سيئون... مدينة التاريخ وسلطانة الملاذ الروحي

عاصمة الدولة الكثيرية الساحرة
خيوط
November 12, 2021

سيئون... مدينة التاريخ وسلطانة الملاذ الروحي

عاصمة الدولة الكثيرية الساحرة
خيوط
November 12, 2021

مدينة سيئون- عاصمة وادي حضرموت، تقع في الجانب الغربي للوادي، وتبعد عن مدينة شبام 12 ميلاً، وتبدأ من العقاد- الحد الغربي للوادي، وتبعد عن مدينة تريم 22 ميلاً. ربما أن أقدم ذكر لمدينة سيئون هو ما جاء في مطلع القرن الرابع الميلادي؛ حيث يذكر لنا النقش الموسوم بـ(Ir.37) الذي يعود إلى عهد الملك ذمار علي يهبر- ملك سبأ، وذي ريدان، وحضرموت، ويمنات الذي حكم في مطلع القرن الرابع الميلادي- أن قواتٍ سبئية اجتاحت وادي حضرموت، وحاصرت "شبام"، و"رطغتم"، و"سيئون"، و"مريمة"، ثم "عراهل"، و"تريم"، وقد هدمت ستين ألف عمود كانت تحمل العنب، ويعطينا هذا النقش معلومات هامة؛ إذ أن سيئون وفقًا لهذا النقش كانت قائمة في القرن الرابع الميلادي، وكانت لها أسوار وأبراج دفاعية؛ وهذا يجعلنا نقول: إنها موجودة قبل ذلك بعدة قرون.

بخصوص تهديم السبئيين لأعمدة العنب، فيؤكد أن منطقة حضرموت كانت تعيش في رخاء اقتصادي لانتشار زراعة العنب في مساحات واسعة في ظل ظروف مناخية متغيرة تمامًا عن ما هو سائد اليوم.

أما عن تاريخ مدينة سيئون في الفترة الإسلامية، فقد ظهرت كقرية في عهد الخلفاء الراشدين، وكانت تتبع إداريًا مدينة تريم، وظل الأمر كذلك إلى عهد الدولة الأموية، وفي سنة 129 هجرية تحولت إداريًا إلى تبعية مدينة شبام التي كانت حينها عاصمة للإباضيين، وهكذا ظلت تارة تابعة لشبام، وتارة تابعة لتريم، وكانت تقوم فيها في بعض السنين ثورات، حيث حكمها في سنة 593 هجرية بنو حارثة، ولكن لم تحتل مكانتها إلا في سنة 922 هجرية عندما أصبحت عاصمة للوادي في عهد السلطان بدر أبي طويرق 922 – 977 ه؛ حيث وجدت كوحدة إدارية، أبو بمعنى آخر سلطنة امتدت من عين بامعبد غربًا، إلى مدينة ظفار شرقًا.

في عهد السلطان منصور بن غالب الكثيري بدأ تحرش القبائل المجاورة بالمدينة؛ ما اضطر السلطان إلى اختطاط سور ليحمي المدينة، وجعل لهذا السور ثلاث سُدَّات (بوابات)، كانت تغلق من مغيب الشمس حتى الصباح.

وفي القرن الثاني عشر الهجري تغلبت يافع على مدن حضرموت، واستولى آل كثير على سيئون، وقامت فيها الدولة الكثيرية، وأعلنت في 1273 ه عاصمة للدولة الكثيرية، وكان حصنها المعروف بحصن الدويل (قصر السلطان- قصر الثورة) مقرًا للسلطان الكثيري غالب بن محسن الكثيري، وبعد الاستقلال من الاستعمار البريطاني انتهت الدولة الكثيرية، وأصبحت مدينة سيئون عاصمة المديرية الشمالية في المحافظة الخامسة- حضرموت.

تطورها المعماري

كانت سيئون في القرن السابع الهجري قرية صغيرة محصورة في ناحية شهارة- السحيل، ثم تطورت بعد ذلك لتشمل مبانٍ أخرى، وقد أقيم حولها سور في عهد السلطان بدر أبي طويرق في سنة 922 ه، وكان يمتد السور من السحيل إلى ما بعد الحصن الدويل، فينعطف حتى يكون أمام المقبرة الحالية؛ فيتجه غربًا حتى الجبل القبلي، وكانت البوابة التي يطلق عليها باللهجة الحضرمية "السدة" القديمة في موضع المقهى المحاذي للتربة المقابل للصيدلة الوطنية حاليًا، وقد ظل هذا السور إلى سنة 1347 هجرية، أما بالنسبة للمباني، فقد كانت في القرن السابع الهجري محصورة في شهارة- السحيل حتى القرن الثامن الهجري، وقد خطت مقبرة المدينة في القرن السابع خارج المدينة في الناحية الشرقية، وفي القرن التاسع جاء العلامة طه بن عمر، ثم اقتطع الأرض إلى "جثمة"؛ ما يدل على أنه لا يوجد أية مبانٍ حتى جثمة، وكان العمران محصورًا في شهارة -السحيل، ثم في الوسط ساحة حنبل، أما في القرن العاشر الهجري؛ فقد تطورت المدينة على إثر اتخاذها عاصمة للسلطنة الكثيرية في عهد بدر أبو طويرق 922- 977، وفي سنة 1120 ه اختط على بن عبد الله السقاف قطعة أرض في الناحية القبلية، وبنى مسجدًا، وكانت أرضًا صحراء، وكان جامع المدينة في القرن العاشر الهجري هو مسجد عبد الله باكثير، لا تزيد مساحته عن 50 × 60 قدمًا، وتطور العمران في سنة 1310ه. 

اختطاط السور

في عهد السلطان منصور بن غالب الكثيري بدأ تحرش القبائل المجاورة بالمدينة؛ ما اضطر السلطان إلى اختطاط سور ليحمي المدينة، وابتدأ العمل فيه في سنة 1350 ه الموافق 1931 ه، وكانت بداية عمل السور من حصن الفلس في خط مستقيم حتى بير زويه، واتجه بعد ذلك إلى الغرب حتى مسجد الحداد، ثم انعطف إلى الجبل القبلي، وجعل لهذا السور ثلاث سُدَّات (بوابات)، كانت تغلق من مغيب الشمس حتى الصباح، ومواضع تلك البوابات، كالتالي:

  • البوابة الأولى: وهي البوابة الشرقية، وهي التي تقع عند بير زويه. 
  • البوابة الثانية: ويطلق عليها سدة كلابه، وكانت تقع في الموضع الذي يوجد فيه البريد والبرق، ومدرسة جبل الثورة. 
  • البوابة الثالثة: وهي البوابة القبلية الشمالية، وهي عند مسجد الحداد، وكانت تغلق تلك البوابات بواسطة أبواب في أواخر 1356ه.

ولمدينة سيئون معالم قديمة أبرزها الآتي: 

  • قارة العر، وفيها حصن قديم، ورد ذكره في عام 616 ه لدى المؤرخين، وهو أن السلطان عبد الله بن راشد القحطاني سجن وقتل فيه، ثم جدد هذا الحصن عام 855 ه في عهد السلطان بدر بن عبد الله بن علي الكثيري الذي اتخذه كسجن للسلاطين.
  • حصن الفلس: حصن قديم ورد ذكره في بادئ الأمر عند المؤرخين في عام 603 ه. 

وممن مميزات مدينة سيئون عن بقية مدن الوادي ما يلي:

  • موقعها يتوسط وادي حضرموت تقريبًا، وتقع بين مدينتي شبام وحضرموت.
  • تتمتع بمناخ معتدل؛ فجوها في ليالي الصيف يمتاز بالاعتدال.
  • اتساع مساحتها الجغرافية؛ لذلك تسمى بـ"الطويلة"؛ ما وفر لها إمكانية التوسع العمراني مستقبلاً.

وقد تحدث عن سيئون العلامة عبد الرحمن بن عبيد الله في كتابه "إدام القوت في ذكر بلدان حضرموت" فقال: " هي من البلدان القديمة نقل الشيخ المؤرخ سالم بن حميد: أن سيئون، وتريم، وشبام، وترييس، أبناء حضرموت، وأن هذه البلدان سميت بأسمائهم.:

كما نقل عن العلامة النسابة أبي الحسن أحمد بن إبراهيم الأشعري قوله: وذي أصبح وسيئون مدينتان عظيمتان لبني معاوية الأكرمين. كما نقل عن العلامة عمر بن عبد الرحمن عن والده أن سيئون اسم امرأة كان لها عريش في جانب سيئون الغربي المسمى اليوم بالسحيل يمر عليها أبناء السبيل المنقطعون فسميت باسمها البلاد.

وقال الأستاذ إبراهيم المقحفي في كتابه "معجم البلدان والقبائل اليمنية": "سيئون هي أكبر مدينة في وادي حضرموت تبعد شرقًا عن مدينة شبام بحوالي 18 كم، وعن مدينة تريم غربًا بنحو 34 كم. وسيئون قديمة البناء سكنتها قبائل كندة، ثم قبائل نهد وصارت من أرباض آل كثير منذ القرن العاشر الهجري وعاصمة دولتهم فيما بعد. وتسمى سيئون الطويلة؛ لأنها تمتد بشكل طولي؛ وذلك ما جعلها قابلة للتطور العمراني، ويحبط بالمدينة سور قديم من السحيل إلى ما بعد حصن الدويل، وله ثلاث بوابات، وفي مدينة سيئون العديد من القصور والقباب والمساجد التي تعتبر من المعالم الأثرية الإسلامية الجميلة، وأغلب أرضها موقوف على مساجدها التي لا تقل عن ثلاثمائة مسجد، ولذلك قصدها طلاب العلم للأخذ عن شيوخها كافة العلوم الشرعية وعلوم العربية". 

حوطة سلطانة.. الملاذ الروحي

هي قرية تقع شرق سيئون وتبعد عنها حوالي (8) كيلومتر، سميت باسم سلطانة بنت علي الزبيدية (780- 847هـ)، وهي من أشهر الصوفيات ذوات الجاه العريض، كانت موجودة في أواخر القرن الثامن والنصف الأول من القرن التاسع الهجري. عُرفت الشيخة سلطانة بالتصوف والزهد والصلاح والشهرة، وكانت امرأة عظيمة الحال، جليلة القدر، ويحق للمرأة اليمنية أن تفخر بوجود مثلها.

كان للعارفة سلطانة أخوان صالحان، هما عمر ومحمد، ترك ثلاثتهم طريق العامة، وجنحوا للتصوف، فاجتهدوا في العبادة حق الاجتهاد في ذلك العصر الحافل بعظماء الرجال وصلحائهم، كالشيخ عبدالرحمن السقاف والشيخ محمد بن عبدالله باعباد، حتى صار الإخوة الثلاثة من الصلحاء الزاهدين المعروفين بالصلاح والاجتهاد في العبادة، ثم ارتفع شأن الشيخة سلطانة حتى علت شهرتها، وغمرت ذكر أخويها الصالحين عمر ومحمد اللذين صارا -فيما يظهر من أخبارهما- يجلانها إجلال التلاميذ لشيخهم. 

وهكذا تدرجت أحوال الشيخة سلطانة حتى صارت كما يقول مؤرخ آل باعباد: "ذات أحوال وكرامات ومكاشفات خارقة وأسرار جليلة وبراهين مشهودة، انتشر جاهها في كل النواحي حتى غمر الحواضر والبوادي، ويكفيها أن الشيخ عبدالرحمن السقاف وابنيه أبا بكر وعمر المحضار والشيخ معروف بن محمد باعباد، كانوا يزورونها لجلالة قدرها، واستمرت زيارتها حتى بعد وفاتها".  

 كان موطن سلطانة الزبيدية بلدة "العر" من بلاد حضرموت، وهي بلدة شرقي بلدة مريمة، وفيها ضريحها، وعندما عظم شأنها بنت ببلدة العر رباطًا بدعم من شيخها الشيخ محمد بن عبدالله باعباد، وللشيخة سلطانة أشعار صوفية ينشد منها في حضرة السقاف في تريم، أما ضريحها في العر، فتعلوه قبة ومشهد تقام له الزيارة سنويًّا في الإثنين الثاني من "نجم سعد الخباء"، ويوافق شهر سبتمبر، وتبدأ الزيارة الدينية بعد صلاة الفجر، ويقام إلى جانب الزيارة سوق تجاري ومؤخرًا صار من العادة أن تطول الزيارة إلى يومين بدلًا من يوم واحدة فقط.


المصادر:

  • نتائج المسح السياحي في الفترة (1996- 1999م) الجزء الرابع: محافظة حضرموت، جزيرة سقطرة، محافظة المهرة.
  • إدام القوت في ذكر بلدان حضرموت، عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف، ط1، دار المنهاج، بيروت لبنان، 1425ه، 2005م.
  • معجم البلدان والقبائل اليمنية إبراهيم المقحفي، الجيل الجديد، الطبعة الخامسة، 1432ه- 2011م.

•••
خيوط

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English