السودان؛ الانتفاضة والتغيير

في خطورة استحواذ العسكر على ثورة الشعب
عبدالباري طاهر
July 14, 2021

السودان؛ الانتفاضة والتغيير

في خطورة استحواذ العسكر على ثورة الشعب
عبدالباري طاهر
July 14, 2021

عام 1956، نال السودان الاستقلال بصورة سلمية، وكانت السلمية والديمقراطية الأساس الذي توافقت عليه القوى السياسية والمدنية الحديثة. الحزبان التقليديان: حزب الأمة (المهدية)، والاتحادي الديمقراطي (الختمية) كانا جزءًا أساسيًا من هذا المسار، وتحالفًا، وتصارعًا على الحكم في هذا المنحى.

العجز عن تحقيق الحد الأدنى من المطالب الشعبية، والإخفاق في حل الأزمات الشاملة المتعلقة بالحياة المعيشية، والتراخي عن مشاريع التنمية والحريات والحداثة، وحلّ مشكلة القوميات والأعراق، وتصاعد الحرب في الجنوب- هي كعب أخيل.

تَعَنُّت الحكم في الشمال، وتدخّل أمريكا وإسرائيل، ومجلس الكنائس العالمي، وبعض دول الجوار- أدى إلى تصاعد الحرب؛ ما مكن إبراهيم عبّود من الانقلاب على الحكم عام 1958.

اعتُبرَ انقلاب عبود ضدًّا على الديمقراطية، والحريات العامة، لتأسيس دكتاتورية؛ وهذا ما أكدته طبيعة حكمه.

تسوء الأحوال المعيشية أكثر، ويجري التضييق على الحريات، ويتسع نطاق الحرب في الجنوب، ويرد الشعب السوداني بالانتفاضة الأشهَر في التاريخ: انتفاضة أكتوبر 1964، وتكون مشاركة قوى الحداثة والحزب الشيوعي فيها فاعلة وحية.

انتفاضة أكتوبر أبرزت السمة الأساسية للصراع في السودان، والذي بدأ منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وتجلّى في مؤتمر الخريجين 1938.

أصبح النضال من أجل الحريات الديمقراطية، والحقوق الأساسية- كما يرى محمد إبراهيم نُقُد- الأمين العام للحزب الشيوعي السوداني- هو الجذر الأساس، وقد ظهر من خلال تكوين الأحزاب، والحركة النقابية، ومنظمات المرأة والشباب، والمزارعين؛ ليتجسد الصراع بين القوى التقليدية الرأسمالية وشبه الإقطاع، وبين قوى التمدن والديمقراطية والحداثة.

تبنت الأحزاب والقوى المدنية الانتفاضةَ والديمقراطية والتغيير كطريق للمعارضة، وأسلوب للحكم.

كانت الانقلابات منذ عبود 1958، وحتى انقلاب البرهان وحميدتي 2019، وقبله انقلاب النميري والبشير، وانقلابات أخرى فاشلة- من نصيب القوى التقليدية، ومعها الجبهة الإسلامية القومية؛ في حين كانت الانتفاضات الكاثرة من صنع قوى التمدن والديمقراطية والحداثة؛ فما إن ينتفض الشعب السوداني؛ حتى تبدأ قوى الثورة المضادة في الانقلاب على انتفاضته، أو الارتداد عنها.

في العام 2013، تكوّن تجمّع المهنيين السودانيين عقب مظاهرات صاخبة ضد حكم البشير، ورغم قمع الاحتجاجات المدنية والسلمية، إلا أن التجمّع المهني ظل ينشط بعيدًا عن أعين سلطة البشير.

الانتفاضة العارمة تجددت في ديسمبر 2018، وقد تواصل مدُّها رغم القمع الشنيع لعسكر البشير، ومليشيات الجنجويد- الذراع المسلح للبشير.

الانتفاضة الآن لا تزال جذوتها مشتعلة في السودان، ونقطة الضعف الخطيرة مِنْ قِبَل بعض أعضاء تجمّع المهنيين (إعلان الحرية والتغيير)، الاتفاق مع البرهان وحميدتي على تقاسم الحكم

عَجْزُ الجيش، وأجهزةُ الأمن الفاشية، ومليشيات التدخل السريع عن قمع الاحتجاجات الشعبية الواسعة التي أمر بها البشير، أدى بهذه القوى إلى الانقلاب عليه، بعد أن طلب منها المستحيل؛ وهو إبادة المحتجين بما يشبه الفتوى الدينية!

انقلابهم عليه مثّل تكتيكيًّا الخلاص من رأس الحكم، ولكنه في العمق، الإبقاء على طبيعة الوضع، وبقاء أهم أدوات القمع الذي صنعته الجبهة القومية الإسلامية التي انقلب عليها البشير، مع الإبقاء على طبيعة النظام برمته.

كانت المطالب الأساسية للمحتجين، وهم غالبية الشعب السوداني، والمعبرون عن إرادته: تجمّع المهنيين– تتجلى في:

  1.  تنحي البشير ونظامه بدون قيد أو شرط.
  2. تشكيل حكومة انتقالية قومية، وكفاءات وطنية يتوافق عليها أطياف الشعب السوداني تحكم لأربع سنوات.
  3. وقف الحرب في جميع مناطق السودان بمخاطبة جذور المشكلة السودانية، ومعالجة آثارها.
  4.  إعادة جميع النازحين واللاجئين طوعيًّا إلى مناطقهم الأصلية، والتعويض العادل والناجز للمتضررين، ومعالجة مشاكل الأراضي مع المحافظة على الحواكير التاريخية (المراهِق).

انقلَبَ البرهان، وقائد الجنجويد حميدتي المساءلان عن جرائم الحرب في درافور؛ ليصبحا نظريًا نصف الحكم، وعمليًا الطرف الأقوى، وخلال العامين المنصرمين صارا المهيمنَين على القرار السياسي، ولا تزال مليشياتهم حتى الساعة في ليبيا، والسعودية، واليمن محميّة، ويقاتلون كمرتزقة، ويواجهون المحتجين المطالبين بالإصلاحات، وعقاب قتلة المحتجين، وبالخبز، والكهرباء، والماء، بالقمع والإرهاب.

الانتفاضة الآن لا تزال جذوتها مشتعلة، ونقطة الضعف الخطيرة مِنْ قِبَل بعض أعضاء تجمّع المهنيين (إعلان الحرية والتغيير)، الاتفاق مع البرهان وحميدتي على تقاسم الحكم، وهو ما رفضه تجمّع المهنيين؛ وأخطر ما في الوضع الحالي هو تسيّد عسكر ومليشيات النميري والترابي والبشير، وهم الحريصون على بقاء أوضاع السودان كما هي، ويُمعنون في قتل المحتجين؛ ليستمر حكم الفساد والاستبداد؛ ويفلت قادة الجيش والجنجويد من جرائم الحروب التي شنّوها على الشعب السوداني، خصوصًا في دارفور، والنيل الأزرق، والنوبة.

تتحدث وكالات الأنباء عن خروج مجموعة من"إعلان الحرية والتغيير"، وهم: "نداء السودان" المكوّن من حزب الأمة القومي (الصادق المهدي)، وحزب المؤتمر السوداني (عمر يوسف الدقير)، والحركة الشعبية في الشمال (مالك عقار)، وحركة تحرير السودان (عبدالواحد محمد نور)، وحركة العدل والمساواة (جبريل إبراهيم)، ومبادرة التجمع المدني (أمين مكي مدني)، إلى جانب قوى أخرى.

يترافق خروج هذه المجموعة القوية الكبيرة مع تصاعد الاحتجاجات المطالبة بتحسين مستوى المعيشة، والرافضة لرفع الدعم عن المشتقات النفطية البالغة مستويات قياسية، مع انهيار كبير للعملة؛ لتطالب بتقديم قتلة المحتجين السلميين للعدالة كأحد أهم مطالب الانتفاضة الشعبية، ومساءلة مقترفي جرائم الحروب في دارفور، ومناطق أخرى، وعدم سيطرة العسكر على الحكم.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English