذات الجمال اللامتناهي! 

قبل ستة أيام قررت القيام بهذه الرحلة، بعد أن تحركت يوم الجمعة الماضية بنية أخذ إجازة والابتعاد عن كل ما يشوش التفكير ويفقد المرء التوازن. 

استشعار عظمة المكان

في بداية اليوم الأول كان الطريق لطيفًا وممتعًا ولم أشعر بأي شيء قد يعكر المزاج حتى اللحظات الأخيرة، حينها حدثت بعض الأمور الخارجة عن سيطرتنا في المدينة الأولى التي أردنا زيارتها.

تلك الأحداث التي لربما حدثت للكثير قبلنا وبعدنا، جعلتني أشعر بالحسرة من الوضع القائم. إنني كإنسانة طبيعية كنت وما زلت أبحث عن حياة كريمة، كأن أتنقل بين محافظات دولتي التي أنتمي إليها دون أن يوقفني أحد ليسألني عن أسباب دخولي إلى هذه المدينة. أن يتم توجيهي بركن سيارتي على جانب الطريق في حدود مدينة مأرب لمدة من الوقت ويرفض أفراد الشرطة المسؤولين عن التفتيش هناك أن أواصل المسير إلا بعد أن أقنعه بأن أحدًا ما ينتظر وصولي في إحدى المناطق المعروفة داخل المدينة، هذا بالطبع بعد أن يصلهم اتصال فعلي من شخص معروف في المدينة. وهكذا يستمر الحال في أكثر من ثلاث نقاط تفتيش إلى أن أصل إلى الفندق الذي سأبيت فيه ليلة واحدة فقط. 

تلك كانت أولى الأحداث التي حركت في أعماقي مشاعر غريبة لم تكن مفهومة بشكل كامل، ولكن رغم كل هذا كان لنا نصيب جميل من رؤية معبد الشمس (عرش بلقيس) وقت الغروب. استشعرنا فيه عظمة المكان الذي روت عنه الأساطير، أكبر معبد من معابد الحضارات اليمنية القديمة، والذي يعدّ من عجائب الدنيا؛ كونه التاريخ الموثق والحضارة العظيمة التي تحدثت عنها الكتب السماوية وذكرها المؤرخون كأعظم الحضارات الإنسانية في التاريخ القديم! 

الشمس في مدينة مأرب

توجهنا في اليوم التالي إلى الوادي الأخضر (وادي دوعن العظيم)، جمال الطبيعة في هذا الوادي واضحة وجلية لكل زائر، من حسن حظ سكان وادي دوعن أن هدوء المنطقة بشكل عام يجعل النفس تسمو إلى السكون ببساطة، ويمكنها من الاستمتاع بأوقات تأمل مختلفة عن الأماكن الأخرى. 

احدى حارات مدينة شبام حضرموت

شددنا الرحال لنحظى بـ(ليالي الأنس) في وسط سيئون العريقة، حيث تساءلت في الوهلة الأولى لدخولي للمدينة، كيف سيبدو صوت تفاعل الأرض مع قاطنيها هنا؟ 

نادتني سيئون فأرهفت السمع، علني أتمكن من الإصغاء لصوتها العميق وحكاياتها القديمة، فلم أستطع سماع صوت واحد بل أطربتني أصوات عديدة للزمان والمكان والإنسان. هناك سر خلف هذه الثقافة الفرائحية الملونة في مدينة سيئون. ينعكس ذلك على مناظر المنازل والقصور المنتشرة في مختلف مناطق المدينة، المنازل ذات الألوان الباهية والقصور ذات الأشكال المختلفة التي لم نرَ مثلها في المدن الأخرى. يمكنني القول إنها مدينة الفن بلا منازع.

قصر الحوطة في سيئون

في اليوم التالي، تركنا مدينة سيئون متجهين إلى سقطرى. وهنا بدأت قصتنا في قضاء اللحظات السعيدة وتحويلها الى ذكريات تحمل مشاعر جلية. 

في الليلة الأولى، وفي لحظة تأملي في نقاء السماء، لفتني لمعان القمر المكتمل على لوحة زجاجية شفافة اسمها البحر العربي، وأظن أنه كان سببًا لأن تتدفق بداخلي الرغبة بالكتابة. شعرت أنه من الضروري أن أقوم بتدوين هذه الذكريات بكلمات علني أستطيع استحضارها مستقبلًا مع بعض الصور التي تجلب لي نفس المشاعر. 

يأخذك بياض آسر في هذه الجزيرة إلى اللاشيء، وما أقصده هنا باللاشيء هو الهدوء النفسي الذي لا يعج بالأفكار. في زحمة أفكار المدن السابقة التي زرتها، افتقدت للهدوء كثيرًا، ذلك الهدوء النابع من سكينة وروية أهل المدينة ذاتها، هنا وجدته بشكل كبير مع أهالي أهل سقطرى. أنا كثيرة التفكير في معظم الأمور ربما ذلك ما جعلني أفتقد شعور الهدوء الذي وجدته في الجزيرة على هذه الرمال البيضاء.

استحضرتني حينها عبارة قيلت لي مسبقًا "إذا أردت أن تقيس حجم المغامرة وعمق قيمة الاكتشاف في حياة الناس اسألهم كم مرة في الشهر أو العام، يزورون مدنًا جديدة، يقدمون على تجارب فريدة، يجالسون أشخاصًا مختلفين، ويشقون طرقًا ومسارات غير مألوفة قبل أن تكبر كرة ثلج الروتين وتبدأ بالتهام كل التجارب وتحولها إلى مساحات آمنة ودوائر مريحة، خالية من الدهشة ومفرغة من لذة الاكتشاف". 

ثمانية أيام شعرت فيها بالدهشة، وتلذذت بالاكتشافات غير الاعتيادية، ذلك الشعور الذي يدفعنا إلى المرور بجانب الأشياء المعتادة بتقدير عميق. زرقة السماء، خضرة الشجر، صوت البحر، كوب الشاي، ضحكة الأطفال، شعور الارتواء بعد العطش، نشوة الامتلاء بعد الشوق، ولذة الغنيمة بعد التعب، وقوة إصرار الناس التي تراها في سرعة تسلقهم للجبال. ثمانية أيام تنقلنا فيها من وضوح لون الرمال البيضاء الناصعة إلى ظلام الكهف الدامس في أعلى الجبل. من عراقة وقدم أشجار دم الأخوين الفريدة والنادرة إلى مسبح مطل على البحر العربي في منطقة يشوبها الهدوء والرقي. من وادي يحمل صدى صوت ارتطام الماء على الحجارة إلى وادٍ آخر محاط بأحجار الجرانيت البيضاء، يرسم لوحة فنية ممزوجة بين الأبيض والأخضر. من أعلى قمة في الجزيرة حيث يحمل صدى الجبال أناشيد الرعاة، ويتداخل هزيم المطر مع أهازيج السمر ويراقص حفيف طحن الحبوب حناجر نساء القرية هناك في المكان الذي ترى فيه النجوم ليلًا بوضوح لم ترَ مثيل له من قبل أبدًا، إلى رحلة بالقارب تأخذك إلى شاطئ لا يشبه شيئًا في الصفاء، وبحر من شدة وضوحه يمكنك رؤية ظل القارب في عمقه. 

ساحل في جزيرة سقطرى

قاطني الجزيرة

قالتها إحدى رفيقاتي بالسفر: "كلما ابتعدت عن البيئة المعتادة لك، تغيرت طريقة تفكيرك ونظرتك للأمور". للمسافات دورها الفعال بالتأثير علينا، أذكرها هنا بشكل إيجابي بحت، فابتعاد المناطق السياحية ذات المناظر الخلابة عن المدينة جعلها أكثر هدوءًا وسحرًا، وابتعادنا عن المدن التي نسكن فيها جعلنا نميز في حواسنا المقدرة على استخدامها بوضوح تام. لا تسمع هنا سوى أصوات العصافير ممزوجةً بالضحكات بعد سماع بعض النكات القديمة التي اعتدنا على سماعها، لكن الوضع هنا جعلها لطيفةً لنضحك بسببها مجددًا. 

أما عن قاطني وسكان هذه الجزيرة، فسأستشهد بمقولة أحد علماء الاجتماع الذي قال: "صفوا لي طبيعة أرض، أصف لكم طبيعة سكانها".

يمتلك سكان هذه الجزيرة ضياء، نوره لا يقل ولا يتضاءل، مرتبط في أرواحهم منبثق من أعماق الطبيعة، وفي نفوسهم دهشة وانبهار بالأرض التي يعيشون فيها وتعيش في قلوبهم. بدا لنا كل هذا كلما تحدثوا عن مختلف الأماكن التي يجب علينا أن نزورها. ابتسامتهم توحي لنا في كل موقف أن السعادة هنا ليست فقط حالة عامة، بل لحظات خاطفة رغم بساطتها. 

 نعم، شددت الرحال إلى جنوب اليمن بحثًا عما يشبع داخلي شغف الاستمتاع، فعدت مشبعة الحواس جميعها بكل ما يثير الدهشة ويبعث على الحياة، مرفوعة الرأس بوطن غزير عميق وملون مفطون على الفن والحلم والفرح. طرقت بابًا واحدًا ووجدت بيوتًا مشرعة لاستقبالي، ونزلت منزلًا فاحتوتني عشرات المنازل، وسعيت خلف حكاية فنبتت في طريقي الحكايات، وعدت ممتنة لكل تلك الأشياء التي تجمع جهاتنا جنوبًا وشمالًا، شرقًا وغربًا من سحر القصص وعمق الحضارة وجود المكان والإنسان.


•••
ياسمين الورّاق

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English