ختامه قبلة...

قصة صعود ولي العهد السعودي إلى الحكم
August 25, 2021

ختامه قبلة...

قصة صعود ولي العهد السعودي إلى الحكم
August 25, 2021

برادلي هوب & جاستين سكك
ترجمة: عبدالإله المنحمي

مكالمة الساعة العاشرة مساء لم تبدُ مثيرة للتشاؤم في البداية. إنه العشرون من يونيو/ حزيران 2017، تقريبًا نهاية شهر رمضان، وكان ولي العهد، محمد بن نايف، قد تناول للتو إفطاره. 

مثل كل الأمراء رفيعي المقام، وبمناسبة الشهر المبارك، انتقل ابن نايف إلى قصره في مكة. كان يقضي أيام رمضان الحارة في الصيام، والاسترخاء، والعبادة. وفقط بعد مأدبة الإفطار التقليدية التي تتألف من التمر والشوربة واللبن واللحم والرز، والتي يتم تناولها مع الأصدقاء والزوار، تبدأ الأعمال الحكومية. بالنسبة لمحمد بن نايف، ذلك معناه الجلوس، وأحيانًا الإغفاء لدقائق، على كرسي وثير، أو أريكة من القطيفة الموشّاة بالذهب، وذلك من أجل اجتماعات ومقابلات تبدو بلا نهاية مع البيروقراطيين، وموظفي الدواوين، ويتخللها تقديم فناجين القهوة الضاربة إلى الصفرة والمطعمة بالهال، من منتصف الليل وحتى الفجر.

كانت المكالمة في تلك الليلة من أجل واحدة من تلك الجلسات الروتينية، من أجل نقاش مع جنرالات الجيش ورجال الأمن للاطمئنان من الوضع الأمني قبل عطلة عيد الفطر القادمة. كوزير للداخلية، الأمير الذي عُرف لدى وكالة الاستخبارات الأمريكية ووزارة الخارجية بـMBN كان مسؤولًا عن الأمن الداخلي للمملكة. ولأن التجمعات العامة، كتلك التي تحدث في عطلة العيد، كانت أهدافًا محتملة للإرهاب، فقد كان يتعين عليه الحضور. باختصار، لم يكن لدى ابن نايف سببٌ للقلق. بعد سنة متوترة مع نائبه الشكلي، محمد بن سلمان، كان ثمة ما يشبه الانفراجة. طوال فصل الربيع، كانت شائعات تحوم في السعودية، وفي العاصمة الأمريكية أيضًا، بأن محمد بن سلمان سيزيح ابن عمه الأكبر، حتى إن محمد بن نايف استأجر عضو جماعة ضغط، لوبيًّا، ليتكفل له بالدفاع عن قضيته في واشنطن. بعد ذلك جاء رمضان، وبدا أن الكل سيستريح. كان محمد بن سلمان قد سمح لبعض حراس ابن نايف المقربين بالعودة للعمل في القصر الملكي مجدّدًا، بعد أشهر من تنحيتهم جانبًا.

منذ سنوات، يشعر الأمريكيون بالقلق تجاه صحة MBN، وحياته الخاصة. فبالرغم من أنه كان لطيفًا ودمِثًا عند تعامله مع نظرائه، فقد كان أيضًا عصبيًّا على نحو غريب. لقد لاحظوا، في السنوات الأخيرة، أنه يقرع القلم، أو يهز ساقه، عند الحديث، كما لو أنه غير قادر على الجلوس هادئًا دون حركة. وإذا حدث أن جلس هادئًا، فإنه أحيانًا يغفو نائمًا

لذلك فور تلقيه المكالمة، استدعى محمد بن نايف، الرجل الخمسيني، والمنهك بداء السكري والإصابات الجسدية، حاشيتَه، وانطلقوا في موكب صغير، باتجاه مركز المدينة، إلى قصر الصفاء الأبيض والأسود، والمطل على الكعبة. بعد اثنتي عشرة ساعة لاحقة، سيظهر تحت أضواء الكاميرات كسجين، مجردًا من واجباته الحكومية وثروته، ومبعدًا عن خط ولاية العرش، وموضوعًا رهن الإقامة الجبرية. وهذه ستمثل الخطوة الأخيرة في رحلة صعود محمد بن سلمان نحو وراثة العرش السعودي.

على الدوام، كان الأمريكيون يجدون في محمد بن نايف القطعة الناقصة التي ستكمل الصورة، وتحل اللغز. والده هو الأمير المهيب نايف، الأخ الشقيق للملك سلمان، الذي ظل على رأس الأمن والمخابرات السعودية كوزير للداخلية لأكثر من خمس وثلاثين سنة. والأمير نايف هو من أدخل ابنه في أعمال العائلة.

كان نايف عنيدًا، ومنعزلًا، ومقاومًا للتغيير. "متسلط عنيف، قلبًا وقالبًا"، كما وصفه السفير الأمريكي السابق في السعودية، جيمس سميث، في إحدى البرقيات المتسربة، في العام 2009. وفي أعقاب هجمات 11/9 طالب السيناتور الأمريكي تشاك سكومر الحكومة السعودية بإقالته، باعتبار أنه لم يكن فعّالًا في تعامله مع مشكلة الإرهاب داخل المملكة وخارجها. كما أن مسؤول المخابرات السابق، بروس ريدل، الذي تولّى ملف أمن الشرق الأوسط تحت إدارة عدة رؤساء، كان أكثر صراحة في تقرير له في 2016. نايف، الذي كان ريدل يعرفه جيدًا، "ضد-أمريكي، وعلى نحو جوهريّ". كتب ريدل. 

مهمة تقديم المعلومات

أما الابن، محمد بن نايف، فلم يثر مخاوف كهذه. ففي الفترة التي وقعت فيها أحداث 11/9، فترة الارتياب العميق، كان له دور في رأب الصدع بين بلاده وبين الولايات المتحدة، وكان يومئذٍ قائد أمن صاعدًا نسبيًّا. لقد أقام روابط شخصية في جميع أرجاء الحكومة الأمريكية. على خلاف رجال المخابرات الأجانب، الذي يركزون اهتمامهم على علاقتهم مع السي آي أيه، محمد بن نايف فَتَحَ قنوات اتصال مع وزارة الخارجية. تعرّف على جون كيري، ومساعدي جو بايدن، كما تحدث إلى جون باتروس، الذي أصبح رئيسًا للسي آي أيه أثناء رئاسة أوباما، وإلى آخرين، حول بناء مؤسسات سعودية تكون علاقتها بالولايات المتحدة متجاوزة للتغيرات القيادية التي تحدث على مستوى قمة النظام السياسي في كلا البلدين. 

في السنوات التالية، نفذت القاعدة سلسلة هجمات في المملكة، وكان MBN هو من قاد ردود الفعل الحكومية عليها. قواته، يقول ريدل، هي التي حطمت خلايا القاعدة، من دون أن يكلف ذلك خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد.

مع معارفه الأمريكين، كان محمد بن نايف فكاهيًّا ومهذّبًا. عندما يقول الأمريكيون إنهم يريدون شيئًا من المملكة كان يبادر إلى تلبيتهم. وعندما لا يستطيع أن يفعل ذلك، يشرح أسبابه بكل صدق. أولوياته كانت تتفق وأولويات أمريكا، وبخلاف بقية الشركاء، كان ابن نايف يملك القوة لإنجاز الأمور داخل المملكة.

متحدثًا بإنجليزية متقنة طورها بالتحاقه في كلية لويس & كلارك في أوريغون في العام 1970، كما بتلقيه تدريبًا لفترة ما في مكتب التحقيق الفيدرالي، كان محمد بن نايف "رجل الأمن السعودي السري المثالي"، قال جون فاينر، رئيس طاقم كيري أثناء فترة عمل هذا الأخير سكرتيرًا للدولة. فاينر عقد اجتماعات عدة مع MBN في الرياض، وفي واشنطن، وكبقية المسؤولين الأمريكين، كان مأخوذًا بطريقة الأمير المتجاوبة، وقدرته الثابتة المستمرة، في تقديم معلومات استخباراتية عن النشاط الإرهابي داخل المملكة وخارجها.

"لقد حموا (ظهري) مرات عديدة"، يقول أحد المسؤولين في وزارة الخارجية الأميركية المقيمين في السعودية الذين تلقوا معلومات حول تهديدات معينة من رجال محمد بن نايف. هذا الرجل، والآخرون في البيت الأبيض والبنتاغون، وفي لانغلي (وكالة الاستخبارات)، كانوا متحمسين عندما أصبح MBN، بعد وقت غير طويل من وفاة والده، وزيرًا للداخلية. وتعيينه وليًّا للعهد، بعد أشهر قليلة من وفاة الملك عبدالله في 2015، أرسل إشارة إلى الأمريكين مؤداها أن الملك القادم سيكون شخصًا عاش في الولايات المتحدة، وأقام مع المسؤولين الأمريكيين علاقة بدت كصداقة أصيلة. وفي 2016 كتب ريدل في ورقة مقدمة لمعهد بروكينغز أن "MBN قد يكون الأكثر إخاء لأمريكا من بين كل الأمراء الذين يمكن أن يحتلوا موقعًا على خط تولي العرش".

لم يتطرق إلى ذكر الأشياء الأخرى التي سبق أن وصلت إلى مسامع الولايات المتحدة عن محمد بن نايف، الأشياء التي سببت لدى المسؤولين في واشنطن قلقًا من أن أميرهم المفضل قد لا يتولى العرش على الإطلاق. 

منذ سنوات، يشعر الأمريكيون بالقلق تجاه صحة MBN، وحياته الخاصة. فبالرغم من أنه كان لطيفًا ودمثًا عند تعامله مع نظرائه، فقد كان أيضًا عصبيًّا على نحو غريب. لقد لاحظوا، في السنوات الأخيرة، أنه يقرع القلم، أو يهز ساقه، عند الحديث، كما لو أنه غير قادر على الجلوس هادئًا دون حركة. وإذا حدث أن جلس هادئًا، فإنه أحيانًا يغفو نائمًا. 

ربما يعود الأمر إلى إصابته بالسكري. تساءل المسؤولون في البيت الأبيض، أنه لم يتعافَ تمامًا من آثار محاولة الاغتيال الصادمة التي استهدفت حياته في 2009. في تلك السنة، وفي أحد أيام شهر رمضان، اتصل شاب يدعى عبدالله العسيري بالأمير، وقال إنه كان إرهابيًّا، ويود الالتحاق ببرنامج محمد بن نايف لتأهيل وإصلاح الإسلاميين المتطرفين. الأمير وافق على مقابلته شخصيًّا، وبعد أيام حضر العسيري إلى مكتبه في جده. 

جلس العسيري إلى جانب محمد بن نايف، وأخرج هاتفه الخلوي ومد به إلى الأمير، ومن ثَمّ فجر نفسه. وسط المجزرة -سيقول محمد بن نايف لصديق أمريكي حضر إلى المكتب لاحقًا- نظر محمد بن نايف إلى الأعلى وشاهد تجويفًا ملطخًا بالدماء على سقف مكتبه، حيث ارتطم رأس العسيري. جسد الرجل الشاب كان متناثرًا في كل أنحاء الغرفة، متمزقًا إلى أشلاء بوساطة متفجرات تم إخفاؤها في شرجه، كما ذهبت السلطات السعودية، (المسؤولون الأمريكيون قالوا إن القنبلة من المحتمل أن تكون، في الحقيقة، قد أخفيت تحت السروال الداخلي).

وقعت إحدى الشظايا بجسد ابن نايف، لكنه بدا وكأنه قد نجا من الحادث من دون إصابة خطيرة. بعد وقت قصير، ظهر على التلفزيون متحدثًا عن الواقعة بيدين مضمدتين لإظهار إصاباته. ولكن صديقًا أمريكيًّا زاره بعد ذلك، قال إنه يبدو سليمًا. كانت هذه الحادثة واحدة من عدة محاولات استهدفت حياة ابن نايف، كما أنها جعلته واحدًا من الأمراء القليلين جدًّا الذين نزفوا دمًا لأجل وطنهم. والتزامه بالعودة إلى الخدمة بعد هذا الهجوم، ساعدَ في بناء صورة محترمة له في الولايات المتحدة. 

أثناء رئاسة أوباما، تساءل أولئك المسؤولون عما إذا كانت إصاباته أسوأ مما سمح لها بأن تبدو عليه. هل نوماته أثناء الاجتماعات عائدة إلى إصاباته بالسكر؟ هل هو منخفض القدرة جسديًّا، ويعتمد على عقاقير طبية تساعده على القيام بمهامه؟ السي آي أيه التقطت معلومات تفيد أنه مدمن على نوع من المسكنات تعطى له عبر توصيات الأطباء. وهذه قضية ليست جديدة على أمراء الصف الأول من آل سعود، كما يُعرف عن الملك سلمان نفسه. ومع ذلك، فإنها، بالنسبة للأمريكيين، شيء مقلق عندما يتعلق الأمر بحليف مهم وشاب نسبيًّا. 

بعد تولي سلمان العرش، بدأ سيل من المعلومات الاستخباراتية، أكثر حساسية، يجد طريقه إلى الولايات المتحدة. محمد بن نايف، أُخبر مسؤولون أمريكيون عن طريق عملاء لهم في المنطقة، يتعاطى نوعًا رخيصًا وسيّئ الصنع من المخدرات المثيرة جنسيًّا، مع شباب وشابات من جميع أنحاء العالم، وفي بعض الأحيان يتورط في فضائح أخلاقية صادمة. لم يعرف الاستخباراتيون الأمريكيون ماذا يصنعون بإزاء معلومات كهذه. فبينما كانوا يحتكرون حيازة معلومات موثوقة عن لقاءات محمد بن نايف الغرامية مع ذكور أثناء تواجده في جنيف لإجراء فحوصات طبية، بدأت هذه المعلومات بالتسرب. سواء أكانت صحيحة أم كاذبة، الشائعات أقلقت المسؤولين في واشنطن، ذلك أن من الممكن جدًّا استخدامها ضد ابن نايف لسد طريقه نحو العرش السعودي. ففي بلدٍ غاية في التقليدية والمحافظة، حقيقة أن الأمير لا يملك سوى زوجة واحدة، وابنتين من دون ابن ذكر، وحدها كافية لأن تكون سببًا لإثارة الريبة. فماذا لو بدأت الشائعات هذه عن حياته في أوروبا بالذيوع؟ 

لقد كانت هناك إشارات تدل على أن ابن نايف، شيئًا فشيئًا، يُنحى جانبًا. في إحدى الزيارات إلى المنطقة، أراد مسؤول أمريكي سابق مقابلة قائد الحرس الوطني المقال من منصبه متعب بن عبدالله، نجل الملك الراحل عبدالله، في مزرعته خارج الرياض. وبعد تناول وجبة في واحدة من خيمات آل سعود المترفة أعظم ما يكون الترف، قال متعب إنه يريد أن يقوم بتمشية في البرية. كان يبدو قلقًا، يتذكر المسؤول الأمريكي، من أن خيمته يجري التنصت عليها.

تحت السماء الصافية، تكلم متعب لساعتين تقريبًا. هناك تغيير عميق يطال بنية القيادة، قال متعب. كان يتحدث بإيجاز، متجنبًا الخوض في التفاصيل، ولكنه أزاح الغطاء عن معلومة مثيرة للصدمة. محمد بن نايف، ولي العهد السعودي، وقائد أحد القطاعات العسكرية، لم يعرف مقدمًا أن محمد بن سلمان، الذي يفترض أنه نائبه، سيذهب لضرب اليمن.

خلال نصف القرن ذاك، حافظت الأسرة على سلام نسبي فيما بينها. كثير من أبناء عبدالعزيز عُيّنوا في مناصب حكومية، سخروها لمضاعفة قوتهم ونفوذهم، وفي بعض الحالات كانوا يسخرونها لمراكمة ثرواتهم من خلال قبض أموال من الشركات الأجنبية الراغبة في الحصول على امتيازات نفطية. ولكن أيًّا منهم لم يتوفر له تأييد كافٍ لفرض سيطرة شاملة على الدولة

لحظات كهذه، جعلت المسؤولين المهتمين في أمريكا يقلقون من أن الوسيلة الأكثر أمانًا، وسيلةَ الصعود إلى العرش بناء على الكفاءة والجدارة، بدلًا من التدافع التقليدي بين أفراد العائلة، أصبحت في مهب الريح. ومرة أخرى، قدر الأمريكان أن محمد بن نايف هو رجل المخابرات الذي تمكن من كنس تنظيم القاعدة خارج الأراضي المقدسة، وبالتأكيد فإن لديه المقدرة، في الصراع العائلي هذا، على حسم الأمور لصالحه. 

في يقظة متأخرة، قال جون فاينر: "الأمر الذي لم يكن في حسباننا أن محمد بن سلمان سيتفوق في لعبته مع محمد بن نايف بكل تلك الفاعلية والاقتدار". 

العلاقة بين محمد بن نايف ومحمد بن سلمان ليس لها نظير في التاريخ السعودي الحديث. لم يحدث قط من قبل أن رجلين من أبوين مختلفين وقفا على خط تولي العرش السعودي. فمنذ وفاة المؤسس، ابن سعود، في العام 1953، كان المُلك في أبنائه، واحدًا بعد آخر.

*** 

أولئك الأبناء كانوا على وعي بمخاطر الطريقة غير المنظمة التي يتم من خلالها تولي العرش. قرار الملك عبدالعزيز القاضي بنقل التاج إلى ابنه الأرشد، سعود بن عبدالعزيز، انتهى إلى كارثة على المدى الطويل. بسلوكه الماجن، وعدم قدرته على إيجاد حل لدين المملكة المتعاظم، استلم سعود الحكم بينما كانت البلاد تواجه أزمة اقتصادية طاحنة. بعد خمس سنوات، اجتمعت الدزينة من إخوانه، واتفقت على نزع أغلب الصلاحيات من يده، ونقلها إلى ولي عهده الأصغر، فيصل، الذي أصبح ملكًا في نهاية المطاف. 

الإجماع الذي حظي به فيصل بخصوص توليه الحكم، أسس ما أطلق عليه جيمس سميث، السفير الأميركي السابق في المملكة، "النظام الوحيد في العالم، تقريبًا، الذي يدار بوساطة مجموعة من الإخوة غير الأشقاء". لا يعني ذلك أننا أمام ديمقراطية عائلية تمامًا، إنما يعني أن القوة أصبحت متوزعة بين دزينة من الرجال والأفرع العائلية. هذا النظام عزز مبدأ الإجماع، وحفّز كل فرد على الانضمام لرأي الأغلبية. والأمير الذي ستشذ أفعاله عن رأي العائلة، سينتهي به الأمر خارج خط وراثة العرش. رؤية الحكم التي أسفرت عن هذا، كما وصف سميث في برقية مسربة، هي رؤية "إجماعية، حذرة، محافظة، وتفضل العمل بأثر تراجعي". ذلك كله أكسب نظام الحكم السعودي استقرارًا، وتحجّرًا في نهاية المطاف، حتى في الفترة التي كانت فيها الثروة النفطية تدخل البلاد في تغير اقتصادي متسارع. ولأن ابن سعود أنجب عددًا كبيرًا من الأبناء خلال خمسة عقود من زوجاته اللاتي يربو عددهن عن اثنتي عشرة زوجة، فقد قيض لذلك النظام الاستمرار على حاله لما يزيد عن خمسين سنة. 

خلال نصف القرن ذاك حافظت الأسرة على سلام نسبي فيما بينها. كثير من أبناء عبدالعزيز عُيّنوا في مناصب حكومية، سخروها لمضاعفة قوتهم ونفوذهم، وفي بعض الحالات كانوا يسخرونها لمراكمة ثرواتهم من خلال قبض أموال من الشركات الأجنبية الراغبة في الحصول على امتيازات نفطية. ولكن أيًّا منهم لم يتوفر له تأييد كافٍ لفرض سيطرة شاملة على الدولة، وخصوصًا من وزارة الدفاع ووزارة الداخلية والحرس الوطني، المؤسسات الثلاث التي يخضع كل واحدة منها لأمير مختلف، بينما الأمير الرابع، سلمان، كان يمتلك قاعدة نفوذ سياسي من نوع آخر، تمثلت في سيطرته على الموطن التقليدي لآل سعود، الرياض، وعلى مؤسسته الدينية الوهابية. لا أحد من الإخوة امتلك تحت تصرفه بنادق كافية لتنفيذ انقلاب عسكري داخل العائلة.

وقد كانت هناك أوقات خشي فيها القادة في كلٍّ من السعودية وأمريكا من أن النظام السعودي أصبح هشًّا. هذه المخاوف طفت إلى السطح في 2005، بعد تولي عبدالله العرش. عبدالله، الرجل المتقشف، بمعايير آل سعود، الذي كان يحظى باحترام على نطاق واسع داخل المملكة وخارجها، كان موقعه غريبًا داخل العائلة: سلفه على العرش، الملك فهد، كان أخًا شقيقًا للثلاثة الأمراء الأقوى داخل المملكة؛ نايف، سلطان، وسلمان. هؤلاء الرجال، من بين سبعة من الأبناء أنجبتهم حصة السديرية، زوجة ابن سعود الأثيرة، كانوا يتطلعون ليصبحوا ملوكًا يومًا ما. وعبدالله، على الجانب الآخر، لم يكن له أي أخ شقيق. لقد كان متجاوزًا للثمانين عندما استلم الحكم، وكانت لديه ميول إصلاحية. وكان يمكن لقرارته المتعلقة بآلية وراثة العرش أن تطيح بالوضع السياسي الراهن. 

عبدالله كان مدركًا لتلك المخاوف. وكان أيضًا يرى أن تعرّضه لمحاولة اغتيال أمر ممكن جدًّا، فتنظيم القاعدة على مقربة منه، وخطره قائم، كما أن آخر ملك إصلاحي، فيصل، كان مصيره القتل على يد أحد أبناء أخيه الساخطين من إجراءاته الإصلاحية التي قام بها في 1975. لذلك طلب من إدارة الرئيس بوش أن تقدم له المساعدة الأمنية اللازمة. 

البيت الأبيض من جهته، أرسل فريقًا أمنيًّا، تقابل مع طاقم الملك وخرج بسلسلة من التوصيات. بعضها كان عبارة عن إجراءات أمنية مسكنة، لا أكثر. لكن الفريق الأمني الأمريكي، قدم اقتراحًا من نوع آخر. إن على الملك عبدالله أن يضع آلية أكثر وضوحًا لوراثة العرش، وهذا ما قاده في 2006 إلى الإعلان عن تأسيس هيئة البيعة.

القانون الذي أقره عبدالله يقول إن على الملك أن يعين خلفًا له، وبعد ذلك تجتمع الهيئة إما للموافقة على اختيار الملك، أو لاقتراح أمير آخر، من أعقاب عبدالعزيز آل سعود، تراه أكثر ملائمة واستحقاقًا. وسيكون من عمل الهيئة أيضًا أن تجتمع للموافقة على ولي العهد الجديد، في حال تُوفِّي ولي العهد الحالي. ونقاشات الهيئة ومداولاتها سيكون الأمين عليها الشخص الوحيد الذي سُمح له أن يكون عضوًا فيها رغم عدم امتلاكه صفة الإمارة، أي خالد التويجري، مساعد الملك عبدالله.

إدارة ترامب كانت مختلفة. لقد بدا وكأنها تولي اهتمامًا أقل لمسألة الاستقرار. جيرارد كشنر، وبانون، كانوا قد وصلوا إلى تفاهم عميق مع محمد بن سلمان، وولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد، الذي لطالما حمل مشاعر كره لمحمد بن نايف. لقد كان واضحًا لهؤلاء أن البيت الأبيض لن يحاول إيقاف قلب الوضع لصالح ابن سلمان، أيًّا يكن أثر ذلك على الاستقرار

وخلال فترة حكم عبدالله، عندما تُوفّي ولي العهد، وبعد فترة وجيزة لحق به ولي العهد الثاني، بدا أن هذا القانون خرج إلى حيز التنفيذ. فقد عينت الهيئة أولياء العهد، الواحد بعد الآخر، إلى أن جاء دور سلمان في 2012. ولكن عبدالله لم يكن يتعامل مع الهيئة باعتبارها صانعة قرار. لقد كان هو من يسمي ولي العهد، ويأمر أعضاء الهيئة بالتوقيع على اختياره. لذلك عندما تُوفِّي، بعد سنتين من ذلك، واستلم سلمان الحكم، كان لدى هذا الأخير سابقة في أن يأمر الهيئة، أكثر مما يترك لها الحرية أن تقرر، بخصوص من سيكون الثاني على خط وراثة العرش.

***

في البداية تحرك سلمان ببطء. في الثلاثة الأشهر الأولى استقر على ولي العهد الذي اختاره عبدالله، مقرن بن عبدالعزيز، رئيس المخابرات السعودية السابق. مقرن عمل طويلًا في السلك الحكومي، ولم يكن أخًا شقيقًا للملك سلمان، وهذا يعني أن القوة كانت لا تزال موزعة بين فروع مختلفة داخل العائلة. ونائب مقرن؛ أي ولي ولي العهد، كان محمد بن نايف، أول حفيد لابن سعود يصل إلى تلك الرتبة. أما محمد بن سلمان فقد أُسند له دور أقل، خارج خط وراثة العرش. 

بعد ذلك بدأ عادل الجبير، السفير السعودي في واشنطن، والذي سيصبح لاحقًا وزير الخارجية، ينقل رسائل محيرة لسكرتير الدولة السابق، جون كيري، مسوقًا لمحمد بن نايف باعتباره الملك القادم. وأول نقلة ذات مغزى حدثت فجرًا في الرابع من يوم 29 أبريل 2015، عندما أعلن القصر الملكي استقالة مقرن. ولي العهد الجديد سيكون محمد بن نايف، ونائبه والثاني على خط وراثة العرش سيكون محمد بن سلمان، وزير الدفاع الحالي للملكة. 

تلك كانت المرة الأولى التي يصل فيها واحد من أحفاد آل سعود ليصبح الأول على خط وراثة العرش. ولقد أثار ذلك شيئًا من الدهشة والحَيرة في أوساط المسؤولين الأمريكان. سلمان هو الملك، وفيما يبدو أنه يهيّئ الجو ليغدو ابنه وريثًا له. فلماذا يوضع محمد بن نايف، حليف الولايات المتحدة القديم، محشورًا في المنتصف؟

جو ويستفال، سفير الولايات المتحدة في الرياض، سأل محمد بن سلمان بصراحة: من سيكون الملك القادم؟ "كل ملك يعقبه ولي عهده"، أجاب محمد بن سلمان، وهذا كان تأكيدًا جليًّا منه أن محمد بن نايف سيكون هو الملك القادم.

لكن المسؤولين في واشنطن كانوا في شك من أمرهم. محمد بن سلمان كان يبدو في صعود، ومحمد بن نايف في هبوط. خلال زيارته للقاعدة الأمريكية المتموضعة في الحدود العراقية السعودية، وعلى اليخت الخاص بالأمير، استمع كيري لتذمر محمد بن سلمان من الاتفاق النووي مع إيران، ومن سياسة أمريكا أثناء الربيع العربي، ومن شعوره بالخيبة تجاه الولايات المتحدة. وهذا لا يبدو كلام شخص سينتظر ابن عمه حتى ينهي خدمته كملك، قبل أن يأتي دوره للتربع على العرش. 

وشيئًا فشيئًا، بدأ محمد بن سلمان يتخذ خطوات أكثر عدوانية، مثل فصل نائب محمد بن نايف، سعد الجابري، وتسريحه في 2015.

كانت ردة فعل محمد بن نايف سلبية في البداية. فقد سافر إلى الجزائر لرحلة صيد طويلة، ولكنه غضب عندما سمع بعض الشائعات تتحدث عن مرضه، وعن أنه قد يكون على وشك الوفاة. وفي الأخير كتب رسالة إلى الملك سلمان يشكو فيها من التدخل الإماراتي في الشؤون السعودية (الرسالة التي نشرتها لاحقًا مجلة نيويوركر)، ولكنها لم تأتِ بنتيجة. وعندما دخل دونالد ترامب مكتب الرئاسة في مطلع 2017، تشجع محمد بن سلمان، وشعر أنه الوقت المناسب للمضي قدمًا.

كل شيء أصبح جاهزًا

أثناء رئاسة أوباما، وزارة الخارجية الأمريكية أوضحت للسعوديين أن أولويتها هي الاستقرار في السعودية والمنطقة عمومًا. لم تكن الولايات المتحدة تريد خصومة بين الأجنحة القوية داخل العائلة المالكة. كانت تريد إجماعًا وانتقالًا منظمًا للسلطة. ومن ثَمّ لم تكن مستعدة لأن تضع دعمها وتأييدها خلف أمير شاب، لمجرد أنه الابن المدلل للملك. 

إدارة ترامب كانت مختلفة. لقد بدا وكأنها تُولي اهتمامًا أقل لمسألة الاستقرار. جيرارد كشنر، وبانون، كانوا قد وصلوا إلى تفاهم عميق مع محمد بن سلمان، وولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد، الذي لطالما حمل مشاعر كره لمحمد بن نايف. لقد كان واضحًا لهؤلاء أن البيت الأبيض لن يحاول إيقاف قلب الوضع لصالح ابن سلمان، أيًّا يكن أثر ذلك على الاستقرار. 

مستشارو محمد بن نايف كانوا قد حذروه من أن ابن عمه ماضٍ في تحركاته ضده، وأخيرًا بعد أشهر من التحذيرات استأجر محمد بن نايف اللوبي الأمريكي، روبرت استرايك، لتذكير أعضاء الإدارة الجديدة بأن ابن نايف هو حليف أمريكا المؤتمن لما يزيد عن خمسة عشر عامًا. لقد تم اختيار سترايك بالذات، بناء على توصية من بعض أصدقاء ابن نايف في وكالة الاستخبارات الأمريكية كانوا يشعرون بالقلق من مساعي بن سلمان للإطاحة به. وفي مايو من تلك السنة، وقع سترايك عقدًا بقيمة 5 ملايين دولار مع وزير الداخلية السعودية. لكن لم يكن لديه الكثير ليفعله. بعد أيام قليلة من توقيع ذلك العقد، قام ترامب وحاشيته بزيارة السعودية، الزيارة التي لم يسجل فيها محمد بن نايف حضورًا يذكر. وبعد أيام قليلة بدأ شهر رمضان. 

إنها تقريبًا نهاية الشهر الكريم، وكل شيء كان يبدو هادئًا في المملكة العربية السعودية، عندما وصل مبعوث محمد بن سلمان إلى واشنطن حاملًا رسالة. محمد بن سلمان جاهز لتنحية ابن عمه جانبًا. هذا ما أخبر به المبعوث أعضاء الإدارة الأمريكية. بعد ذلك بقليل، استقبل محمد بن نايف مكالمة ليلية تطلب منه الحضور إلى قصر الصفاء. 

عندما وصل موكب محمد بن نايف، لم يسمح حرس القصر لبعض مرافقيه بالدخول. لم يكن ذلك إجراء غريبًا، فعادة ما يكون القصر مزدحمًا في وقت كهذا. بعد ذلك طلبوا من بقية مرافقيه أن يتوقفوا عند نقطة التفتيش الثانية، وعندما وصل الأمير إلى مدخل القصر مع مرافقه الشخصي، قال له الحراس إن عليه أن يدخل بمفرده. الملك -قال الحراس- يريد أن يجتمع بالأمير على انفراد. 

بينما كان محمد بن نايف في طريقه خلال صالات القصر المفروشة بالسجاد الفاخر، قام الحرس بتجريد رجاله الذين تركهم وراءه من السلاح والهواتف المحمولة. ثم قادوا ولي العهد إلى ردهة صغيرة حيث تُرك وحيدًا. لقد كان الوقت حوالي منتصف الليل.

لا يهم مدى السرية التي أحيطت بها العملية على المستوى العام في البلد، لقد كان هناك موضع تسرُّب بالنسبة للمقربين من القصر الملكي. في نقطةٍ ما من تلك الليلة، أحد المؤيدين لابن نايف اشتمّ رائحة ما كان يجري. أحمد بن عبدالعزيز، الأخ الأصغر للملك سلمان، والمسؤول الحكومي السابق، حاول، بقلق شديد، الاتصال بالملك سلمان. لكن مساعد الملك أنهى المكالمة بسرعة. الملك نائم. أجاب المساعد.

بينما كان محمد بن نايف منتظرًا، اتصل رجال محمد بن سلمان بأعضاء هيئة البيعة التي أصبحت تضم أربعة وثلاثين أميرًا من أعقاب عبدالعزيز آل سعود. الملك يريد أن يكون محمد بن سلمان وليًّا للعهد. هكذا قيل لكل واحد منهم. ثم سئل كل منهم: ما هو رأيك؟

في الواقع، لم يكن ذلك استفسارًا حقيقيًّا. إذا كان دور الهيئة في اختيار الملك وولي العهد مجرد دور شكلي، وهذا في عهد مؤسسها الراحل عبدالله بن عبدالعزيز، فقد كان من السهل بالنسبة لملك أقل تقديرًا لمسألة الإجماع من الملك عبدالله، كالملك سلمان، أن يتجاوز إرادتها. من يعرف ما نوع العقاب الذي كان بانتظار الأمير الذي سيقف في طريق محمد؟ القصر الملكي أعلن في وقت لاحق أن واحدًا وثلاثين عضوًا من أعضاء الهيئة وافق على التغيير. المعارض الوحيد، أحمد بن عبدالعزيز، سيدفع، لاحقًا، ثمنَ تصويته ضد محمد بن سلمان. 

مبعوث خاص من محمد بن سلمان أوصل تلك الأخبار إلى محمد بن نايف في غرفة انتظاره، ثم طلب منه التوقيع على استقالته. "لقد كان مذهولًا"، قال أحد المقربين منه في وقت لاحق. ابن نايف رفض التنازل، فغادر مبعوث محمد بن سلمان الغرفة، مغلقًا الباب وراءه.

في الساعات التي تلت ذلك، امتلأت غرفة ولي العهد برجال محمد بن سلمان المقربين، من أمثال تركي آل الشيخ. كانوا يحثون ابن نايف على التنازل. "من دون ذلك لن تغادر هذه الغرفة حيًّا"، قال له أحدهم. الآخرون هددوه بنشر معلومات تفيد أنه يتعاطى مخدرات. ثم وفي محاولة للتأثير على معنوياته، عرضوا له تسجيلات فيديو لبعض الأمراء وهم يؤيدون محمد بن سلمان عليه. 

محمد بن نايف، المصاب بالسكر، تمسك في موقعه الليل كله. لكنه كان منهكًا، وبلا حول ولا قوة. لذلك وافق في النهاية على الصفقة: إنه لن يوقع على وثيقة تنازل، لكنه سيوافق على التنازل شفويًّا. 

وأخيرًا، في حدود السابعة صباحًا، قاده رجال محمد بن سلمان خارج غرفة احتجازه. محمد بن نايف كان يتوقع أنه سيعلن عن تنازله بصورة رسمية في وقت لاحق من ذلك اليوم، لكن، وبينما كان في طريقه خلال صالة القصر، انفتح أحد الأبواب فجأة، وإذا به محاط بكاميرات التصوير. أحد الحراس كان واقفًا وبندقيته في يده، الأمر الذي يعد انتهاكًا للبروتوكول في حضرة ولي العهد. وهنا أقبل محمد بن سلمان عليه، بينما سعود القحطاني، أحد رجال ابن سلمان المقربين، يلتقط الصور. محمد بن سلمان قبّل ابن عمه الأكبر الذي كان يتمتم بعبارة إخلاص: "الآن إحنا نرتاح، وأنت الله يعينك".

فصل من كتاب: الدم والنفط


•••

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English