سبتمبر الثورة والجمهورية

لا يمكن إلغاؤها
عبدالرحمن بجاش
October 7, 2022

سبتمبر الثورة والجمهورية

لا يمكن إلغاؤها
عبدالرحمن بجاش
October 7, 2022

احتفل الناس هذا العام ببلوغ ثورتهم عامَها الستين بصورة مختلفة عن كل عام، والسبب الأساس أنّ خطابًا تتشكّل معالمه، وممارسة في الواقع، يعملان بكل ما يستطيعان عليه لإلغائها.

أي ثورة تمثّل قناعة الناس من الطرف للطرف، لا يمكن إلغاؤها، بدليل أنّ من يسعى لإلغائها يحاول إعادة الزمن الذي كان قبل 1400 عام. نحن جيل الثورة نقبل ذلك الزمن ولكن بشروط زمن الذكاء الاصطناعي، وليس زمن الإبل وللكعبة رب يحميها. هنا من يقول إنّ فعلًا يخص فئة في المجتمع، يصحح مسار ثورة.

الثورة فعل جمعي، تعبيرًا عن قناعة شعب، وأي فعل لأي فئة أو طائفة أو مذهب، فيخص أصحابه؛ لأن لا رؤية وطنية تحكمه وتقود هداه إلى الأمام.

إذا أغلقنا عيوننا عن قواعد علمية متعارف عليها وقلنا لنرَ ما عندهم، فماذا نرى وقد خرج من الجعبة؛ خطاب يرتفع بثورة سبتمبر إلى السماء ويقول إنّها الثورة الأم ويذهب للحديث عن فضائلها، نحن معه. 

خطاب لا يكاد أثر الأول ينتهي إلا وقد ذهب بنا إلى زاوية معتمة تقسم البلد إلى أقسام، وهنا الغرض معروف، خطاب يقول بأن "ثورة سبتمبر ثورة زيدية"، يكون السؤال: لماذا محاولة طمسها؟! على أنّ القول السديد لا يمكن أن يسمح بالإساءة للمذهب الزيدي المحترم، ولذلك يكون القول الصحيح إنّ ثورة 26 سبتمبر 62 ثورةُ كلِّ اليمنيين، تعبيرًا عن قناعة كل اليمنيين بضرورة التغيير القصوى.

إن خطابًا آخر لا يأبه لمعظم فئات الشعب اليمني، يؤسس لصراع لن يُبقي ولن يَذَر، شعب يواجه شعبًا لمجرد أنّ نظرة فردية ترى في قناعة الناس خروجًا حتى عن الدين، الذي يُكيّف حسب الأهواء.

لا نريد هنا أن نكرر الخطأ بالشتائم لعهد ما قبل الثورة، بل نقول إنّ الثورة قامت ضد أوضاعٍ وصلت بالشعب اليمني إلى ما قبل الحضيض، ومن لا يزال في رأسه شك فليُعِد قراءة الأنة الأولى للنعمان والموجهة إلى الحاكم، ويرى ويحكم.

أن تقول بتصحيح مسار الثورة وتعتبر أنّ نضال اليمنيين طوال سبع سنوات ضد محاولة العودة إلى المأساة يسمونها "حربًا أهلية"، نقول وبالمنطق والعقل: لا، بل دفاعٌ عن الثورة والجمهورية في وجه الملكيين، ومن دعمهم السعودية.

إنّ محاولة الدخول إلى صفحات التاريخ من باب الكراهية والتجريف لن يؤدي إلا إلى ثورة مثل ثورة سبتمبر العظيمة لإعادة المسار إلى طريقه.

هالني ما رأيته في كتاب "التربية الوطنية" للصف الثامن، هالني إنكارُ كل شيء، فإذا كان القائمون على ما يسمى إعادة تصحيح المناهج يقولون بالتصحيح، فكيف يتحول الإلغاء إلى تصحيح؟! ومضحكة هي المقدمة المفتتح بها الكتاب حين تتحدث عن التغيير، وتغفل ثورةً هم بفضلها دخلوا المدارس وتعلّموا، لكنهم لم يجيدوا التعلم، فقد درسوا صفحة واحدة وأغلقوا بقية الكتاب، أما التربية الدينية فلا حول ولا قوة إلا بالله، وأن يؤتى بشاعر عمره من عمر الفعل الأخير إن كان فعلًا.

إنّ خطابًا آخر لا يأبه لمعظم فئات الشعب اليمني، يؤسسُ لصراع لن يُبقي ولن يذَر، شعب يواجه شعبًا لمجرد أنّ نظرة فردية ترى في قناعة الناس خروجًا حتى عن الدين الذي يُكيّف حسب الأهواء.

لقد وضعت يدي على قلبي والخطيب عبر إذاعة محلية في حفل ذكرى وفاة الإمام زيد (عليه السلام) وهو يردد: "من كان منكم زيديًّا"، وبقية الشعب اليمني الذي تتحدثون عنه ليل نهار، أين ذهب؟! هل يراد من الآخر أن ينبري ويقول: "من كان منكم شافعيًّا"؟! حذارِ حذار.

لقد وضعت يدي على قلبي يوم أن كتب زميلُ مهنةٍ يبشر بالجمهورية المتوكلية، ووضعتها على قلبي وذلك الخطيب يقول إنّ 60 عامًا كلّها كذب. نفس منطق بعض الجمهوريين في إنكار أنّ حياة قبل الثورة لم تكن موجودة. أقول كانت هناك حياة قاسية إلى درجة الجنون، صدقوني، إنّ ثورة سبتمبر لا يمكن إلغاؤها فقد ترسخت في أذهان أجيال، وللجميع مثَل ونموذج احتفالات الناس العفوية وبالذات فئة الشباب، وخذوا إذا أردتم نموذجًا حيًّا لصعوبة إلغاء ما ترسخ، فكلما مرّ الوقت وزادت محاولات دفن عبدالناصر زادت شعبيته اشتعالًا، والذين يفكّرون ويعملون من أجل إلغاء سبتمبر الثورة والاحتفال، والاحتفاء بثورة أكتوبر، يصح القول إنّها ثورة يمنية لا يمكن تجزئتها؛ سبتمبر رسخها نصر السبعين، أكتوبر، 30 نوفمبر 67.

إنّ تصحيح المسار لكلِّ ما هو معوج يجب أن يقوم على الأخذ بعين الاعتبار قناعات كل الناس وصهرها في بوتقة واحدة تتحول إلى مشروع لليمنيين جميعًا باتجاه المستقبل، يقوم على الدستور والحرية والديمقراطية تحت سقف القانون، لا يعلَى يمنيّ على يمني ولا يلغي يمنيّ يمنيًّا، زيودًا وشوافع تحت مظلة أنّ الدين دين الجميع، وعلى حق الجميع، وأبو بكر وعمر للجميع…، وأنّ التدين علاقة بين الخالق والمخلوق بدون وساطة ولا إذن من أحد، صدّقوني من الآن، إنّ خطابًا يذهب بالناس إلى دائرتي نحن وأنتم بدلًا عن نحن لوحدها، هو خطابٌ مدمِّر يذهب بالجميع إلى أتون النار، أَلَا بلغت؟ غير ذلك، ونتيجة لهذا التجريف، فلنهيِّئ أنفسنا لصراعٍ لا يُبقِي ولا يَذَر.

•••
عبدالرحمن بجاش

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English